تنهال علينا الإحصاءات كأنها تستبشر بعدد المصابين والموتى، ويتنافس صحفيون أدعياء على نقل الأخبار المرعبة كأنهم يجدون في ذلك متعة، لكن إزعاجهم هذا يصير قابلًا للاحتمال أمام ما ينهمر علينا من مواعظ لا نظنها إلا كاذبة عن ضرورة التوبة إلى الله والاستعداد للفناء القادم، حتى إن البعض يستعيد كل أحداث الرعب من مشاهد عذاب القبر وقبل ذلك ينصح بإعداد الكفن، ووعاظ كثر يذكروننا برغمنا بفيلم الصمت.

الصمت كسبب للبقاء

في فيلم الصمت يخرج على الناس من كهف منسي طائر لا هو خفاش ولا هو ديناصور طائر، فقد منح المخرج حريةً لخياله ليجمع بين ملامح كائنات كثيرة في كائن واحد غير أنه وللغرابة جعل الكائن الذي عاش قرونًا في كهف مغلق، أعمى يتنقل بتتبع مصادر الضجة من حوله، فحيث ما سمع صوتًا انقض على مصدره ولو كان سيارة معدنية، حتى تفطن الجمهور الهارب إلى ضرورة الصمت كسبيل وحيدة للنجاة.

في الأثناء يظهر قس بلباس كنسي وقد قطع لسانه لينهي كل احتمال نطق وكون طائفته المقطوعة الألسن وصار يطارد الناس ليقطع ألسنتهم كسبيل أخير للنجاة، فتحالف معهم ومع الكائن الغريب المعادي، فجعلهم في مواجهة عدوين أحدهم يرى استمرار الحياة بقطع الألسن، هؤلاء الوعاظ الكورونيون يريدون قطع ألسنتنا بعذاب القبر والكفن الجاهز.

مطلوب منا في مواجهة كورونا أن نموت أيضًا بتخيل عذاب القبر والكفن جاهز، وقبل ذلك علينا أن نقوم بعملية تأثيم لضمائرنا الفاسدة طيلة ما قبل كورونا لأننا لم نتوقع عذاب الله ولم نخشه خشية كافية (يبدو أن الوعاظ يروننا كفارًا منذ خلقنا) حتى سلط علينا سوء العذاب، وفي الأثناء يتم تشبيهنا بقوم فرعون الذين سلط الله عليهم القمل والدم والجراد.

ليس لديّ معرفة كافية بهؤلاء الوعاظ الذي أعادوا الانتشار بشكل أسرع من كوفيد 19، لكني عرفت بعضهم في تليفزيونات التسعينيات وما بعدها، يروجون لخطاب مماثل، حتى إنهم جعلوا وجود الكيان الصهيوني بيننا عقابًا إلهيًا على تخلينا عن الدين، لكنهم عوض أن يجدوا في الدين نصيصًا صغيرًا يقول بالجهاد يجدون ألف نص يدعوننا به إلى التوبة والانكماش وانتظار ملك الموت.

هل نسارع إلى الله آملين أم نعود إليه مرعوبين من الانتقام الدنيوي والأخروي؟

هؤلاء الوعاظ لم يروا جيش آل سعود في اليمن ولا رأوا ماله في يد عسكر مصر ولم يروا أو لم يحسبوا أن كورونا لن تقتل أكثر مما قتل الجيش السعودي والإماراتي في اليمن ولا أكثر مما قتل السيسي من إخوان مصر ولا أكثر مما قتل حفتر من الليبيين بجيش المداخلة الذي يعرف الله أكثر من بلد المليون حافظ للقرآن، ولن أذكر إلا عرضًا السوريين تحت نظام بشار قريبًا جدًا من حدود بلاد الوعاظ.

مال هؤلاء يتوجهون إلينا نحن الخائفين من كورونا وندعو ربنا طالبين لطفه ولا يتوجهون إلى فراعنتهم يذكرونهم بأنهم أكثروا الفساد في البر والبحر؟

الدين المخيف

صورة الله في خطاب هؤلاء الوعاظ هي صورة الإله المنتقم من مخلوقاته، لقد قرأوا أفكاره (ولا أدري بأي وسيلة خاطبوه) فوجوده غاضبًا وجاءوا ينقلون إلينا غضبه وانتقامه، فلم يأمل الناس رضاه ومغفرته وحنانه وصبره على مخلوقاته الضعيفة وهم في ضنك وخوف بل قطعوا أملهم ودفعوهم إلى جدار اليأس والإحباط بإعداد الأكفان والتوابيت في انتظار ضربة الكوفيد.

من كلّف هؤلاء بتشويه صورة الرب الرحيم العفو الغفور الذي يتجاوز عن سيئات مخلوقاته ويغفر، ففي ضنك الوباء والجوع والخوف من المجهول يريد الناس ربًا رحيمًا فيقدم هؤلاء ربًا قاسي القلب يعذب بالجوع والخوف ونقص الأموال والأنفس والثمرات.

هل نسارع إلى الله آملين أم نعود إليه مرعوبين من الانتقام الدنيوي والأخروي؟ لحظة الأمل في الشفاء بيد الله تنقلب إلى لحظة رعب فوق رعب المرض ومفارقة الأحباب بالموت، هل يفرح هؤلاء بما يقترفون في حق الله وفي حق الإيمان؟ صورة الدين المخيف تنفر الناس فينفرون فيزداد رعبهم لأن الله يكون بعد درس الوعظ القاسي قد تحول إلى وسيلة رعب لا مصدر للطمأنينة.

لا ينتبه هؤلاء الوعاظ إلى ألم المؤمن البسيط الذي يرتكب معاصي كثيرة ويتوب كل يوم ويستغفر، لا ينتبهون إلى ألم أراه على الأقل فيمن حولي من إغلاق المساجد وسماع الآذان دون الاستجابة، ويتجاهل هؤلاء دموع المؤذن الكويتي وهو يستعيد باكيًا آذان الطواعين (صلوا في رحالكم).

هذا المؤمن الأشعث الأغبر (ولو في ملابس جورج أرماني) الذي لو أقسم على الله لأبره، يسير في الأرض ويرتكب حماقات غير إيمانية لكنه لم ينقطع عن ربه وعن الأمل في المساعدة الإلهية تنزل عليه فتشفيه وتعيد إليه رزقه الذي انقطع وقد قرأت نفث صدور مؤمنة ترجو الرحمة قبل خشية العذاب.

وحدهم هؤلاء الوعاظ يقطعون بينه وبين ربه ويملكون مفاتيح الإيمان، فيمارسون دور إكليروس عصر الظلمات ولم يبق لهم إلا بيع صكوك الغفران وربما وجدوا لها اسمًا جديدًا وباعوها للنعاج الخائفة، فلا شك أن قد علموا أن الإكليروس - باعة الجنة القدامى - كانوا يسمون المؤمنين نعاج الرب.

هذا الوعظ يكشف جهلًا بالله وبالإنسان ولذلك نستعفي من قراءته وندعو من آمن بالله أن يحبه ولا يفتح عقله لمثل هذا الخطاب المثبط للعزيمة والمدمر للإيمان الفطري الذي ينتهي بخلق إنسان مرعوب من الله لا إنسان مؤمن به.

لن نقطع ألسنتنا لننجو، سنتكلم لنقول لله الرحيم ارحمنا يا رب من وعاظ السلاطين، حفاري القبور وباعة الأكفان.