يتخوف الكثير من الخبراء الاقتصاديين في الجزائر من تأثر الاقتصاد المحلي لسببين رئيسيين، يتعلق الأول بتداعيات فيروس كورونا والثاني بالتراجع الحاد لأسعار النفط في الأسواق الدولية، حيث تراجعت أسعار النفط بأكثر من 9% لتبلغ أدنى مستوياتها منذ عقود، بعد رفض روسيا اقتراح منظمة "أوبك" تخفيض إنتاج النفط لتحقيق استقرار في الأسعار، واشتعال الحرب النفطية.

وكشف وزير الطاقة الجزائري محمد عرقاب، في تصريح صحافي، أن تراجع أسعار البترول ستؤثر على مداخيل الاقتصاد الجزائري الذي يعتمد على 95% من العائدات النفطية، واستدرك قائلًا: "رغم هذا الانخفاض في أسعار النفط، فإن ذلك لن يثني سوناطراك عن مواصلة استثماراتها الإيجابية هذه السنة". 

كورونا يهوي بالعملة الصعبة والذهب الأسود

ذكر المسؤول الأول على رأس قطاع الطاقة في الجزائر، أنه حان الوقت لمباشرة انتقال طاقوي حقيقي في الجزائر في ظل الظروف التي تعيشها السوق النفطية، وهذا الانتقال يجب أن لا يقتصر على إنتاج الكهرباء، بل لا بد أن يمس مختلف المجالات.

وشهد معدل الإنتاج بالجزائر، انكماشًا إضافة إلى مؤشرات الانخفاض المسجل في حجم صادرات المحروقات من نفط وغاز، في وقت بلغ متوسط سعر النفط الجزائري صحارى بلند، حسب تقديرات منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك"، برسم عام 2019، نحو 64.49 دولار مقابل متوسط بلغ 71.44 دولار سنة 2018، وفقد البرميل الجزائري قرابة 7 دولارات كمعدل سنوي، ورغم أن المعدل شهد تحسنًا نسبيًا ببلوغه في يناير/كانون الثاني 65.28 دولار للبرميل، إلا أنه كان متراجعًا عن مستوى ديسمبر/كانون الأول 2019  المقدر بـ68.10 دولار.

توقع وزير المالية الجزائري عبد الرحمن راوية، بروز تداعيات تهاوي أسعار النفط في الأسواق الدولية بعد شهرين من هذا التاريخ، باعتبار أن الاستقرار الاقتصادي مرتبط ارتباطًا وثيقًا باستقرار أسعار النفط، وكشف الوزير، لدى نزوله إلى مبنى البرلمان الجزائري عن ظهور تداعيات انهيار أسعار الذهب الأسود بالأسواق العالمية على الاقتصاد الوطني بعد شهرين، معلنًا في السياق ذاته بلوغ احتياطي الصرف حدود 60 مليار دولار.

تقدم الدينار الجزائري أمام العملة الصعبة، بسبب تراجع الطلب على الدولار واليورو من المستوردين والمواطنين

ويعتبر ما تبقى من احتياطات الصرف، الورقة الوحيدة بيد الحكومة الجزائرية لتغطية الهوة بين الواردات والصادرات وسد العجز المسجل في الميزان التجاري الذي لا يقل عن 12 مليار دولار، حيث إنّ صادرات المحروقات تمثل 33 مليار دولار سنويًا (على معدل سعر بـ50 دولارًا)، بينما تقدر الواردات في كل سنة 45 مليار دولار، وهو مستوى العجز المرشح للارتفاع، بتسجيل أسعار المواد الطاقوية مستويات أدنى.

ومن التداعيات الأخرى التي خلفها فيروس كورونا أيضًا، تقدم الدينار الجزائري أمام العملة الصعبة، بسبب تراجع الطلب على الدولار واليورو من المستوردين والمواطنين، فالسوق الجزائرية تشهد اليوم حالة ركود غير مسبوقة بسبب انعدام الطلب وارتفاع العرض.

وتراجع سعر العملة الأوروبية الموحدة "اليورو" إلى 190 دينارًا جزائريًا، بعدما استقر قبل عشرة أيام عند حدود 200 دينار، أما الدولار فانخفض إلى 179 بعدما كان عند 184 دينارًا مطلع فبراير/شباط الماضي، وتزامن هذا التراجع الحاد في سعر العملة الصعبة مع فترة حساسة تتميز بموسم العمرة ورحلات السياحة إلى تركيا وجنوب أوروبا، فعادة يفضل الجزائريون شهر مارس/آذار للسفر إلى جنوب أوروبا وأيضًا موسم العمرة، الذي يرفع الطلب على الدولار كثيرًا في هذه الفترة.

وتهدد هذه المؤشرات السلبية بعرقلة تقدم الإصلاحات الاقتصادية، خاصة أن مداخيل الاقتصاد الجزائري تتركز أساسًا على إيرادات النفط وباقي المحروقات التي تشهد انخفاضًا ملحوظًا في السوق العالمية.

استنفار لمواجهة الأزمة

كرد منه على هذه التطورات، استنفر رئيس الجزائر عبد المجيد تبون، جميع هيئاته الرسمية استعدادًا لمواجهة الوضع المالي والاقتصادي للبلد، وفيما أكد أنه لا مجال للجوء إلى الاستدانة الخارجية ولا طباعة النقود، لوح باستخدام ورقة مخزون الذهب وصندوق التضامن الوطني كضامن للشركاء الأجانب، وشدد على ضرورة استرجاع أموال البنوك التي خرجت كقروض استثمارية.

يقول الخبير الاقتصادي الدكتور سليمان ناصر لـ"نون بوست": "المرحلة القادمة تتطلب عملية جراحية صعبة من الحكومة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ولا خيار لها في ذلك"، ويتوقع المتحدث أن تكون لهذه العمليات الأثر المؤلم على الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمواطن.

ويشدد الخبير الاقتصادي على ضرورة اتخاذ حلول جذرية وواقعية والابتعاد عن الحلول الترقيعية والمؤقتة، كالقضاء على السوق الموازية للعملة والاعتماد على تحويلات المهاجرين الجزائريين في الخارج إلى الوطن بالطرق الرسمية أي البنوك، وفي هذه الحالة تحقق هذه الهيئات موردًا جديدًا من العملة الصعبة لا يقل عن 8 مليارات دولار سنويًا وهو ما يمكن أن يُغطي فاتورة الغذاء السنوي المستورد في الجزائر.
 

إن الجزائر أمام وضع اقتصادي متأزم، ولن تتعدد خيارات الحكومة للخروج من الأزمة الراهنة

كذلك أمر رئيس الجزائر عبد المجيد تبون، بتقديم قانون موازنة تكميلي بهدف رفع بعض الاختلالات التي تضمنها  قانون الموازنة لسنة 2020، ليتم إدراج إجراءات من شأنها معالجة الآثار المالية الناجمة عن الأزمة الحاليّة، وتحصيل الإيرادات الجبائية والجمركية غير المحصلة، كما أمر بتسريع إنشاء بنوك إسلامية خاصة.

وعن هذا المقترح يقول النائب البرلماني السابق محمد حديبي لـ"نون بوست" إن الوضع الاقتصادي يتسم بهبوط حاد لاحتياطي الصرف من العملة الصعبة، ويشير إلى أن عجلة الاقتصاد الهش توقفت عن النمو بسبب الوضع الاجتماعي والسياسي بسبب الحراك الشعبي الذي تشهده البلاد منذ 22 من فبراير/شباط 2019، إضافة إلى تفشي وباء الكورونا القاتل.

ويُضيف حديبي، أن الجزائر في وضع لا تُحسد عليه بسبب الهبوط الحاد في أسعار البترول، ويقترح المتحدث ضرورة إعلان حالة الطوارئ ووضع مخطط استعجالي لمواجهة هذه التطورات المتسارعة لأن الجزائر في مواجهة أزمة دولية اقتصادية كبيرة تتطلب قرارات جريئة والاقتراحات التي تقدم بها الرئيس الجزائري هي جزئيات ولا تقضي على الأزمة من جذورها.

يقول الخبير الاقتصادي يحيى جعفري، لـ"نون بوست": "الجزائر أمام وضع اقتصادي متأزم، ولن تتعدد خيارات الحكومة للخروج من الأزمة الراهنة، وتبقى وعود الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مرهونة بتقلبات سعر البرميل أو التعجيل بالذهاب إلى الاستدانة الخارجية التي أقرها قانون الموازنة لسنة 2020، أو العودة إلى سياسية التمويل غير التقليدي، وهذا بسبب غياب قاعدة صناعية متينة تحد من التبعية للمحروقات، حيث توقع قانون الموازنة لعام 2020 عجزًا بنحو 7% أي ما يعادل قيمة مالية تقدر بـ 1533 مليار دينار جزائري، ويقول المتحدث إن هذين القرارين قد تكون عواقبهما وخيمة على استقلالية القرار السياسي والاقتصادي للبلاد في حال فشلت الدولة في تسديد قيمة القروض التي طلبتها المؤسسات.