جنود إسرائيليون يرتدون قناع الوجه في اشتباكات مع شباب فلسطيني في قرية جنوب نابلس

جنود إسرائيليون يرتدون قناع الوجه في اشتباكات مع شباب فلسطيني في قرية جنوب نابلس

ترجمة وتحرير نون بوست

يخضع الإسرائيليون الآن للإغلاق بسبب فيروس كورونا، ومثل أي مكان آخر على كوكب الأرض فهذا الإغلاق مادي ومعنوي، فالهواء ثقيل والقلق والتوتر بسبب الجائحة يعم المكان مع خوف من المجهول، تبدو المظاهر المادية مألوفة مع جميع العالم: قيود على مغادرة المنزل ونقص مؤقت للمواد في المحال التجارية، بينما أصبحت المطارات أماكن مهجورة.

تم إلغاء جميع التجمعات الاجتماعية والفنية والدينية، وارتفع معدل البطالة بشكل سريع للغاية، أما الجيش فيدير الفنادق كمستشفيات للحالات الأقل خطورة، وربما يفرض قريبًا إغلاق كامل مع مرور لدوريات الجيش والشرطة في الشوارع، هذا هو الواقع المرير الآن.

الإغلاق تحت الاحتلال

كان ينبغي لذلك كله أن يكون مألوفًا للإسرائيليين ويذكرهم بأمر ما، لكنهم مشغولون بالقلق على حياتهم وهو أمر مفهوم وطبيعي، في الوقت نفسه من الصعب تجاهل حقيقة أن هذه الحياة القاسية التي يعيشها الإسرائيليون مؤخرًا هي الوضع الطبيعي منذ عقود في المناطق المحتلة.

فما يراه الإسرائيليون ديستوبيا (واقع مرير) يبدو يوتوبيا للفلسطينيين، فالإغلاق المؤقت والنقص المفروض على بعض المواد يشبه تمامًا الوضع لدى الفلسطينيين بل أسوأ في غزة وبعض الأحيان في الضفة الغربية.

لقد حان وقت العمل، والأقدار تضحك لتعزز المفارقة المريرة، بينما يضحك بعض وزراء التاريخ من مكان ما على الواقع الجديد الذي يعيشه الإسرائيليون، فلأول مرة في حياتهم يتذوق الإسرائيليون جزءًا صغيرًا مما يتجرعه الفلسطينيون لأجيال، لأول مرة في حياتهم يجربون الإغلاق ونقص المواد بطريقة لم يعرفوها من قبل.

هناك أشخاص بالغون في غزة لم يدخلوا مبنى مطار ولم يستطيعوا أن يحلموا أبدًا بالسفر للخارج سواء لقضاء إجازة أم للدراسة أم للعمل

ومع ذلك فهذا الحصار الذي يعانوه يبدو رفاهية بالنسبة لأي طفل فلسطيني ولد في واقع أسوأ بكثير، يعاين الإسرائيليون الآن عينة صغيرة من القيود التي يفرضونها على الفلسطينيين، لقد أصبح لديهم الفرص لتجربة جزء من حياة الفلسطينين رغم أنهم في ظروف أفضل.

لذا هل سيغير ذلك من نظرتهم في يوم من الأيام؟ هل سيمنحهم ذلك إحساسًا وفهمًا لمعاناة الفلسطينيين بعد انتهاء الجائحة؟ أشك في ذلك.

طعم الإغلاق

البند الأول: وهو الإغلاق نفسه، تم إغلاق بوابات "إسرائيل" الدولية مثل معظم الدول الآن، ومن الصعب أن تجد أي طائرة تقلع أو تهبط، أصبح هناك ازدياد مؤقت في رهاب الأماكن المغلقة.

تعيش غزة بهذه الطريقة منذ 14 عامًا، لذا في أكبر سجن مفتوح في العالم "قفص غزة" يمكن للناس أن يضحكوا فقط على المحنة القصيرة التي يمر بها الإسرائيليون.

هناك شباب فلسطيني في غزة لم ير أبدًا طائرة ركاب ولا حتى تطير فوق رأسه، وهناك أشخاص بالغون في غزة لم يدخلوا مبنى مطار ولم يستطيعوا أن يحلموا أبدًا بالسفر للخارج سواء لقضاء إجازة أم للدراسة أم للعمل.

بالنسبة للإسرائيليين فالتوقف عن الدخول والخروج من مطار بن غوريون أمر لا يطاق حتى لعدة أسابيع، أما الفلسطينيون في غزة وبعض سكان الضفة الغربية فلا يعلمون شيئًا عن حياة المطارات، أصبحت الأبواب إلى منازل الإسرائليين مغلقة الآن أيضًا وحتى هذه اللحظة ليس الإغلاق كاملًا لكن ذلك قد يحدث في أي يوم من الآن.

معبر رفح

على بعد مسيرة نصف ساعة بالسيارة من تل أبيب، يعيش الناس فترات معينة في حظر تجول كجزء من روتينهم اليومي وقد يستمر هذا الحظر لعدة أشهر، يستطيع بعض ضباط الجيش فرض الحظر بشكل تعسفي في أي وقت، وعادة ما يُفرض على منازل تضم عددًا كبيرًا من الأطفال وعددًا قليلًا من الغرف، ومع وجود الكثير من الدبابات في الخارج تتولد المزيد من الكراهية في الداخل، وفي المناطق التي لا يُوجد بها حظر تجول يُوجد إغلاق: حصار.

سيناريو مظلم

هناك إغلاق بين الضفة الغربية و"إسرائيل" وإغلاق بين المناطق المختلفة في الضفة الغربية وبين مدينة وأخرى وقرية وأخرى، مع وجود نقاط تفتيش مخصصة ونقاط تفتيش ثابتة، أما غزة فهي تحت الحصار.

هذا الإغلاق الجزئي في "إسرائيل" يمثل أحلام الفلسطينيين في العيش بحرية، حيث يمكنك الخروج من المنزل والسير نحو الحديقة أو السير بجوار البحر، معظم الأطفال في الضفة الغربية لم يشاهدوا البحر أبدًا رغم أنه يبعد عنهم مسافة ساعة واحدة فقط بالسيارة.

قريبًا قد نرى رجال الشرطة والجنود في زيهم الرسمي يجوبون الشوارع وينصبون نقاطًا للتفتيش وفحص هويات المواطنين، نقاط تفتيش! لا تثيروا ضحكات الفلسطينيين فهم لا يعلمون شيئًا عن الحياة دون دوريات الشرطة ونقاط التفتيش.

هذا ما يحدث كل يوم وفي كل مكان، لكن الزي الرسمي سيكون لطيفًا بالنسبة للمواطنين مقارنة بالروتين الوحشي المستخدم ضد المواطنين في المناطق المحتلة، ومع ذلك سيكون من الصعب على الإسرائيليين تحمل هذا الوضع ولو مؤقتًا.

في المناطق المحتلة لم يسمع الفلسطينيون أبدًا عن تعويض البطالة، لقد أصبحت البطالة تحت الاحتلال أمرًا روتينيًا

من السهل أن يكون الجندي من شعبك ويتحدث نفس لغتك، لكنه يصبح صعبًا ومثيرًا للغضب عندما يكون محتلًا أجنبيًا، ستكون الدوريات في شوارع تل أبيب أشبه بنزهة مقارنة بدوريات جنين في الضفة الغربية.

قريبًا ستشبه الحياة الاقتصادية للجانب الإسرائيلي من الجدار الفاصل حياة الناس على الجانب الآخر، فحتى الآن يعاني نصف مليون إسرائيلي من البطالة - نحو 17% - والعدد سيزداد بمعدل سريع في الأيام القادمة.

في غزة تعد أرقام البطالة العالية أحد حقائق الحياة لعقود، تقول منظمة "غيشا" - منظمة إسرائيلية غير حكومة تدافع عن حرية الحركة - إن معدل البطالة في غزة وصل إلى 46.7% منذ سبتمبر الماضي، وتزداد النسبة بشكل أكبر بين شباب غزة.

فقد العديد من الإسرائليين اليوم وظائفهم بشكل مؤقت أو أغلقوا شركاتهم وسوف يحصلون على تعويض بطالة من الدولة، أما في المناطق المحتلة فلم يسمعوا أبدًا عن تعويض البطالة، لقد أصبحت البطالة تحت الاحتلال أمرًا روتينيًا، هذا هو الوضع منذ عقود.

انتهاك الخصوصية

يثير الإسرائيليون ضجة الآن لأن وكالة الأمن الداخلي الإسرائيلي "شين بيت" تستخدم وسائل رقمية لتتبع المصابين بالفيروس وأي شخص يقترب منهم جسديًا، وهو أمر مؤقت لمدة 7 أيام مبدأيًا وقابل للتمديد.

لا يمكن لأي شخص أن يتجاهل الاختلافات بالطبع، فحتى في ذروة الجائحة لن يتعرض أي إسرائيلي للضرب والإهانة أمام أطفاله أو والديه

هذا الانتقاد الإسرائيلي للتبع بشأن انتهاك الخصوصية يعد مسليًا للفلسطينيين، فالتتبع أكثر وسيلة إنسانية يتعامل بها الأمن الداخلي مع الفلسطينيين، حسنًا، اسمحوا لهم بالتجسس لكن أوقفوا التعذيب والابتزاز والإساءة للناس.

في الأراضي المحتلة يعرف الأمن الداخلي كل شيء في كل مكان دون إشراف قانوني أو برلماني، هذا الانتقاد الإسرائيلي الصاخب بشأن انتهاك الخصوصية يبدو مسليًا للفلسطينيين، تمامًا مثل صور ضباط الجيش الإسرائيلي وهم يديرون الفنادق كمستشفيات طوارئ، كم فندق مملوك للفلسطينيين استولى عليه الجيش الإسرائيلي بالقوة خلال السنوات الماضية وحوله إلى مقرات عسكرية؟

ديستوبيا-19

لا يمكن لأي شخص أن يتجاهل الاختلافات بالطبع، فحتى في ذروة الجائحة لن يتعرض أي إسرائيلي للضرب والإهانة أمام أطفاله أو والديه، لن يهجم أي جندي أجنبي على منازلهم في منتصف الليل، ليلة بعد ليلة دون سبب مقنع، لن يخطفهم أحد من أسرّتهم ويأخذهم بعيدًا، لن يقبض عليهم أحد دون محاكمة، لن يستجوب أحد أطفالهم أو يضعهم في السجن في انتهاك للمواثيق الدولية التي وقعت عليها "إسرائيل".

حتى في أسوأ أيام فيروس كورونا في "إسرائيل" فلن يكون مطروحًا سيناريو يتنافس فيه القناصة على إطلاق النار على رُكب المتظاهرين مثلما حدث في غزة منذ شهور، لن تقصف منازل الإسرائيليين من الجو أو يُرش السم على حقولهم مثلما يحدث في غزة.

كل ما في الأمر أنه إغلاق مؤقت في ظروف منطقية وبهدف واضح ومفهوم، هذه الأشياء يحلم بها الفلسطينيون عندما يتخيلون حياة أفضل.

المصدر: ميدل إيست آي