أشارت دراسة اقتصادية إلى أن السودان كان يستهلك الذرة كغذاءٍ رئيسيٍّ بنسبة 100% حتى ما قبل استقلاله عن بريطانيا عام 1956، وبعد أن دخلت المعونات الأمريكية ومن بينها القمح، انخفض استهلاك الذرة بنسبة 25% لصالح القمح في العام 1960، ثم أخذ استهلاك الذرة والدخن يتراجع تدريجيًا، حتى أصبح القمح الغذاء الرئيس للسودانيين، وتساءل الخبير الاقتصادي محمد إبراهيم كبج عن استبدال الذرة والدخن بالقمح، قبل أن يفسر بأن ذلك يأتي في سياق إحكام تأثير القوى العالمية الغربية تحديدًا على القرار السوداني.

عَرَف السودان زراعة القمح منذ مئات السنين في أجزائه الشمالية للاستهلاك المحلي لأهالي الإقليم الذين يعتمدون عليه في الغذاء، ولأن ظروف المناخ ملائمة لزراعته، وعندما ازداد استهلاك القمح في بقية الأقاليم وفقًا لتغير النمط الغذائي، امتدّت زراعته جنوبًا إلى مشروع الجزيرة وذلك في الستينيات، حيث الرقعة الزراعية الواسعة، ونشطت أبحاث القمح في كل من محطة الحديبة وهيئة البحوث الزراعية بود مدني، كما امتدت زراعة القمح أيضًا إلى شرق السودان في مشروع الرهد الزراعي.

لاحقًا، وبعد توافر المعلومات العلمية من محطات البحوث الزراعية في الجزيرة وخشم القربة عن إمكانية إنتاج القمح بشكل تجاري، بدأ إدخال زراعة القمح بشكل تجاري في أوائل الستينيات في المشروعات المروية بأواسط وشرق البلاد حتى صار القمح جزءًا من الدورة الزراعية في مؤسسة حلفا الزراعية منذ إنشائها في موسم 1975-1976 وصار يُزرع بكميات كبيرة في مشاريع النيل الأبيض شمال كوستي.   

كيف تدهور إنتاج القمح ليلجأ السودان إلى استيراده من الخارج؟

بدأ التدهور الاقتصادي في السودان منذ عهد الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري الذي رحل بثورة شعبية نتيجة لتردي الأوضاع في 6 من أبريل 1986، إلا أن الحال لم يتغير كثيرًا في عهد الديمقراطية الثالثة التي انقلب عليها نظام الإنقاذ برئاسة عمر البشير، حيث رفع في بدايات حكمه شعارات في غاية الطموح مثل "نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع"، وبالفعل بدأ النظام بدايات قوية في تنفيذ الشعار، ففي موسم 1991 و1992 زُرع 800 ألف فدان من القمح في مشروع الجزيرة وهو ما يعادل أكثر من 80% من احتياجات الشعب السوداني من القمح، هذا إلى جانب المساحات التي زرعت في المشروعات الزراعية الأخرى.

المنحة السعودية الإماراتية توقفت عند حاجز 750 مليون دولار فقط أي أقل من ثلث المبلغ الذي تعهدت به الرياض وأبو ظبي

ولكن بعد 30 عامًا من حُكم الرئيس المخلوع عمر البشير ونتيجة لسياسات خاطئة متعددة من ضمنها إهمال القطاع الزراعي وتدمير المشروعات الزراعية الكبرى كمشروع الجزيرة، إلى جانب الفساد وسوء الإدارة، عادت صفوف الخبز إلى أسوأ مما كانت عليه في عصور سابقة، إذ كانت حكومة البشير تتباهى حتى قبل سقوطها بأعوام قليلة، بأنها قضت على ظاهرة صفوف الخبز والوقود، بل إن السودان أصبح في الوقت الراهن من أكثر دول المنطقة تلقيًا للمساعدات والمعونات، وفور سقوط نظام البشير سارعت السعودية والإمارات إلى إعلان تقديم حزمة مساعدات متنوعة للمجلس العسكري الذي تولّى السلطة بـ3 مليارات دولار تشمل المشتقات البترولية والقمح والأدوية.

توقف المساعدات السعودية الإماراتية للسودان

لكن المنحة السعودية الإماراتية توقفت عند حاجز 750 مليون دولار فقط أي أقل من ثلث المبلغ الذي تعهدت به الرياض وأبو ظبي، باعتراف وزير المالية إبراهيم بدوي، ويبدو أن السياسة الخارجية التي انتهجتها الحكومة المدنية برئاسة عبد الله حمدوك لعبت دورًا كبيرًا في توقف دفعات المنحة التي كانت منتظمة أيام حكم المجلس العسكري الموالي للدولتين، إذ لم يبدِ رئيس الوزراء السوداني حماسًا لتوجهات المحور كدعم الجنرال الليبي المتقاعد خليفة حفتر، بل بالعكس استقبل نائب رئيس المجلس الرئاسي في حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا أحمد عمر معيتيق، كما قرر اتخاذ موقف مستقل في سد النهضة فُسّر بأنه داعم لإثيوبيا ضد نظام السيسي رغم أن موقف الحكومة الانتقالية كان ينطلق من تحقيق مصالح السودان فحسب.

كما أن الرياض والسعودية شعرتا بأن مصالحهما مع السودان لم تعد كما كانت من قبل، فحرب اليمن التي شاركت فيها الخرطوم بحماس، إبان عهد الرئيس المخلوع عمر البشير لم تمضِ وفق أهواء قادة التحالف العربي، إذ أظهر الشعب اليمني وجماعة الحوثي صمودًا غير متوقع قَلَب الموازين رأسًا على عقب، فبعد 5 سنوات من شن الحرب أصبحت صواريخ الجماعة تهدد العاصمة السعودية الرياض، الأمر الذي جعل الأخيرة تبحث عن مخرج سياسي للمأزق الذي كلفها أموالًا طائلة وشوه سمعتها بعد أن صُنّفت كدولة معتدية تسببت في قتل آلاف الأطفال والنساء وكبار السن.

إنتاجية عالية للقمح رغم المصاعب

رغم حالة الإحباط الذي يعيشها السودانيون من ضعف أداء حكومة الثورة وعدم مقدرتها على حل الأزمات الاقتصادية التي تحيط بالبلاد لعدة أسباب، فإن الإنتاجية العالية لمحصول القمح في موسم الحصاد الحاليّ، جددت الأمل في تحقيق اكتفاء ذاتي من الدقيق وبالتالي تختفي أزمة الخبز.

محافظ مشروع الجزيرة المكلف مصطفى إبراهيم مصطفى، أعلن اكتمال حصاد 178 ألف فدان قمح من جملة مساحات القمح بمشروع الجزيرة البالغة 423 ألف فدان، لافتًا إلى أن بعض المساحات حققت إنتاجيات متميزة وصلت إلى (25 - 30 - 35) جوالًا في الفدان.

وأكد محافظ مشروع الجزيرة المكلف في تصريح لوكالة الأنباء السودانية الرسمية (سونا) أن إنتاج القمح يبشر بإنتاجية عالية، حيث بلغ متوسط إنتاج الفدان في المساحات المحصودة 16 جوالًا من القمح زنة 100 كيلو مقارنة بمتوسط إنتاج الموسم السابق الذي بلغ 12 جوال قمح.

سفيان الباشا عضو مجموعة تصحيح المسار بمشروع الجزيرة، توقّع أن يصل حجم إنتاج القمح من المشروع إلى 8 ملايين جوال، ليوفر نحو 60% من احتياجات السودان من القمح خلال العام، كما يمثل دعمًا للدولة بتوفير مبالغ كبيرة من النقد الأجنبي لاستيراد القمح، مضيفًا "هذه هديتنا التي سنقدمها لرئيس مجلس الوزراء الذي يتوقع أن يزور ولاية الجزيرة الأسبوع القادم".

إلى الشمال من الجزيرة، أعلن المدير العام لشركة بلدات الزراعية كمال على الله، تحقيق مشروع الصهاريج بولاية نهر النيل أعلى إنتاجية من القمح حيث بلغ متوسط الفدان 27 جوالًا مقارنة بمتوسط المعتاد الذي يقدر بنحو 12 جوالًا للفدان.

المساحات المزروعة بالقمح هذا العام بلغت 133 ألف فدان بإنتاج وصل إلى 34 في بعض القطاعات

وأكد أن مشروع الصهاريج الزراعي بولاية نهر النيل على مساحة 1170 فدانًا حقق أعلى معدل إنتاجية يحققها مشروع وطني، وقال في تصريح لموقع "باج نيوز" إن هذا هو الموسم الأول الذي يتم فيه زراعة القمح، حيث زرع الأعلاف لفترة 4 سنوات على دورتين.

ورهن المدير إمكانية تحقيق الاكتفاء الذاتي من سلعة القمح بدعم الدولة للسلعة وتوفير التمويل ومعينات الري والتقانة، مشيرًا إلى أن أسباب نجاح الإنتاجية العالية يعود لوجود تمويل كافٍ وانسياب الري المحوري واستخدام التقانة في الأسمدة والعمليات الزراعية الأخرى.

كذلك، أعلنت سلطات الولاية الشمالية، أن المساحات المزروعة بالقمح هذا العام بلغت 133 ألف فدان بإنتاج وصل إلى 34 في بعض القطاعات، بينما بلغت جملة المساحة المزروعة بولاية النيل الأبيض نحو 82 ألف فدان، بمتوسط إنتاج يبلغ 13 جوالًا للفدان الواحد، هذا بالطبع إلى جانب عشرات المشاريع الأخرى عامة وخاصة، يتوقع أن تحقق إنتاجية جيدة بنفس المستوى.

حصر شراء القمح عبر البنك الزراعي 

أواخر الشهر الماضي، أصدر رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، قرارًا بحصر شراء القمح المحلي على البنك الزراعي، مهددًا كل من يخالف القرار بتعريض نفسه للمساءلة القانونية والمحاسبة.

أشاد اتحاد الغرف الزراعية بالقرار وقال إنه يصب في الاتجاه الصحيح ويأتي في توقيته لقطع الطريق أمام جهات تسعى إلى خلق الندرة في السلعة بالشراء بأسعار أعلى، من أجل المضاربة التي يتضرر منها الاقتصاد والمواطن، وأشار الاتحاد إلى أن القمح سلعة إستراتيجية والبنك الزراعي الجهة الوحيدة المناسبة لشرائه، وقال إن موسم حصاد القمح جاء مبشرًا وحقق إنتاجية غير مسبوقة سبق تفصيل حجمها.

الوقود وضعف الري أبرز المعوقات

تقدر الصحفية المتخصصة في الشأن الاقتصادي رحاب فريني جملة المساحات المزروعة بالقمح في الموسم الشتوي بنحو 723 ألف فدان، وتتوقع ألا يقل الإنتاج الكلي عن 7 - 8 ملايين جوال قمح بمشروع الجزيرة لوحده.

تقول رحاب في حديثها لـ"نون بوست": "هذا الموسم شهد إنتاجية عالية رغم المعوقات التي واجهته"، التي تلخصها في عدم توافر الوقود وضعف انسياب الري، إلى جانب ندرة جوالات "الخيش" لتعبئة المحصول بعد حصاده، متوقعةً أن يكفي الإنتاج الكلي حاجة البلاد من محصول القمح بنسبة 65% لفترة تتجاوز 6 أشهر.

وإلى جانب ما ذكرته محدثتنا هناك معوقات أخرى تتمثل في قلة الآليات التي تساعد في زراعة المحاصيل وحصادها، فبفعل العقوبات الأمريكية ما زال السودان غير قادرٍ على استخدام التقنية الحديثة في الزراعة والري، وبفعل ارتفاع أسعار النقد الأجنبي يصعب صيانة ما هو موجود من الآليات الزراعية من تراكتورات وحاصدات، فضلًا عن صعوبة الحصول على الأسمدة العضوية وإن كانت معظم أراضي السودان خصبة بشكل طبيعي ولا تحتاج إلى كثير من المخصبات المستوردة.

ملاحظات على أداء وزير الزراعة

كثير من المراقبين لأداء الحكومة الانتقالية في السودان يرون أن أداء وزير الزراعة عيسى عثمان يتصف بالضعف، ويستدلون بأنه شخصية غير معروفة إعلاميًا، كما أن حجم المساحة التي أعلن أن وزارته تخطط لزراعتها في الموسم القادم (مليون فدان)، تبدو متواضعة للغاية، من واقع أن السودان تمكّن هذا العام من زراعة أكثر من 700 ألف فدان في هذا الظرف الدقيق، فيفترض أن يكون طموح حكومة الثورة أكبر من هذا الرقم، ففاتورة استيراد القمح أرهقت كاهل الاقتصاد السوداني، حيث وصلت في العام السابق إلى 671 مليون دولار للقمح و118 مليون دولار لدقيق القمح وهي تُمثل 8.6% من إجمالي الواردات وفق المحلل الاقتصادي إيليا روماني.

طموح حكومة الثورة التي لا تزال متعثرة ـ حتى الآن ـ يجب ألّا يقل عن تمزيق فاتورة استيراد القمح بشكل نهائي في البداية، وبالتالي تقي البلاد شرور الحاجة للمساعدات الأجنبية التي تكون مشروطة بالطبع، لتكون الخطة فيما بعد أن يعود السودان دولة مصدرة للغذاء، وفق المقولة التي دُرّست لكل طلاب الوطن العربي "السودان سلّة غذاء العالم".

نحن أيضًا كشعب سوداني مطالبون بتغيير نمطنا الغذائي وتقليل استهلاك سلعة القمح، وأن نولي محصولاتنا الغذائية الخاصة مثل الذرة والدخن اهتمامًا من أجل تقليل الضغط على القمح، وكذلك من أجل تنويع الغذاء، فالقيمة الغذائية للذرة والدخن أعلى بكثير من القمح، ولننظر في هذا الصدد إلى دول الجوار من حولنا، ففي إثيوبيا وإريتريا لا يزال السكان متمسكون بخبز الإنجيرا المصنوع من عائلة الذرة البيضاء، فهو الغذاء الأول لديهم في كل الوجبات تقريبًا، وفي تشاد تشكل "العصيدة" الوجبة الرئيسية للسكان سواء كانت مصنوعة من الذرة البيضاء أو الدخن.