في 12 آذار/ مارس 2020، عقد رئيس الوزراء بوريس جونسون مؤتمرا صحفيا لإعطاء رد الحكومة البريطانية على تفشي فيروس كورونا المستجد.

ترجمة وتحرير: نون بوست

مرحبًا بك في أحلك الأوقات التي يمر بها المشهد السياسي العالمي. على الرغم من أن تفشي فيروس كورونا علّمنا أنه من الضروري اتخاذ تدابير نظافة دقيقة، إلا أننا بتنا متيقنين أن الضحية الأولى لانتشار الجائحة هي القيادة. في أي وقت من الأوقات في السنوات الخمسة وسبعون الماضية، كان العالم في حاجة ماسة إلى لحظة " يكون فيه الشيء الوحيد الذي يجب أن نخافه هو الخوف نفسه". غير أن القادة العالميين فشلوا في تحقيق ذلك أكثر من أي وقت مضى.

من بكين إلى بروكسل، ومن روما إلى واشنطن ولندن وما بعدها، لم يفشل السياسيون في الارتقاء إلى مستوى أن يكونوا أشخاصا ذو كفاءة للتصدي لهذه الأزمة فحسب، بل انخرطوا في لعبة خطيرة من التحليل والتعتيم وإنكار الواقع. وهذا ما أودى بحياة الأشخاص وتسبب في تأخر استجابة حاسمة.

على الرغم من أن علماء الفيروسات يحذرون منذ أسابيع من أن معدلات الإصابة بالمرض قد ترتفع بسرعة، فإن القادة السياسيين، خاصة في الغرب، لم يتخذوا سوى القليل من التدابير لوقف انتشاره. على غرار الخاصيات التي يتسم بها الفيروس نفسه، الذي يشير العلماء إلى أنه نشأ في مدينة ووهان الصينية (في حين نفى القادة الصينيون ذلك واستخفوا بخطورته)، كانت الاستراتيجيات السياسية التي اتخذها القادة لمواجهة الأزمة فاشلة

من المحتمل أن يتوقع القليلون قيادة ملهمة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي وصف فيروس كورونا المستجد بأنه "خدعة" ديمقراطية وتوقّع قبل أيام أنه سيختفي "مثل المعجزة". مع ذلك، سيقع تذكّر عدم جديّته خلال خطابه الوطني حول حالة الطوارئ، الذي اقترن بتوجيهه أصابع اللوم بسبب عدم استعداد حكومته (قائلا: "أنا لا أتحمل المسؤولية على الإطلاق")، كنقطة سوداء في القيادة السياسية الأمريكية.

من جهة أخرى، اتسمت استراتيجيات ترامب بالافتقار إلى التضامن مع الحلفاء. في الواقع، لم يكتف ترامب بقرار حظر سفر الأوروبيين إلى الولايات المتحدة، الذي أعلنه دون إجراء مكالمة هاتفية ودودة لقادة الاتحاد الأوروبي مسبقًا، بل حاول الاستحواذ على الشركة الألمانية المصنعة للقاح، وذلك بهدف ضمان بقاء الأمريكيين الأولى في صف الشركات التي تسعى لتطوير لقاح للفيروس.

من المفارقات أن إدارة ترامب اختارت في السابق عدم استخدام اختبار الفيروس كورونا المستجد الذي طورته ألمانيا والذي وافقت عليه منظمة الصحة العالمية، وبدلاً من ذلك اختارت تطوير نسختها الخاصة، والتي ثبت أنه لا يمكن الاعتماد عليها. نتيجة لذلك، تسبب القرار في تأخير كبير في اختبار اللقاح في الولايات المتحدة، مما سمح "للفيروس الأجنبي"، كما يسميه ترامب، بالانتشار دون هوادة. 

في المقابل، تُخضع كوريا الجنوبية عددًا أكبر من الأشخاص يوميًا للتحاليل مقارنة بالولايات المتحدة في الأسابيع، منذ بدء تفشي المرض. غير أن الفشل الذريع لم يمنع ترامب من الادعاء الكاذب الأسبوع الماضي بأن "عمليات الاختبار كانت سلسة للغاية".

تتمثل الحقيقة في أن ميركل كانت تركّز بشكل أكبر على تدفق اللاجئين على الحدود اليونانية التركية والأزمة في ليبيا في الأسابيع الأخيرة 

في حين أن ترامب يحظى بأكبر قدر من الاهتمام لتهاونه في التعامل مع فيروس كورونا، فإنه بالكاد وحيد. في الواقع، وصف الرجل البرازيلي القوي جاير بولسونارو، الذي التقى بالرئيس الأمريكي الأسبوع الماضي في فلوريدا، الذعر الناجم عن فيروس كورونا المستجد أنه "خيال" يغذيه الإعلام. بعد ذلك بيوم، كانت نتيجة تحليل السكرتير الصحفي الخاص به إيجابيًا. إذا كان هناك زعيم واحد يجب أن يعترف بالخطورة التاريخية للحظة ويرتقي بها إلى خطاب مثير مقترنا بتدابير فعلية، فهو الرجل الذي صمم حياته السياسية على طريقة وينستون تشرشل، بوريس جونسون.

بدلاً من تقديم "الدم والتعب والدموع والعرق"، بدا جونسون أشبه بحاصد الأرواح. في السياق ذاته، صرح خلال خطاب متلفز يوم الجمعة: "ستفقد العديد من العائلات أحباءها"، غير أنه أصر أن حكومته تضع "خطة واضحة". وتتمثل المعضلة في أن الاستراتيجية الكامنة وراء هذه الخطة، والتي يُطلق عليها اسم "مناعة القطيع"، يبدو أنها تسببت في إثارة قلق عدد أكبر من الناس أكثر من طمأنتهم، مما خلق مخاوف من أن جونسون ليس لديه خطة على الإطلاق. نتيجة لذلك، قالت صحيفة صنداي تايمز: "فهمنا أن بريطانيا فقدت السيطرة على فيروس كورونا المستجد، ولكن يجب على الأقل أن تبدو كما لو أنها تفعل شيئًا ما".

ماذا عن الزعيمة الألمانية أنجيلا ميركل؟ في الواقع، تعد إدارة الأزمات من اختصاص ألمانيا. حظيت ميركل بشعبية كبيرة أثناء فترات الخطر، بدء من الانهيار المالي لسنة 2008 إلى أزمة اللاجئين لسنة 2015. لكن ذلك تغير الآن.

في الحقيقة، كلّفت المستشارة الألمانية، التي تحظى باحترام البعض باعتبارها "زعيمة العالم الحر"، بمهمة إدارة الوباء لوزير الصحة الشاب ينس شبان. ولم تخرج عن صمتها إلا في أعقاب انهيار السوق في يوم الاثنين الماضي، وبعد أن اضطرت إيطاليا إلى فرض تدابير صارمة للسيطرة على انتشار الفيروس. وحين طُرح عليها السؤال عن السبب وراء الوقت الطويل الذي استغرقته قبل المشاركة علنا، أصرت ميركل على أنها كانت تراقب الأزمة من وراء الكواليس منذ شهر كانون الثاني/ يناير، حيث صرحت قائلة: "أنا أتخذ قرار حول مكان وزمان معالجة قضية ما وفقا للظروف والحقائق".

مع ذلك، كانت الحقائق موجودة أمام الجميع. وتتمثل الحقيقة في أن ميركل كانت تركّز بشكل أكبر على تدفق اللاجئين على الحدود اليونانية التركية والأزمة في ليبيا في الأسابيع الأخيرة. وحتى في ظل محاولة ميركل الحفاظ على السلوك العام الحكيم، تتسم استجابة الحكومة للأزمة بعدم القدرة على التفاهم، ناهيك عن الشعور بالحيرة والارتباك.

في الواقع، لطالما قلل وزير الاقتصاد في حكومة ميركل، بيتر ألتماير، من أهمية المخاطر الاقتصادية التي يشكلها فيروس كورونا مشيرا إلى أنه لا يتوقع أن يصبح "عبئا رئيسيا على الاقتصاد العالمي". ومن ثم ظهرت الحقيقة. فبعد أسبوع من التقلبات العنيفة في الأسواق، كشف ألتماير رفقة وزير المالية أولاف شولتس يوم الجمعة عن برنامج "بازوكا" الألماني، وهو برنامج غير مسبوق لتوسيع سيولة غير محدودة للشركات الألمانية التي تضررت من الأزمة. 

على أرض الواقع، لم تكن الجهود الألمانية لمكافحة الفيروسات أكثر تماسكا. ورغم أن بعض الولايات أغلقت المدارس، لم تغلق ولايات أخرى أبوابها. في الأسبوع الماضي، ألغت برلين جميع الأحداث الثقافية، ولم تسمح سوى بإجراء مباراة كرة قدم محترفة. وعقب موجة من الاحتجاجات، وقع اتخاذ قرار بإجراء المباراة دون حضور جمهور، ومن ثم أُلغيت بشكل كامل.

تجدر الإشارة إلى أن المدينة سمحت مبدئيا بالإبقاء على الحانات والنوادي مفتوحة، ثم أعلنت يوم الجمعة أنه سيتعين عليها إغلاق أبواب هذه الأماكن يوم الثلاثاء. وخلال عطلة نهاية الأسبوع، قرر المسؤولون في المدينة فرض الإغلاق على الفور، وإرسال الشرطة في جميع أنحاء العاصمة الألمانية لإخراج الزبائن. 

في سياق متصل، يحمّل أغلب الأشخاص الهيكل الاتحادي للبلاد مسؤولية الصراع غير المتكافئ حول الأزمة في ألمانيا، وهذا من شأنه أن يترك السلطة في مجالات السياسة الرئيسية، بما في ذلك الصحة العامة والتعليم، إلى الولايات الألمانية الست عشرة. وفي خضم عدم وجود توجه سياسي واضح، كان العديد من الألمان مقتنعين حتى هذا الأسبوع بأن تفشي المرض لن يكون أسوأ من إنفلونزا موسمية.

في ظل فرض الحكومة الإيطالية الحجر الصحي على الحياة العامة في البلاد، وانهيار أسواق الأسهم، ظهرت فون دير لاين أمام الصحافة لتتباهى بشأن أول مئة يوم لها في منصبه

في المقابل، ظهرت صورة مماثلة في العديد من أنحاء أوروبا. بعد أسابيع من تجاهل الأزمة التي تكشفت إلى حد كبير، اضطر قادة دوليين من فرنسا إلى النمسا، بسبب الارتفاع المفاجئ للحالات لفرض حدود صارمة على مواطنيهم. وقبل أسبوع واحد فقط، استضافت فرنسا أكبر مؤتمر سمورف على الإطلاق، حيث استقبلت أكثر من 3500 زائر. وأعلن رئيس الوزراء يوم السبت إغلاق جميع الحانات والمطاعم والمتاجر غير الضرورية.

على الرغم من أنه من المنطقي أن تعمل بلدان الاتحاد الأوروبي على تكييف استراتيجياتها المتعلّقة بفيروس كورونا وفقًا للمتطلبات المحلية، بيد أن مجموعة متنوعة من الأساليب في جميع أنحاء المنطقة تشير إلى القليل من التنسيق الحقيقي، إن وجد. وأصيب كل شخص كان يأمل في أن تتمكن رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين من رسم مسار متماسك إلى الأمام بخيبة أمل.

يوم الاثنين، في ظل فرض الحكومة الإيطالية الحجر الصحي على الحياة العامة في البلاد، وانهيار أسواق الأسهم، ظهرت فون دير لاين أمام الصحافة لتتباهى بشأن أول مئة يوم لها في منصبها. ومثلها ومثل التلميذة المتلهفة التي أرادت أن تُظهر للعالم مدى استعدادها لخطابها الكبير، بدا وأن فون دير لاين شعرت بالاستياء لأن الصحافيين كانوا يجبرونها على معالجة عاصفة الفيروس. وحتى في ذلك الوقت، لم تكن تدرك خطورة الموقف. وأصرت على أن "فريق الاستجابة لفيروس كورونا" التابع للمفوضية تمكن من السيطرة على الوضع، مضيفة "إننا نجتمع مرة كل أسبوع".

المصدر: بوليتيكو