محمد بن زايد وبشار الأسد

"التضامن الإنساني في أوقات المحن يسمو فوق كل اعتبار، وسوريا العربية الشقيقة لن تبقى وحدها في هذه الظروف الحرجة"، بهذه الكلمات غرد ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد آل نهيان، مستعرضًا تفاصيل الاتصال الهاتفي الذي أجراه مساء الجمعة مع رئيس النظام السوري بشار الأسد، وهو أول اتصال علني من قيادة خليجية منذ بدء الأزمة السورية قبل تسع سنوات.

ابن زايد كشف أنه بحث مع الأسد خلال الاتصال تداعيات انتشار فيروس كورونا المستجد، مؤكدًا له دعم دولة الإمارات ومساعدتها للشعب السوري في هذه الظروف الاستثنائية، ليفتح الباب على مصراعيه أمام موجة من التساؤلات عن التطور الملحوظ في مسار العلاقات الدافئة بين البلدين التي لم تنقطع طيلة السنوات الماضية وإن كانت في نطاق السرية قدر الإمكان.

لم يخف أبناء زايد دعمهم لنظام الأسد منذ الوهلة الأولى رغم تظاهرهم بانحيازهم للثورة السورية وإرادة الشعب، وكانت الإمارات أول دولة خليجية تعيد فتح سفارتها في دمشق نهاية عام 2018 بعد سبع سنوات على إغلاقها عام 2011 على خلفية قمع النظام الاحتجاجات التي تحوّلت إلى ثورة مسلحة.

وفي المقابل طالما اتهمت أطراف بالمعارضة السورية أبو ظبي بدعم نظام الأسد في الخفاء وإمداده بالأموال واحتضان عدد من أقاربه ورجال أعمال مقربين منه، هذا بخلاف مناهضتها لكل ما يتعلق بإرادة الشعوب الحرة في مواجهة الأنظمة الديكتاتورية الحاكمة، الأمر الذي تكشف بعد ذلك بصورة أكثر فجاجة.

ردود فعل مستنكرة قوبلت بها تغريدة ابن زايد التي كشفت حجم التناقض الكبير بين الصورة التي ترسمها الإمارات لنفسها كدولة تحترم الإنسانية وتحفظ حياة الشعوب، وواقعها السري المشين الذي تكشفت بعض خيوطه على وقع أشلاء الملايين من القتلى وأضعافهم من المشردين في عدد من بلدان المنطقة، إلا أنها كذلك وجدت صداها لدى من يميل هواه إلى الأسد وحلفائه.

دعم الأسد لم يتوقف

على الرغم من الغطاء السياسي الظاهري الذي يسعى أبناء زايد إلى ترويجه إعلاميًا بشأن انحيازهم لإرادة الشعب السوري وثورته وهو ما تجسد بداية الأمر في سحب الإمارات لسفيرها لدى نظام الأسد، فإن ما كُشف بعد ذلك خلف الكواليس ومن وراء الأبواب الخلفية يُسقط هذا القناع ويكشف زيفه شكلًا ومضمونًا.

سقطت أقنعة الدعم الإماراتي للإرادة السورية بعد أقل من عام ونصف تقريبًا من انطلاق الثورة الشعبية ضد نظام الأسد، إذ تشير التقارير إلى الدور الخفي التي تؤديه أبو ظبي لدعم نظام بشار الأسد بهدف إخماد وإفشال ثورة الشعب التي أضحت حربًا دولية وإقليمية بين مختلف أطراف النزاع، هذا الدور كشفته وسائل إعلام عربية وغربية في أكثر من واقعة خلال السنوات السبعة الماضية.

في 2013 كشفت بعض من تلك التقارير المنشورة عن تزويد الإماراتيين سوريا بأسلحة صاروخية طلبتها خصيصًا من مصر وتقنيات اتصالات حديثة وتسجيلات لرموز المعارضة تجسست عليهم لصالح نظام الأسد، إضافة إلى تصنيفها 20 فصيلاً ثوريًا سوريًا ضمن قائمة الإرهاب.

هذا بخلاف ما ألمحت إليه مصادر روسية عن تمويل الإمارات عمليات تجنيد ميليشيات للقتال في سوريا ضد المعارضة، وأكدت التقارير أن موسكو بدأت بتجنيد متطوعين من القوقاز وكثير من دول العالم للانضمام إلى الميليشيات من أجل القتال في سوريا برعاية وتمويل من دولة الإمارات العربية المتحدة.

علاوة على ذلك تعد الإمارات مكانًا آمنًا لتهريب أموال شخصيات النظام السوري، فبعد العقوبات التي فرضت على الشركات الروسية تم تهريب 22 مليار دولار من موسكو إلى أبو ظبي للإفلات من هذه العقوبات، كما تشير المصادر إلى أن رامي مخلوف رجل الأعمال السوري وابن خالة بشار الأسد له حسابات بمئات ملايين الدولارات في مصارف الإمارات.

في أبريل 2018 كشفت مجلة (ديلي بيست) الأمريكية أن دبي أصبحت مركزًا رئيسيًا لإدارة وغسيل أموال عائلة الرئيس السوري المهربة للخارج، وذكرت المجلة في تقرير لها أن براين بالارد، أحد كبار ممولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتعامل مع شركة لأحد حلفاء الأسد مقرها دبي في الإمارات.

وبحسب المجلة الأمريكية، فإن شركة بالارد التي يملكها براين أعلنت في الـ15 من مارس 2018، استحواذها على شركة في دبي وهي "آي إس إم إنترناشيونال جينرال ترايدنك"، وبمراجعة وثائق وحسابات الشركة، تبين أنها تابعة لعائلة سامر فوز السورية والمعروف ارتباطاها بنظام بشار الأسد.

هذا بخلاف تزويد الإمارات عناصر في الجيش السوري الحر بأجهزة اتصالات، ثم زودت نظام بشار الأسد بشيفرتها مما أدى إلى استشهاد عدد كبير من مقاتلي وقيادات الجيش الحر ممن استعمل هذه الأجهزة، الذي يأتي في إطار تعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي بين الطرفين.

كما زود أبناء زايد النظام السوري بوقود للطائرات الحربية، حيث نشرت عدد من وكالات الأنباء أن الولايات المتحدة فرضت عقوبات على شركة إماراتية، متورطة في إمداد نظام الأسد بمنتجات نفطية، لاستخدامها في تزويد الطائرات العسكرية بالوقود لقمع الثورة السورية.

وألمحت التقارير أن أبو ظبي ضغطت على الإدارة الأمريكية من أجل إقناعها بضرورة بقاء نظام الأسد والعمل مع بعض شرائح المعارضة السورية الشكلية التي تؤيد بقاء الأسد وتطالب بإصلاحات رمزية، كما أنها تحاول إقناع واشنطن بإشراك الأسد في التحالف الدولي الذي يعمل في سوريا.

أما على الجانب الاقتصادي، فقد أشارت بعض الوثائق إلى أن العلاقات الاقتصادية التي تربط بين أبناء زايد ونظام الأسد لم تنقطع منذ انطلاق الثورة على عكس ما كان يروج له، حيث تجاوزت حاجز الـ10 مليارات دولار، التي حرص الجانب الإماراتي على حمايتها رغم المناشدات الدولية بوقف مثل هذه العلاقات التي تقوي نظام الأسد ضد شعبه.

وفي أغسطس 2019 شاركت الإمارات بوفد من رجال الأعمال مكون من 40 شخصًا، في معرض تجاري بدمشق يدعمه النظام السوري، وهو ما أغضب حليفتها أمريكا في هذا الوقت، حيث كتبت السفارة الأمريكية في سوريا على تويتر يوم 27 من أغسطس 2019 أنها تلقت تقارير عن اعتزام بعض رجال الأعمال أو الغرف التجارية في المنطقة المشاركة بالمعرض، محذرة من مثل هذه الخطوة.

وفي فبراير الماضي قال القائد العسكري في المعارضة، العقيد خالد القطيني، تعليقًا على زيارة نائب رئيس النظام السوري للشؤون الأمنية، اللواء علي مملوك للسعودية: "لولا تآمر قادة السعودية والإمارات وخذلانهم لسوريا وشعبها ما ظُلمنا وما قُتلنا على أيدي المجرمين من روس وإيرانيين وعصابات الأسد".

من السر للعلن.. دلالة التوقيت

لم يكن خافيًا على أحد العلاقة المستمرة والقوية بين أبو ظبي والأسد، لكنها ظلت وفق تفاهمات معينة في نطاق السرية، غير أن تغريدة ابن زايد تعكس تطورًا ملحوظًا في مسار تلك العلاقة، حيث بات من الواضح أنها خلعت عنها رداء السرية لتنطلق نحو العلن والوضوح دون مواربة.

توقيت ودوافع هذه الخطوة كان مثار مناقشات العديد من النشطاء والمهتمين بالشأن السوري، فالبعض يرى أن ابن زايد اختار الوقت المناسب للكشف عن الارتباط الوثيق بينه وبين بشار ونظامه، بحسب ما ذهب الصحفي السوري إبراهيم العلبي الذي يرى تشابها كبيرًا بين نظامي البلدين.

العلبي على صفحته على فيسبوك يرى أن الأمر لو كان بيد ولي عهد أبو ظبي "لاتصل بصديقه منذ سنوات طويلة ولكنه الفيتو الأمريكي الذي لم يوضع كرهًا بالأسد بل لعدم الرغبة بتغيير قواعد المعادلة القائمة حتى إشعار آخر"، لافتًا إلى أن "الإمارات لم تخف من سنوات رغبتها بالتطبيع مع الأسد (تمامًا كما تفعل مع "إسرائيل") ولم تترد باتخاذ خطوات عملية لترجمة هذه الرغبة ولكنها كانت محكومة بسقف معين".

كما أوضح أن لأزمة تفشي فيروس كورونا دورًا كبيرًا في اختيار توقيت الكشف عن العلاقات القوية بين البلدين، إذ إن ارتفاع أصوات بعض الدول المطالبة برفع العقوبات عن العديد من الأنظمة ومن بينها نظام الأسد، كان دافعا قويًا، شجع ابن زايد على تلك الخطوة التي ما كان ليجرؤ أن يقدم عليها من قبل وربما بضوء أخضر أمريكي هذه المرة، على حد الصحفي السوري.

الرأي ذاته ذهب إليه الصحفي السوري غسان ياسين الذي يعتبر خطوة ابن زايد محاولة لتغطية دعمه للأسد "بحجة كورونا"، مضيفًا أنه لو كان صادقًا لقدم المساعدة لعشرة مليون سوري هجّرهم الأسد قسريًا بفعل جرائمه بحق شعبه، وتابع "حلف أعداء الثورات صار أكثر وضوحًا.. صار أكثر وقاحةً".

فيما استنكر الأكاديمي السوري صالح مبارك، حالة الانفصام التي عليها ولي عهد أبو ظبي، كاشفًا في تغريدة له أن "أكثر من مليون شهيد سوري وملايين الجرحى والمعوقين والنازحين واللاجئين وآلاف الأرامل واليتامي" لم تحرك ساكنًا لدى ابن زايد، ومشاعره لم تتحرك فقط إلا حين يكون "داعمًا للطاغية وممولًا لأسلحة القتل والتدمير.. والآن يريد أن يُغطّي هذه المساعدات الإجرامية بوجهٍ إنساني".

أما المذيع بقناة "الجزيرة" جلال شهدا، فيرى أن اتصال ابن زايد بالأسد شأن شخصي به، في ضوء السياسة التي تتبعها بلاده في تحالفاتها الخارجية، لكن "يحدثنا في تغريدته عما سماه "التضامن الإنساني في أوقات المحن يسمو فوق كل اعتبار" فهذه ثقيلة شوي، وتحتاج إلى تدقيق ومراجعة ومحاسبة وحساب".

الدولة الخنجر

ربما أماط ابن زايد بتغريدته تلك اللثام عن حقيقة العلاقات الدافئة والقوية التي تجمعه بنظام الأسد، ضاربًا بكل محاولات التعتيم والإنكار والتمويه عرض الحائط، ليؤكد بما لا يدع مجالًا للشك دعمه غير المنقطع لمحور الثورات المضادة، وهو الدعم الذي بات مفضوحًا للقاصي والداني.

في مايو 2017 كشف فيلم وثائقي معنون بـ"الأيادي السوداء" بالوثائق والأدلة الدور الذي وصفه بالمشبوه" لدولة الإمارات في دول الجوار الخليجي، ومساعيها لإجهاض ثورات الربيع العربي، وتجنيد عملاء وجواسيس محليين ودوليين، فضلًا عن علاقتها التي وصفت بـ"المتينة" مع الكيان الصهيوني ومخططاتها لشل أيادي المقاومة الإسلامية، وفي النهاية فضح سجلات انتهاكات حقوق الإنسان لديها في الداخل والخارج.

الفيلم الذي يعد الأكثر وضوحًا في رسائله كشف المستور الذي طالما أنفق أبناء زايد مليارات هنا وهناك حتى يظل طي الكتمان، خاصة أنه يؤصل لحقيقة واضحة تتمثل في تبعية الخارجية الإماراتية لتوجهات البيت الأبيض أيًا كان ساكنه دون أي اعتبارات لمصالح الأشقاء والجيران الإقليميين.

فمنذ انطلاق قطار الربيع العربي 2011 تعرضت أركان السياسة الخارجية الإماراتية لهزة عنيفة وضعتها أمام تحديات خطيرة أفقدها التوازن في كثير من الأحيان، حيث بدأ أبناء زايد يستشعرون الخطر حيال تهديد نظام حكمهم حال إصابته بعدوى تلك الثورات.

ومنذ هذا الوقت ارتأى صناع القرار في أبو ظبي أن الربيع العربي خطرًا يهدد أمنهم القومي ومستقبلهم السياسي، وعليه كان لا بد من مواجهته بشتى السبل، إذ إن نجاح نموذج واحد من هذه الثورات ربما ينسف كراسي وعروش كثير من الدول التي تفتقد أنظمة وإدارة حكمها للديمقراطية وإرادة الشعب.

فعلى المستوى الداخلي ورغم أن البلاد لم تشهد أي موجات احتجاجية معارضة، فإن حالة من القلق والفوبيا سيطرت على نظام الحكم، وهو ما يفسر طريقة التعامل مع العريضة المقدمة من 130 شخصية وطنية إماراتية تناشد رئيس الدولة تطوير صلاحيات المجلس الوطني الاتحادي، حيث يتم اعتقال الموقعين على الوثيقة خشية تطور تلك المطالب إلى تحالف سياسي.

أما على المستوى الخارجي فحدث ولا حرج، حيث دفع الهلع من الثورات العربية أبناء زايد إلى العبث بالشؤون الداخلية لدول الربيع والتحالف مع قيادات الثورات المضادة بها ودعمها بشتى السبل من أجل إجهاض أحلام شعوب تلك البلدان في الحرية والكرامة وتغيير الأوضاع المأساوية التي يحيوها منذ عقود طويلة، حتى أطلق على الإمارات حينها اسم "الدولة الخنجر"، الذي يشير إلى استخدام الدول الكبرى لدول أخرى محدودة التأثير في تنفيذ أجنداتها الخارجية، وهو مفهوم أطلق على الإمارات العربية المتحدة في علاقتها بالولايات المتحدة وتوجهاتها في المنطقة.

فعلى الجانب المصري، مثلت الإمارات أحد الأضلاع الرئيسية في انقلاب الـ3 من يوليو 2013، حين سخرت كل إمكاناتها المادية والسياسية والمخابراتية لإفشال حكم الإخوان والتمهيد للانقلاب العسكري وهو ما كان بالفعل، كذلك واصلت مساعيها لإجهاض الثورة الليبية عن طريق دعم اللواء المتقاعد خليفة حفتر وقواته المناهضة للثورة الليبية من خلال توجيه ضربات جوية على العاصمة طرابلس في أغسطس 2014، فضلًا عن تقديم الدعم السياسي والعسكري والمادي، بالإضافة إلى ما أثير مؤخرًا بشأن الجهود المبذولة لإجهاض الثورة السودانية عبر دعم العسكر وتقوية شوكتهم في مواجهة إرادة الشارع السوداني.

هذا بجانب علاقاتها القوية مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، التي وصفها الفيلم الوثائقي بـ"المتينة"، فضلًا عما كشفه "نون بوست" في تقرير سابق بشأن تورط أبناء زايد في محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في تركيا في الـ15 من يوليو 2016، وذلك عبر تعاون جرى بين الحكومة الإماراتية ومُدبري الانقلاب في تركيا، بوساطة محمد دحلان الذي عمل كحلقة وصل بينهم وبين رجل الدين التركي المقيم في أمريكا، وذلك قبل أسابيع من المحاولة الانقلابية الفاشلة.

لم يضف ابن زايد بخطوته الأخيرة جديدًا فيما يتعلق بطبيعة علاقته بنظام الأسد، لكنه أسقط القناع عن كل محاولات تجميل الصورة وحفظ ماء الوجه بشأن انتصاره لإرادة الشعوب، ليؤكد يومًا تلو الآخر أن المصالح المشتركة هي لغة التفاهم الوحيدة بين الأنظمة الديكتاتورية وأن حياة الشعوب والإنسانية بصفة عامة آخر ما يفكر فيه تجار الدم.