نقيب المحامين المصريين الجديد، رجائي عطية

بعد انتخابات ماراثونية، الأحد الماضي، 15 من مارس 2020، أعلنت اللجنة العامة المشرفة على انتخابات نقابة المحامين المصرية، فوز المحامي رجائى عطية بمنصب نقيب المحامين بـ35665 صوتًا، فيما حل سامح عاشور نقيب المحامين السابق في المرتبة الثانية وحصل على 26005 أصوات.

حالة من الجدل أثارتها تلك الانتخابات التي جرت وسط إجراءات أمنية مشددة حول مقر النقابة وسط العاصمة القاهرة، تخللها مزاعم التشكيك في النتائج المعلنة، في وقت كان يتوقع الجميع استمرار النقيب السابق في منصبه، خاصة في ظل ما كان يتمتع به من دعم مطلق من السلطات الحاليّة.

التأجيل المتكرر لإعلان النتائج أثار حالة من الترقب لدى المحامين الذين تخوفوا من التلاعب من أجل الإبقاء على عاشور في منصبه الذي استمر فيه 19 عامًا آخرهم الدورتين الأخيريتين، وهو ما حول ساحة النقابة إلى معركة حامية الوطيس بين أنصار المرشحين، وصلت في بعضها إلى التراشق بالألفاظ والاتهامات.

اتهامات عدة وجهها أنصار المرشح الخاسر للنقيب الجديد تتعلق بدعمه من التيارات الإسلامية، خاصة أن المرشح الأسبق والمحامي المعروف منتصر الزيات كان أحد أبرز الداعمين له في تلك الانتخابات، وذلك رغم الخلاف البين بين عطية والإخوان المسلمين، فيما اعتبرها آخرون هزيمة للنظام أمام الإسلاميين حتى إن لم يكن المرشح منتميًا لتيارهم.

وقد تولي النقيب الجديد العديد من القضايا التي شغلت الرأي العام المصري، على رأسها اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات، وقضايا جماعة التكفير والهجرة، غير أن مواقفه كانت دائمًا مثيرة للجدال، إذ كان محاميًا للمرشح الرئاسي السابق، أحمد شفيق، وأحد المؤيدين لسعودية جزيرتي "تيران وصنافير" المصريتين.

كلاكيت ثالث مرة

لم تكن هذه المرة الأولى التي يقف فيها عطية وعاشور وجهًا لوجه في انتخابات نقابة المحامين، إذ خاضا معًا 3 معارك سابقة على مدار 20 عامًا، كان الفائز فيها عاشور، الذي كان يحظى بدعم كبير من التيار الناصري الذي ينتمي إليه، بجانب علاقته الجيدة برموز الدولة المصرية في عهد الرئيس الراحل حسني مبارك.

المرة الأولى كانت في 2001 حين فاز عاشور وقتها على عطية الذي كان في ذلك الوقت مرشح الحكومة، وذلك بفارق 1900 صوت، وهو ما اعتبره أنصار المرشح الناصري اكتساحًا لتيار الاستقلال في مواجهة رموز الحزب الحاكم (الحزب الوطني وقتها).

أما المواجهة الثانية فكانت في 2005، بعد رفع الحراسة عن النقابة، واتسمت المنافسة بينهما بالصراع السياسي، فاستغل عاشور دفاع رجائي عن المتهمين بقتل السادات، بينما استغل عطية قربه من عائلة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، ليعلن دعمهم له في الانتخابات في الوقت المعروف فيه عاشور بناصريته، لكن عاشور حسم المعركة لصالحه للمرة الثانية على التوالي بنحو 44 ألف صوت مقابل 22 ألفًا لمنافسه، ولم تكتمل هذه الدورة لصدور حكم بحل المجلس فى 2008.

حالة من تصاعد الاحتقان داخل النقابة ضد عاشور خلال السنوات القليلة الماضية، وذلك بسبب تهاونه في حق المحامين لصالح السلطات الأمنية

وفي 2009 خاض المتنافسان الانتخابات للمرة الثالثة، لكن الصراع بينهما لم يرجح كفة أي منهما وذلك بعد إنهاك كل طرف للآخر، ليستفيد من هذه الوضعية مرشح آخر، وهو حمدي خليفة الذي نجح في الحصول على المنصب بعدد 35.842 صوت بينما حصل عاشورعلى 30238، وعطية على 4146 صوتًا.

ومنذ تلك الانتخابات غاب رجائي عن المشهد بصورة شبه كاملة، لينفرد عاشور بمنصب النقيب لفترتين انتخابيتين، ففي 2011 فاز بإجمالى عدد أصوات 37 ألفًا و597 صوتًا، فيما جاء محمد كامل في المرتبة الثانية بإجمالى 19 ألفًا 817 صوتًا، وفي 2015 فاز بإجمالي 22987 صوتًا، فيما حل في المركز الثاني المحامي الإسلامي منتصر الزيات بـ17120 صوتًا.

نقيب المحامين الجديد مع منتصر الزيات

تصاعد الاحتقان ضد عاشور

حالة من تصاعد الاحتقان داخل النقابة ضد عاشور خلال السنوات القليلة الماضية، وذلك بسبب تهاونه في حق المحامين لصالح السلطات الأمنية، حيث غض الطرف - وفق محامين - عن الكثير من وقائع الانتهاكات بحق أعضاء النقابة من ضباط شرطة وقضاة دون اقتناص حق منتسبي النقابة الذي يجلس على كرسي نقيبها.

هذا بخلاف بعض الممارسات التي قام بها مؤخرًا والمنافية للقانون والدستور، التي على إثرها عرّض سمعة النقابة والمحامين للتشويه، لعل أبرزها تورط نجله في واقعة غش في أثناء تأديته الامتحانات في كلية الحقوق جامعة بيروت، حيث أوفد محام زميل له بالحضور نيابة عن ابنه (هشام) في امتحان مادة القانون الإداري، وهو ما ضبطته الكلية التي وجهت له تهمة انتحال صفة طالب.

الواقعة أثارت حالة من الارتباك داخل النقابة بين أنصار عاشور ومعارضيه، حيث يعتبرها المحامي أحمد عرفة، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع والإحصاء، إساءة بالغة للمهنة ككل ولأحد رموزها، فمن غير المعقول أن يكون أحد حماة القانون وأحد المدافعين عنه هو أحد المتلاعبين به، وأن ما حدث يمثل صورة حقيقية للفساد بشكل فج، على حد قوله.

النظام الحاليّ سخّر كل جهوده من أجل استمرار عاشور في منصبه، تحت ذريعة عدم سيطرة التيار الإسلامي على النقابة، وترويج أن عطية مدعوم من جبهة منتصر الزيات

فيما ألمح المحامي صبحي صالح موسى عضو مجلس النقابة، إلى وجود صفقة بين عاشور وأحد أقطاب الدولة، تقتضي بأن يخدمه الأخير ويخرجه من أي مأزق يقع فيه، مؤكدًا وجود تيار داخل الدولة يسعى لتجريد النقيب السابق من أوراقه وتصفية حساباته مع الأجنحة المتصارعة في السلطة.

آخرون ذهبوا إلى أن فتح عاشور النقابة أمام سلطات أمن الدولة كان سببًا كبيرًا في تراجع شعبيته بصورة ملفتة خلال الأعوام الأربع الماضية، متهمين إياه باستهداف بعض الأعضاء المنتمين للتيارات الإسلامية في محاولة لإرضاء التوجه العام للدولة في هذا الوقت، وهو ما أثار حفيظة الكثير من المنتمين للمهنة.

ضربة لمرشح النظام

كثير من المحامين يصفون عاشور بأنه "مرشح النظام" وذراعه القوية داخل أكبر نقابات الدولة، ومن ثم فإن سقوطه بهذه الكيفية رغم الحشد الموجه له يعتبر خسارة كبيرة للنظام الحاليّ، ومما يعزز تلك الخسارة أن الإسلاميين كانوا وراء فوز عطية، وهو ما اعتبره البعض فوزًا لهذا التيار رغم ما يتعرض له من حرب شعواء، وإن لم يكن عطية منهم.

في شهادات عدة لهم لبعض الإعلاميين، خاصة أن نقابة المحامين ملاصقة تمامًا لنقابة الصحفيين، كشف محامون أن النظام الحاليّ سخّر كل جهوده من أجل استمرار عاشور في منصبه، تحت ذريعة عدم سيطرة التيار الإسلامي على النقابة، وترويج أن عطية مدعوم من جبهة منتصر الزيات، الذي حصل على أكثر من 17 ألف صوت في الانتخابات التي جرت في عام 2015.

ومع ظهور مؤشرات فوز رجائي في الانتخابات سعى أنصار مرشح الدولة للتشكيك في تلك النتائج، متهمين النقيب الجديد بالانتماء للإخوان المسلمين، رغم موقفه الواضح والمناوئ للجماعة، حيث هتف أنصار عاشور "يسقط يسقط حكم المرشد"، في إشارة إلى دعم بعض الإسلاميين للمرشح الفائز.

وأفادت بعض المصادر داخل النقابة في تصريحات صحفية لها بأن "أطرافًا محسوبة على النظام الحاكم طلبت من اللجنة القضائية المشرفة على الانتخابات إرجاء إعلان النتائج حتى نهاية الأسبوع الحاليّ، وهو ما رفضته اللجنة لقطع الطريق على محاولات التشكيك في نزاهة العملية الانتخابية من أنصار عاشور، حتى يمكن الطعن لاحقًا عليها، ومن ثم إدخال النقابة في دوامة الحراسة القضائية".

وأضافت "دعم الدولة لعاشور بدا واضحًا في تواطؤ أجهزة الأمن حيال اعتداءات أنصاره المتكررة على المؤيدين لعطية، ومحاولة الترويج لبطلان الانتخابات، فضلاً عن اقتحام أنصار عاشور غرفة اللجنة القضائية عدة مرات للمطالبة بإبطال الانتخابات، وإعادتها، بعد أن أظهرت مؤشرات الفرز تفوق عطية".

عطية الفائز بالانتخابات الأخيرة كان أحد المدافعين عن سعودية "تيران وصنافير"، وأحد رجال عهد حسني مبارك، فيما كان عاشور رجل نظام السيسي داخل النقابة، وكلاهما خرج من عباءة واحدة، فالمحامون اختاروا بين السيئ والأسوأ

بين السيئ والأسوأ

فريق آخر من السياسيين يرى أن ما حدث في انتخابات المحامين صورة مصغرة لأزمة الدولة المصرية، حيث غياب شبه تام للمعارضة، وفتح المجال أمام أنصار النظام حتى إن تباينت أسماءهم وملامحهم، موضحين أن المتصارعين على كرسي النقيب كلاهما من أنصار النظام العسكري الحاكم وفاز أحدهما بالمنصب.

هذا الفريق يعتبر أن عطية الفائز بالانتخابات الأخيرة كان أحد المدافعين عن سعودية "تيران وصنافير"، وأحد رجال عهد حسني مبارك، فيما كان عاشور رجل نظام السيسي داخل النقابة، وكلاهما خرج من عباءة واحدة، فالمحامون اختاروا بين السيئ والأسوأ.

السياسي المصري سمير عليش، يرى أن الانتخابات "كشفت بوضوح أن رموز التيار الوطني المعارض لا يؤمنون بجدوى الحصول على أي منصب بمنظمات المجتمع المدني، ومنها النقابات في ظل النظام الحاكم الذي أعاد إرساء جمهورية البطش الغاشم بصورة فاقت ستينيات القرن الماضي".

فيما أوضح رئيس حزب الوفاق القومي المحامي محمد محمود رفعت، أن: "انتخابات النقابات المهنية لها حسابات مختلفة عن مقولة المعارضة والموالاة، وما جرى بنقابة المحامين أن المعارضة لم ترشح أحدًا، وكان التصويت معظمه عقابيًا ضد عاشور"، مشيرًا إلى أن عاشور "أغلق قلعة الحريات التي خاضت معركة بيع هضبة الأهرام، وفتحت أبوابها لمؤتمرات المعارضة، كما صادر لجان الحريات التي شاركت بالقضايا الوطنية والرأي والفكر، وساهم بتنفيذ مخطط تحويل النقابة لنادي وهو ما يقاومه المحامون".

وتابع "ومن هنا كان سقوط النقابة التي كانت ترفع شعار الدفاع عن شعبها ورعاية مصالح أعضائها، وبذلك كان الخيار بين السيئ والأسوأ، ونجح الأسوأ بأخطاء السيئ" على حد قوله.

فيما ذهب تيار كبير من المحامين إلى أن مجرد سقوط عاشور من على كرسي النقابة انتصار يحسب للتيارات الداعمة للنقيب الجديد، وتشير في الوقت ذاته إلى أن صوت الإسلاميين والتيارات المعارضة لمرشح الدولة لا تزال مسموعة ولها حضورها وإن أجبرت على الصمت خلال الفترة الماضية.

هذا التيار يعتبر أن عطية رغم ولائه التام للنظام وموقفه المناوئ من الإخوان، بات على يقين أن التيار الإسلامي لم يندثر كما روج لذلك عاشور طيلة الدورتين الماضيتين، وهو ما أثبتته نتائج الانتخابات التي جاءت بمثابة الصدمة للكثير من الموالين للسلطات الحاكمة فيما جاءت مفاجئة عكس توقعات الغالبية العظمى من المتابعين.

خطوة ربما تكسر صنم هيمنة فرض السلطات لكلمتها داخل نقابة المحامين، وتعيد الأجواء مجددًا إلى ساحات التنافس، لكن في الوقت ذاته ربما تحمل بين ثناياها صراعات داخلية، خاصة بعدما أيقن النظام أن المعارضة لم تمت رغم سنوات الإجهاز عليها، ويبقى تماسك هذا التيار ووحدته في مواجهة مساعي التفتيت المتوقعة - ربما بمساعدة النقيب الجديد - هو التحدي الأكبر خلال المرحلة المقبلة.