تعتبر الصناعة القاعدة والمقوّم الرئيس لبناء الاقتصاديات المتطورة والمتقدمة والمساهم الأكبر في نموها وصعودها، فلا يوجد تجربة اقتصادية ناجحة في العالم استطاعت أن تحرز تقدماً دون أن تكون الصناعة هي الرافعة الأساسية، فالدول المصنعة هي تلك التي باتت قادرة على تصنيع الآلات والمعدات وتطويرها وفق حاجاتها وليس مجرد تشغيلها في المصانع ومعرفة تركيبها واستعمالها، ومصر كغيرها من البلدان العربية التي مازالت تُكافح للولوج في عصر التصنيع رغم محاولاتها الأولى الناجحة نسبيًا.

تسير أغلب بلدان العالم العربي عكس حركة السير الطبيعية للأمم ومراحل تطورها، فكلما خطى العالم المتقدم (الصناعي) خطوة إلى الأمام في هذا المجال، نكص العرب وتخلفوا عن ركب التطور والتقدم، وهو ما يعني وجود عقبات وحواجز هيكلية حالت دون بلوغهم تلك المرحلة.  

كانت مصر زمن الاحتلال البريطاني دولة متخلفة اقتصادياً تعتمد بشكل أساسي على زراعة القطن، حيث استأثر الإنجليز بفوائد التجارة الخارجية التي كانت بمثابـة القيد الحديدي على التصنيع وعملت على إبقاء تجارة مصر واقتصادها مرتبطين بالإنتاج الزراعي على وجه يحول دون تقدم الصناعة فيها أو تنويع صادراتها.

وفور احتلال البلاد حرصت السلطات البريطانية على إغلاق المصانع الحكومية وبيع منـازل القطن ومصانع النسيج التي كانت باقية من زمن محمد علي باشا، كما أوقفت العمل في الترسانة التـي كانت تنتج البنادق والذخيرة، وأوقفت العمل أيضاً في الحوض البحري لإصلاح السـفن، إضافة إلى توجيهها القـروض وفـائض الميزانية إلى نواحي الاستثمار المكمّلة للاقتصاد البريطاني.

وبلغ الدين العام المصري عام 1914 نحو 100 مليون جنيه مصري تمثـل الجـزء الأكبر منه مديونية لمستثمرين أجانب يعيشون خارج البلاد.

 عبد الناصر والصناعة

بعد ثورة يوليو عام 1952، حاولت مصر استكمال طريقها بإرساء مشروعات رائدة من الصناعات الثقيلة مثل الحديد والصلب والصناعات التعدينية والبترولية والصناعات الكيماوية بالإضافة إلى صناعات الغزل والنسيج والصناعات الغذائية من أجل تحقيق الاستقلال الاكتفاء الذاتي وفق قاعدة من الإبرة إلى الصاروخ.

 

لم تكن في مصر بعد الاستقلال سوى صناعات محدودة مثل مصانع السكر ومصانع غزل ونسيج، ولم تشهد أيضًا انتشارًا للأجهزة المنزلية مثل الثلاجات (نحو 30 جهاز في كامل البلاد) والتلفزيون والغسالات وآلات الطهي، لذلك عمل عبد الناصر على إيلاء التصنيع عصب الاقتصاد أولوية قصوى، فتم إنشاء المجلس القومي للإنتاج لوضع دراسات جدوى للصناعات التي يحتاجها الاقتصاد المصري.

وفي تلك الفترة دشن المجلس القومي مشروع شركة الحديد والصلب وشركات أخرى مساهمة كانت النواة الأساسية لتأسيس القطاع العام، كما صدرت خطة الاستثمارات العامة في يوليو 1953 وتمتد لـ 4 سنوات بدأت بمقتضاها الدولة باستصلاح الأراضي وبناء مشروعات الصناعات الثقيلة كالحديد والصلب، وشركة الأسمدة "كيما"، ومصانع إطارات السيارات الكاوتشوك، ومصانع عربات السكك الحديدية "سيماف"، ومصانع الكابلات، ومصنع الاسمنت.

 

كما دعمت صناعات النسيج والصناعات الغذائية ومواد البناء ضمن خطة الصناعة اعتمدت 8 أبواب، بدأت بتوسيع مصانع الإسمنت والسكر والحديد والصلب وكذلك الغزل والنسيج، ثم الصناعات الهندسية، وفي تلك الفترة، صنعت مصر الدراجة الهواية والموتوسيكل وكذلك "اللوري" الشاحنات الثقيلة بالتعاون مع ألمانيا الغربية، إضافة إلى سيارات الركوب "رمسيس" ضمن شراكة مع فيات الإيطالية.

وفي السياق ذاته، عملت السلطات المصرية على إحداث نقلة نوعية اقتصاديًا واجتماعيًا من خلال تحويل المجتمع من حالة الركود والتخلف إلى حالة الإنتاج والتطور، ووضعت لذلك خطط تنموية متكاملة شملت الإصلاح الزراعي، ومجانية التعليم، وتعظيم التصنيع، وهي المبادئ الثلاث التي أنتجت مئات المصانع والشركات وإقامة عدد من القلاع الصناعية الكبرى في المحلة الكبرى وكفر الدوار وشبرا الخيمة وفي حلوان، والمصانع الحربية، والمشاريع الضخمة كالسد العالي، ومجمع مصانع الألمونيوم في نجع حمادي (بتكلفة 3 مليار جنيه) في عام 1969.

أنشأت مصر في تلك الحقبة، أكبر قاعدة صناعية في العالم الثالث حيث بلغت عدد المصانع التي أنشئت في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر 1200 مصنع منها صناعات ثقيلة وتحويلية واستراتيجية، وكانت المحلات المصرية تعرض وتبيع منتجات مصرية من مأكولات وملابس وأثاث وأجهزة كهربائية.

وساهمت هذه المشاريع الضخمة بشكل كبير في الارتقاء بالمجتمع المصري وزيادة مساهمة الصناعة في الناتج القومي وتحقيق نسبة نمو خلال تلك الفترة بلغت 7 ٪ سنويا، إضافة إلى تسجيل مصر في عام 1969 زيادة في فائض الميزان التجاري لأول مرة في تاريخ مصر بفائض قدرها 46.9 مليون جنيه، وحتى عام 1970 كان اقتصاد مصر أقوى من اقتصاد كوريا الجنوبية، بفائض من العملة الصعبة تجاوز المائتين والخمسين مليون دولار بشهادة البنك الدولى .

 سجّلت مساحة الرقعة الزراعية زيادة بنسبة 15% ولأول مرة تسبق الزيادة في رقعة الأرض الزراعية الزيادة في عدد السكان، إضافة إلى زيادة مساحة الأراضي المملوكة لفئة صغار الفلاحين من 2.1 مليون فدان إلى حوالى 4 ملايين فدان، كما انعكست النهضة الاقتصادية في عهد عبد الناصر على مستوى التعليم حيث انخفضت نسبة الأمية من 80% قبل 1952 إلى 50% في عام 1970 بفضل مجانية التعليم في كل مراحل الدراسة.

من جهة أخرى، يمكن القول أنّ تجربة الصناعة المصرية بعد الاستقلال وأثناء حكم عبد الناصر نجحت نسبيًا في تحويل المنوال الاقتصادي بالبلاد من زراعي تقليدي إلى صناعي، وحاولت مصر وفق إمكانياتها المتوافرة في تلك الفترة والظروف الاستثنائية (حروب)، دخول مرحلة التصنيع إلاّ أنّ التجربة اقتصرت على استراتيجية إحلال محل الواردات (substitution Import) دون التوجه إلى التصدير وولوج الأسواق الخارجية.

 تراجع الصناعة

بدأ القطاع الصناعي المصري يتراجع منذ تسلم أنور السادات الحكم وانتقال الدولة من الاشتراكية إلى الرأسمالية أو النظام الليبرالي وانفتاحها على العالم الخارجي (الاقتصاد الغربي)، واتباع سياسات اقتصادية متناقضة وعدم تجديد بنيته الإنتاجية، إضافة إلى سوء ترشيد الموارد، ونتيجة لاعتمادها على التوريد المفرط اتسعت دائرة الديون المحلية والخارجية، وبدأت الدولة في التفريط في وسائل إنتاجها وبالتالي ارتفع معدل البطالة بفعل الخوصصة، وتدنى مستوى المعيشة، كما انتشر الفساد ونهب أموال الدولة ووصل الاقتصاد المصري إلى أدنى مستوياته.

 

ولم يكن عهد محمد حسني مبارك أحسن حال من سابقه، فقد زادت معدلات البطالة إلى نحو 29% وظهرت سياسات الاحتكار من قبل رجال الأعمال المقربين من النظام، ليسجل خسائر الاقتصاد حتى اندلاع ثورة يناير، ما يزيد عن 200 مليار جنيه، وذلك نتيجة التفريط في المؤسسات الدولة لفائدة القطاع الخاص، وانهارت المصانع بشكل واضح، حيث وصل عدد الشركات التي تم بيعها في 2006 إلى 642 شركة بقيمة 23 مليارا و737 مليون جنيه، فيما تمت تصفية 33 شركة وبيع 84 شركة للمستثمرين.

ثم تراجعت الصناعة مرة أخرى في عام 2009 بسبب تخفيضات مصر الجمركية وفق التزاماتها تجاه اتفاقية "الجات"، لكن بعد ثورة يناير بدأ القطاع يشهد تراجعًا أشد وطأة وصل إلى إغلاق 400 مصنع، لتتواصل الأزمة إلى ما بعد لكن 2013 تاريخ صعود السيسي إلى الحكم، حيث سجّل قطاع الصناعة تراجعًا ملحوظًا.

السيسي وصناعة "الوهم"

بعد الثلاثين من يونيو، تغيرت ملامح الحكم في مصر بتسلم العسكر السلطة، وعمل عبد الفتاح السيسي على تعزيز حكمه وبناء مجده الشخصي عبر منظومته الأمنية على حساب التنمية والإصلاحات الاجتماعية ومؤسسات الدولة التي عرضها للبيع، واقتصر رؤيته الاقتصادية على رفع سقف وعوده بتغيير واقع الحال عبر مخططات ومشاريع براقة لا تنسجم مع مقدرات البلاد ومواردها.

 

وتأتي أغلب المشاريع التي أعلن عنها الرئيس المصري كتفريعة قناة السويس والعاصمة الإدارية ومشروع مليون ونصف فدان، إضافة إلى السيارة، ضمن بروباغندا سياسية خالصة وليست نتاج رؤية اقتصادية شاملة قوامها مكافحة الفساد وإصلاح المنظومة الإدارية والتعليم، وكبح جماح التضخم وارتفاع نسب البطالة.

ويُعد إعلان السلطات المصرية في 22 فبراير 2014، ابتكار علاج جديد للمصابين بفيروسي "سي" و"الأيدز" عن طريق جهاز "سي سي دي" للقضاء على الفيروسات من النوعين، عن طريق اللواء إبراهيم عبد العاطي، أكبر ضربة لمصداقية نظام السيسي الذي بنى حكمه على الوعود والوهم الذي يسوقه للغلابة وطالبي العلاج، فلم يرى الجهاز النور إلى الآن واختفى مبتكره من المشهد وملف القضية من درج المحاكم.

ويرى مختصون أنّ السيسي حاول من خلال إطلاقه لسلسلة من المشاريع الضخمة استحضار تاريخ جمال عبد الناصر واستدرار عطف الشعب المصري واستمالته، فيما يرى آخرون أنّ القرارات العشوائية المصاحبة للإصلاح الاقتصادي التي اتخذها النظام المصري في السنوات الأخيرة كتعويم الجنيه، وفرض ضريبة عقارية على المصانع، وزيادة أسعار الفائدة لأكثر من 20%، وزيادة أسعار الوقود والكهرباء عدة مرات، فاقمت من أزمة القطاع الصناعي وتدهوره.

بالأرقام

في سياقٍ ذي صلة، فقدت مصر منذ عام 2016 40% من مصانعها أي ما يُقارب ألفي مصنع، وذلك ووفق هيئة التنمية الصناعية، فيما سجّل قطاع الصناعات التحويلية أقل معدل نمو بين كافة قطاعات الاقتصاد خلال العام المالي 2018-2019، بتسجيله 2.8% مقارنة بأنشط القطاعات نمواً التي تمثلت في السياحة بمعدل نمو 20.1% والاتصالات بمعدل نمو 16.7%، وكذلك أقل القطاعات نمواً حيث جاء قطاع الزراعة في المرتبة الثانية من حيث الأقل نمواً بمعدل 3.3%.

كما تراجعت معدلات نمو الصناعة عبر الزمن، من 4.8% في العام المالي 2017-2018 إلى 2.8% في العام المالي 2018-2019، ما يعنى أن الصناعة في مصر تراجعت بشكل ملحوظ وتعيش مرحلة الأداء المضطرب.

ومن بين المؤشرات الأخرى التي تؤكد مرور الصناعة المصرية بأزمة حقيقية، تراجع الصادرات السلعية للعالم بنسبة 1.1% في أول 9 أشهر من 2019 لأول مرة منذ 2017، لتسجل 18.995 مليار دولار مقابل 19.208 مليار دولار خلال نفس الفترة من 2018، وذلك وفقاً لنشرة التجارة الخارجية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

الفساد والعسكر

بعكس العالم المتقدم، يسعى النظام المصري تركيز نهضة اقتصادية على قاعدة رخوة أو على رمال متحركة لا يمكنها بحال من الأحول تحمل قواعد صناعة صلبة وقوية، واعتمد في سياسته على الهرم المقلوب بتركيزه مشاريع عملاقة دون التفكير في مقدرات البلاد ومواردها المالية والبشرية، والأخيرة عماد كل نهضة عبر تطوير البحث العلمي وتكوين الكفاءات من مهندسين وعملة مهرة، أو مقاومة الفساد والبروقراطية التي تنخر البلاد لعقود متواصلة.

ففي مصر، إن أردت يومًا التفكير في إرساء مصنع أو بعث مشروع صناعي فعليك أولًا التفكير أكثر من مرة قبل أن تخطو خطوة واحدة، فرحلة الحصول على ترخيص طويلة وشاقة قد تطول مدة انتظار انتهاء المعاملات الإدارية لعام ونصف، تمر عبرها بـ8 جهات رسمية وأخرى ذات علاقة بالنشاط الاقتصادي (الحماية المدنية)، وهي أبواب تعمل من خلالها لوبيات الفساد ومافيا الرشاوي على بسط نفوذها وانفرادها بالمعاملات وطرق تسهيلها.

من جهة أخرى، فإنّ سطوة العسكر في الفترة الأخيرة على المراكز القيادية ومجالس إدارات المصانع والهيئات الحكومية، وبسط يدها العليا على مفاصل الدولة، ساهم بشكل لا يدع مجالًا للشك في تراجع الصناعة في مصر وإغلاق بعض المصانع وخاصة المتوسطة والصغيرة غير القادرة على منافسة وزارة الدفاع.

وكانت المخابرات الحربية قرّرت في وقت سابقٍ عدم الإفراج عن الخامات المستوردة من المنتجات الكيماوية سائلة أو صلبة التي تُشكّل 80% من المواد المطلوبة للتصنيع إلا بعد تحليلها في معامل مصلحة الكيمياء، ما يعني وقف جميع المصانع المصرية، وقّدرت الخسائر المترتبة عن هذا الإجراء نحو 2 مليار دولار من مواد خام التي تلفت أو أعيد تصديرها.

كما اتجهت وزارة الدفاع المصرية إلى منافسة المصانع التي تحارب السلع المستوردة وتُنتج ماركات محلية من أجل احتكار السوق، دون ولوج صناعات أخرى قد تُضفي تنوعًا وتكاملًا على التصنيع المصري، فوزارة الإنتاج الحربي أصبحت تحتل 25% من سوق الأجهزة المنزلية، وهي أكبر موزع للمواد الغذائية، وهي قطاعات تتميز بها مصر.

وكان صندوق النقد الدولي، الذي أقرض مصر 12 مليار دولار، طالب في وقت سابق بأن يخفض نظام السيسي تدخل الجيش في السوق المدني من أجل فتح الأبواب أمام القطاع الخاص.

واجتاح الجيش المصري قطاعات حيوية تنوعت بين مشاريع خدمية وعقارية وصناعية كالأدوية والمواد الغذائية، وصناعة الحديد والصلب (95% من أسهم شركة حديد المصريين)، ومصنع (بشاي للصلب)، فيما تُقدر الدراسات حجم ما يسيطر عليه الجيش المصري من اقتصاد البلاد بنسبة تتراوح بين 40 و50 %، بطاقة تشغيلية قاربت 5 ملايين مدني، وسط اتهامات بالفساد طالت جنرالات وضباط.

 

بالمحصلة، فإنّ سرّ نجاح أيّ تجربة اقتصادية ناجحة واستمرارها يكمن في الجدوى والكفاءة العالية والقدرة على التوسع في السوق المحلية والخارجية في ظل منافسة قاسية تفرض تخفيض الأسعار وترفيع الإنتاج مع مراعاة جودة المنتوج، والأهم من ذلك إرادة سياسية ترسم استراتيجيات تنموية واقتصادية واضحة ومتكاملة ومتنوعة وتقوم على إيلاء الموارد البشرية العناية والمكانة اللازمتين، إضافة إلى عدم اقتصار ها على وعود بنفسجية وبروباغندا سياسية لم يعد المواطن العربي عامة والمصري خاصة في حاجة إليها.