تحدث كثيرٌ من الكتاب وصناع الأعمال الفنية عن جائحة "كورونا" قبل وقوعها، ولعل ذلك، رغم تسببه في إثارة الشائعات عن كون هذا الفيروس "مخلقًا" ونمطًا جديدًا من الحروب غير التقليدية بين القوى الكبرى، يعود في الأساس إلى عاملين: الأول، أن التبشير بنهاية العالم عن طريق أحد الأوبئة "ثيمة" فنية ثابتة يعدّل في تفاصيلها بعض الكتاب تعديلاتٍ طفيفة حسب ثقافتهم وموهبتهم، والثاني أن الفيروسات التاجية التي انحدر عنها "كوفيد 19" هي عائلةٌ قديمة بالفعل عرفت منذ عام 2002.

وفي الوقت الذي يركض فيه بعضٌ من العالم خلف نظريات المؤامرة عبر تأويل التحذيرات القديمة، ويعكف آخرون في المعامل والمختبرات تحت المناظير على اكتشاف لقاح أو تطوير علاج قديم يخفف من الأزمة أو يقضي عليها، هناك من نجح في التحذير، والطب، في آن واحد، بيد أنه يقبع حاليًّا خلف الجدران الخرسانية شديدة التحصين، رفقة أعداد كبيرة من المعتقلين والجنائيين، بدلًا من أن يكمل مشروعاته العلمية في المختبر والجامعة، مثل الأستاذ الدكتور وليد مرسي السنوسي.

كيف بدأت القصة؟

في الـ26 يناير/كانون الثاني من العام الحاليّ، نشر موقع صحيفة "روزاليوسف" المقربة من النظام في مصر على لسان محرر يدعى عيسى جاد الكريم خبرًا تفاعليًا بعنوان: "مفاجأة.. لقاح مصري لعلاج كورونا".

وفي متن الخبر تحدث المحرر عن أحد العقاقير التي جرى تطويرها بواسطة أحد الفرق البحثية المصرية لعلاج السرطان، ثم اختبر لاحقًا على عدد من الفيروسات مثل فيروس التهاب الكبد الوبائي (من الفئة سي) وأحد فصائل الفيروسات التاجية (كورونا إن إل 63) وذلك بعد أن نشر الفريق نتائج أبحاثه في "سويسرا" حيث اعتمدت هناك كـ"أفضل عقار لعلاج عائلة كورونا"، ومن ثم فإنه - بحسب الخبر - باتت هناك إمكانية لبحث أثر هذا العقار على النسخة الجديدة من الفيروس (كوفيد ١٩)، باعتبار مسار البحث في العقاقير الموجودة بالفعل، مسارًا تتبعه كثير من الدول، بالتوازي مع المسار الأطول زمنيًا: إنتاج لقاح وقائي رخيص.

ورغم أهميته، لم يحظ هذا الخبر بضجة كبيرة في حينه، ولعل ذلك لأسباب كثيرة نرجح أنها تدور في فلك أن الجريدة والمحرر والمجتمع الذي انتشر فيه الخبر بداية الأمر ليسوا بمصادر موثوقة في المجال العلمي، كما أن كثيرًا من هذه الأخبار التي تستهدف المشاعر الوطنية المحلية للجمهور والغرائز البدائية في الحصول على مسكِنات للقلق بأي طريقة، لم تقف صامدة أمام قوة الفيروس الذي أمسى "وباءً"، شأنها في ذلك شأن كثير من أخبار العلاجات التي أعلنت الدول الكبرى عن تجريبها مؤخرًا.

ولكن في وقتٍ لاحق من هذا الشهر، انتشر هذا الخبر بكثافة من جديد على مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، وذلك بعد التدقيق في معلومات الوثيقة التي أرفقها المحرر عن تفاصيل العلاج الأصلي الذي جرى تطويره أغسطس/آب من العام 2014، حيث تشير الوثيقة إلى أن فكرة استخدام حبيبات الأكسجين المذابة (أوكسي لايف) في علاج هذه التشكيلة من الفيروسات، أشرف عليها أكاديمي مصري في مجال الفيروسات، يحمل شهادة "الدكتوراه"، وكان يعمل في معهد أبحاث تلوث المياه، قبل أن يزج به في السجن.

صورة

معتقل سياسي

بالتنقيب عن مرسي وليد السنوسي المشار إليه في الوثيقة، وجد الباحثون أن هذا الرجل تعرضت حياته إلى تحولات درامية حادة على كل المستويات المهنية والاجتماعية؛ ففي عام 2009، أي منذ نحو 11 عامًا، منح وليد، خلال عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، جائزة الدولة للأفراد في مجال البحوث البيئية، بصفته أستاذًا باحثًا مساعدًا في المركز القومي للبحوث، بالمناصفة مع إيمان عبد المنعم عبد الحميد التي كان تحمل نفس الصفة العلمية.

وبعد ثورة الـ25 من يناير وتقلد الرئيس الأسبق محمد مرسي منصب رئاسة الجمهورية، أصبح الدكتور وليد السنوسي مستشارًا لرئاسة الجمهورية في ملف النظافة، ليشرف مع كل من الدكتور خالد فهمي عبد العال وزير البيئة آنذاك والدكتور خالد علم الدين مستشار رئاسة الجمهورية لشؤون البيئة، على مخطط النظام السياسي الجديد للارتقاء بمنظومة المخلفات وتحويلها إلى "أشكال متعددة من الطاقة"، وذلك بالتعاون مع اللواء صلاح المعداوي محافظ الدقهلية، حيث كان المأمول أن تصبح هذه المحافظة نموذجًا لباقي محافظات الجمهورية في ملف الصحة البيئية، بحلول يونيو/حزيران 2013.

لكن بعد الإطاحة بالرئيس مرسي في التحركات العسكرية التي قادها وزير الدفاع الأسبق ورئيس الجمهورية الحاليّ يوليو/ تموز 2013، انقلبت حياة وليد السنوسي رأسًا على عقب، شأنه في ذلك شأن معظم الكوادر المهنية التي تعاونت مع جماعة الإخوان المسلمين في أثناء عام الحكم الوحيد، حيث بدأت الحرب ضده منذ الشهر التالي مباشرة، أغسطس/آب من نفس العام، من خلال الزج باسمه في "قضايا فساد وتعدٍ على أراضي الدولة" الواقعة داخل نفس المحافظة التي انطلق منها مشروع رئاسة الجمهورية البيئي في عهد مرسي: محافطة الدقهلية.

كما يقبع السنوسي أيضًا في الوقت الحاليّ بسجن "العقرب" على ذمة القضية 1175 لسنة 2018 حصر أمن الدولة، متهمًا بتشكيلة طويلة من التهم، مثل: تعطيل أحكام الدستور والقانون، ونشر أخبار كاذبة عن الأوضاع السياسية والاقتصادية بقصد تكدير السلم العام، في إطار خدمة أهداف جماعة إرهابية، والتخطيط لعمليات إرهابية ضد مؤسسات الدولة، وعمليات عدائية ضد الممتلكات العامة والخاصة، وذلك بعد أن اختطف قسريًا لمدة أسبوعين يوليو/تموز 2018.

آلاف المعتقلين

ألقت مفارقة السنوسي المتعلقة بفيروس كورونا بظلالها على محنة المعتقلين في مصر مجددًا، حيث تشير الأرقام شبه الرسمية إلى أن أعداد المحبوسين في مصر - بشكل عام - لا تقل أبدًا عن 110 ألف محبوس (وربما تزيد إلى 140 ألف)، من بينهم ما لا يقل عن 25 ألف محبوس احتياطي، كما تصل كثافتهم إلى 300% موزعين على 62 سجنًا رسميًا وعدد غير معروف من مقرات الاحتجاز مثل السجون ومقرات أمن الدولة.

سرب عددٌ من المعتقلين رسالةً من "القطاعات الطبية الموجودة في السجون المصرية"، تطالب بالإفراج عنهم للمساعدة في دعم زملائهم المرابطين بالخارج

وبحلول الـ5 من فبراير/شباط (الشهر الماضي)، استبشر السنوسي ورفاقه المحبوسون على ذمة قضية أمن الدولة بإمكانية الخروج من السجن ضمن 93 شخصًا على ذمة 9 قضايا مشابهة، جرى استبدال الحبس الاحتياطي لمن تجاوز العامين على ذمتهم بالتدابير الاحترازية (وتجديد التدابير الاحترازية لآخرين)، فأفرج عن 18 شخصًا من القضية 1175 لسنة 2018، بيد أن الدكتور السنوسي لم يكن واحدًا منهم.

وفي الـ18 من مارس/آذار الحاليّ، أفرجت السلطات أيضًا عن 15 شخصًا من الأحزاب والمستقلين، كان على رأسهم حسن نافعة وشادي الغزالي حرب وحازم عبد العظيم، بعد مطالبات من تحالفات حزبية ونواب برلمانيين وأشخاص مستقلين بالإفراج عن المحبوسين احتياطيًا وكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، ومن قضوا نصف المدة والغارمات، بغرض التخفيف من ازدحام السجون، أسوةً بعدد كبير من الدول التي فعلت نفس الأمر في سجونها، مثل إيران والبحرين والأردن وسوريا. 

ولكن يبدو أن هذه الإفراجات شكلية بالفعل كما رآها البعض، فقد أصدر السيسي عقب إعلانها مباشرة القانون رقم 21 لسنة 2020، الذي يشمل تعديل قانون "تنظيم السجون" 3696 لسنة 1965، وبعض أحكام قانون المخدرات، مما أدى إلى إعاقة الإفراج الشرطي عن شريحة واسعة من السياسيين المحبوسين على ذمة قضايا التظاهر والإرهاب، وجوز الإفراج عن المحبوسين على ذمة قضايا تعاطي المخدرات لأغراض شخصية. 

كما رصدت منصة "جوار" المعنية بشؤون المعتقلين السياسيين تزايدًا ملحوظًا في أعداد وفيات المعتقلين بعد قرار النظام الإفراج عن عدد محدود من المعتقلين منتصف مارس، حيث وثقت "جوار" وفاة خمسة مساجين هم: صبحي فتحي وحمدي عبد البر وسمير رشدي وحسن خليفة وهشام أبو علي، بسجون الزقازيق والمنيا وبرج العرب والمنوفية، بسبب التعذيب والإهمال الطبي، خلال يومي الـ19 و20 من مارس الحاليّ، بما يعزز الفرضية التي تقول إن إجراءات السيسي شكلية ولا تصب في مصلحة المعتقلين أبدًا، سواء على مستوى القانون أم الممارسة.

الأطباء المعتقلون

وبما أن السيسي قطع الطريق على أمل كل من هو "سياسي" في السجون، فلم يتبق للسنوسي أملٌ إلا بالإفراج عن "الأطباء المعتقلين"، ففي تطور لافتٍ بهذا الأمر، سرب عددٌ من المعتقلين رسالةً من "القطاعات الطبية الموجودة في السجون المصرية"، تطالب بالإفراج عنهم للمساعدة في دعم زملائهم المرابطين بالخارجين على خط المواجهة ضد فيروس كورونا، متعهدين - حال حدوث ذلك - بالالتزام بالبروتوكولات الحكومية في الممارسة الطبية، ومثمنين الإفراج الرسمي عن عدد من المعتقلين مؤخرًا.

صورة

بعض الدول الغربية، على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، بدأت بالفعل تسهل إجراءات الهجرة أمام الأطباء الأجانب الذين استوفوا الشروط الأكاديمية الأساسية المتعلقة بالمعادلات والشهادات، خاصة أولئك المتخصصين في علاج الفيروسات مثل كورونا المستجد، بغرض سد العجز في الطواقم الطبية، بعد أن تجاوزت هذه الدول أرقام الإصابة والوفاة التي سجلتها الصين، البلد الذي بدا فيه الوباء، نهاية عام 2019.

كما يبدو أيضًا أن مصر تعاني من عجز مشابه في الكوادر الطبية، حيث أعلنت وزارة الصحة المصرية فتح باب "التطوع" أمام كل العاملين في المجالات الطبية وطلاب الكليات الطبية، ومن يود الانضمام بعيدًا عن القطاع الصحي لمواجهة فيروس كورونا، كما بدأ الجيش، بالتزامن مع هذه الدعوات، يجهز كوادره الطبية والإدارية لبناء مستشفيات ميدانية ببعض الأحياء المتاخمة للمجالات العسكرية الحيوية شرق القاهرة.

وبحسب الكيميائي مخلوف محمد إبراهيم من المركز القومي للبحوث، فإن التجارب الأولية لعقار "أوكسي لايف" على فيروس كورونا المستجد أظهرت نجاحًا أوليًا في علاجه يصل إلى 60%، مما دفع المستشفيات الصينية لطلب دراسة العقار.. فهل ستدفع أزمة "كورونا" السلطات في مصر إلى الإفراج عن "السنوسي" ورفاقه الأطباء المحبوسين داخل المعتقلات، التي تقدر بعض المصادر أعدادهم بـ1200 طبيب وصيدلي وأستاذ جامعي ونقابي للمساهمة في احتواء هذا الخطر الذي يهدد البشرية جمعاء، أم سيظل هؤلاء المحبوسون قابعين في السجون حتى الموت كما يقول بعض المتشائمين.