بعيدًا عن العلاقات الوطيدة التي تربط بين الصين والجزائر اقتصاديًا وتاريخيًا، جاءت مواقف الجزائر الدولية بخصوص التطورات التي يشهدها العالم متقاربة ومتطابقة جدًا مع الصين ومخالفة للاتحاد الأوروبي وفرنسا على وجه الخصوص بعد السجال الدبلوماسي الكبير الذي فجرته تصريحات خبير دبلوماسي على قناة فرنسية حكومية، وكانت الصين حاضرة في قلب هذا الجدل.

ولطالما أثار التقارب الصيني الجزائري مخاوف الاتحاد الأوروبي الذي أظهر انزعاجه من تنامي العلاقات الاقتصادية الجزائرية الصينية واستحواذ "التنين النائم" على السوق المحلية وعدة استثمارات حكومية بالجزائر خلال السنوات الأخيرة.

وبرزت أولى معالم الانزعاج والتوتر والغضب، في اجتماع عقدته اللجنة الاقتصادية والشؤون الخارجية للمجلس الوطني الفرنسي، حيث اتهمت المحافظة الأوروبية للتجارة سيسيليا مالمستروم، الجزائر صراحة، بخرق بنود اتفاقياتها التجارية مع الاتحاد الأوروبي، وأنها تدعم وتشجع المصالح الصينية على أراضيها بشكل جعلها تفضل منتجاتها.

كذلك أظهر مجلس الشيوخ الفرنسي، في تقرير بتاريخ 20 من مارس/آذار 2018 عن "طريق الحرير الصينية الجديدة"، ونوقش على مستوى الهيئة الكائن مقرها في لوكسومبورغ بالعاصمة باريس، بتاريخ 30 من مايو/آيار 2018، مخاوفه من استحواذ العملاق الآسيوي على صفقات كبرى في الجزائر، واستدل معدو التقرير، باستحواذ الصين على إنجاز أكبر ميناء في الجزائر وهو ميناء الوسط قرب محافظة شرشال، وصفقات فضائية منها إطلاق القمر الصناعي "ألكوم سات 1"، إضافة إلى مشروع الطريق العابر للصحراء ومشروع الطريق السيار شرق غرب، وعلق أصحاب التقرير الفرنسي على "طريق الحرير الصينية الجديدة" بالقول: "ظاهرها اقتصادي لكن باطنها يحمل أهدافًا أخرى غير الاقتصاد".  

مباشرة بعد الأزمة الأمنية التي عرفتها الجزائر، في سنوات التسعينيات، شهدت العلاقات الصينية الجزائرية تطورًا ملحوظًا

علاقات تاريخية

تاريخيًا، تعود العلاقات التاريخية مع الصين مباشرة بعد إعلان تأسيس الحكومة الجزائرية المؤقتة، حيث اعترفت الصين بتأسيسها وكان ذلك عام 1958، إذ كانت أول دولة غير عربية تعترف بالحكومة الجزائرية المؤقتة، وتطورت العلاقات كثيرًا بين البلدين بشكل أكبر بعد الاستقلال، حيث أرسلت الصين مساعدات إنسانية كبيرة للجزائر، تضم فريقًا طبيًا يعتبر أول فريق يصل إلى الجزائر، وفي المقابل كانت الدولة الجزائرية من أبرز الدول التي دافعت بقوة عن حملة بكين لكسب الاعتراف بها باعتبارها الممثل الوحيد للصين في الأمم المتحدة.

وهو ما أكده الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في حوار مع وسائل إعلام محلية، أجراه بداية أبريل/نيسان الحاليّ، حيث قال: "الصين دولة صديقة تكاد تكون حميمة وهذا لا يعجب البعض"، مضيفًا "بين البلدين صداقة قوية تعود إلى مرحلة حرب التحرير وتواصلت بعد الاستقلال"، وكشف أن الجزائر خاضت معركة شرسة لانضمام الصين إلى منظمة الأمم المتحدة وبعدها وقعت معها الصين اتفاقيات إستراتيجية في العديد من القطاعات.

وذكر بهذا الخصوص أنه في إطار علاقات الصداقة بين البلدين لبت الجزائر نداء الصين وأرسلت مساعدات لها في فبراير الماضي للمساهمة في الحد من تفشي وباء كورونا، وبخصوص الهبة التضامنية التي قدمتها الصين مؤخرًا للجزائر والمتمثلة في مساعدات طبية وإرسال عدد أطبائها إلى الجزائر هو للاستفادة من تجربة هذا البلد الذي تغلب على هذا الوباء.

مباشرة بعد الأزمة الأمنية التي عرفتها الجزائر، في سنوات التسعينيات، شهدت العلاقات الصينية الجزائرية تطورًا ملحوظًا، خاصة على الصعيد الاقتصادي، حيث بلغت حجم الاستثمارات الصينية في الجزائر خلال العقدين الماضيين من الزمن، 2.6 مليار دولار وفقًا لما كشفه السفير الصيني بالجزائر يانغ غانغو، في محاضرة ألقاها بالجزائر، في مايو/آيار 2018، لتتربع بذلك الصين على قائمة حلفاء الجزائر الاقتصاديين، مزيحة بذلك فرنسا التي ظلت مسيطرة وإلى 2013 على مفاصل الاقتصاد الجزائري وبالأخص الاستثمار.

تهيمن الشركات الصينية في الجزائر على أكبر المشاريع فيها، وتشمل البنية التحتية والمنشآت الكبيرة في مجالات البناء

الصين تطيح بفرنسا وتتربع على عرش الشركاء الاقتصاديين

بحسب تقرير صادر عن المركز الجزائري للإعلام والإحصاء التابع للجمارك الجزائرية، بخصوص وضع التجارة الخارجية للجزائر خلال الـ9 أشهر الأولى من 2018، فقد حلت الصين في المركز الأول ضمن قائمة الدول المصدرة للجزائر بـ5.520 مليار دولار، تليها فرنسا في المركز الثاني بنحو 3.455 مليار دولار ثم إيطاليا في المرتبة الثالثة بما يقارب 2.804 مليار دولار وحلت إسبانيا في المركز الرابع بـ2.475 مليار دولار وخامسًا ألمانيا بـ2.256 مليار دولار.

وتهيمن الشركات الصينية في الجزائر على أكبر المشاريع فيها، وتشمل البنية التحتية والمنشآت الكبيرة في مجالات البناء والأشغال العمومية، وتزامن هذا الحراك مع نمو الإيرادات الجزائرية بسبب ارتفاع أسعار النفط، حيث توجد في الجزائر نحو 790 شركة صينية، أبرزها الشركة الوطنية الصينية للأشغال والبناء "سي إس سي أو سي" التي تمثل أكبر قوة اقتصادية لبكين في البلاد، إذ هيمنت على العديد من المشاريع على رأسها إنجاز أكبر ميناء جزائري بتكلفة تقدر بـ3.3 مليار دولار أمريكي، في إطار قرض صيني على المدى الطويل.

إضافة إلى توسعة مطار الجزائر الدولي الذي أشرفت شركة صينية على إنجازه بتكلفة تقدر بنحو 650 مليون دولار، وكذلك مسجد الجزائر الأعظم وهو أكبر مسجد في "الجزائر العاصمة" وإفريقيا وثالث أكبر مسجد في العالم بعد مكة والمدينة، وقدرت تكلفته بما يقارب 1.4 مليار دولار، حيث يمتد على مساحة تفوق 25 هكتارًا وبه أطول مئذنة في العالم بارتفاع يفوق 265 مترًا ويطل على خليج الجزائر في حي المحمدية بشرق العاصمة الجزائر، كما أشرفت على إنجاز مشروع الطريق السيار شرق - غرب الذي يمتد على مسافة 1200 كيلومتر، قدرت تكلفته بنحو 15 مليون دولار.

وبعدها اتسعت رقعة التعاون الصيني الجزائري، لتشمل الفضاء، ففي سنة 2017، أعلنت الصين نجاحها في إطلاق أول قمر اصطناعي جزائري للاتصالات، وحسب تصريحات تشين جيان رونغ المسؤول الأول بقسم بحوث الحمل النافع للقمر الاصطناعي، فإن هذا القمر الاصطناعي أول قمر للاتصالات بوظائف التدفق العالي، ويتمكن هذا الأخير من تغطية مناطق الصحراء والجبال والغابات وغيرها من المناطق التي لا تقدر إشارات المحطات الأرضية على تغطيتها، ويستخدم هذا القمر في مجالات البث الإذاعي والتليفزيوني واتصالات الطوارئ والتعليم عن بعد والشؤون الحكومية الإلكترونية والاتصالات التجارية والخدمات العريضة للنطاق.

برز هذا التقارب بشكل كبير بعد ظهور وباء كورونا في الجزائر، واستلمت الجزائر حصتين من المعدات الصحية، على رأسها كمية من الأقنعة تقدر 8 ملايين قطعة

تقارب جزائري صيني في عز الأزمة

تسعى الجزائر حاليًّا في مرحلة ما بعد تنحي الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة، لتطوير شراكتها الإستراتيجية مع الصين، تزامنًا مع نهاية الهيمنة التقليدية الفرنسية التي دامت لسنوات.

وبرز هذا التقارب بشكل كبير بعد ظهور وباء كورونا في الجزائر، واستلمت الجزائر حصتين من المعدات الصحية، وعلى رأسها كمية من الأقنعة تقدر بـ8 ملايين قطعة، وتم جلب المعدات على متن طائرتين عسكريتين، وهو ما اعتبره ملاحظون ومراقبون "مفاضلة صينية للجزائر في عز الأزمة الصحية التي ضربت العالم بأسره".

وأكدت طريقة تعامل بكين مع طلبيات الجزائر من وسائل الحماية والوقاية، مدى التقارب بين البلدين على الصعيد السياسي والاقتصادي والدبلوماسي، وهو ما يمثل تهديدًا لمصالح دول أوروبية، بالأخص فرنسا التي دخلت في أزمة غير معلنة مع الجزائر، تفاقمت حدتها بشكل كبير على خلفية ما بثته قناة تليفزيونية عمومية، عن تطورات وباء كورونا في البلاد.

وعن هذا التقارب يقول النائب البرلماني السابق محمد حديبي، في تصريح لـ"نون بوست": "أعتقد أن الخريطة السياسية الدولية تتشكل من جديد وفق قواعد إستراتيجية"، ويشير إلى أن بوادر هذا التغيير ظهرت في الجزائر بعد بروز مؤشرات توحي بفك الارتباط للقرار السياسي الجزائري عن الطرف الفرنسي، وقد ترسم هذا المشهد بشكل كبير عشية الانتخابات الرئاسية التي جرى تنظيمها في 12 من ديسمبر/كانون الأول الماضي، بإجراء ولأول مرة في التاريخ مناورات عسكرية بحرية بينها وبين روسيا، وهو ما أثار مخاوف الدول الأوروبية.

فرنسا لن تتقبل بسهولة فكرة خسارة استثماراتها في الجزائر، خاصة أنها تمثل ثاني شريك للبلاد، فهي تصدر حاليًّا ما يفوق 6 مليارات دولار

ويؤكد محمد حديبي، أن التنسيق واضح بين الجزائر والصين وحتى روسيا، وقد يتمدد هذا الحلف مستقبلًا لاحتضان إيطاليا وبعض دول الاتحاد الأوروبي، ويشير المتحدث إلى أن علاقات الجزائر مع الصين وروسيا تعود في الأصل إلى الثورة التحريرية المباركة، ولكل طرف منهما مراكز قوة باعتبارهما عضوين دائمين في مجلس الأمن الدولي.

ومن جهته يعتقد الخبير الاقتصادي، كمال سي محمد، أن فرنسا لن تتقبل بسهولة فكرة خسارة استثماراتها في الجزائر، خاصة أنها تمثل ثاني شريك للبلاد، فهي تصدر حاليًّا ما يفوق 6 مليارات دولار، إضافة إلى مئات الفرنسيين الذين يشتغلون في الجزائر بقطاع المحروقات.

ويستدل الخبير في الشؤون الاقتصادية بمساعي شركة "توتال" الفرنسية لاقتناص صفقة شراء شركة أناداركو التي يمتلك فيها الطرف الجزائري أكثر من نصف الأسهم بواسطة شركة سونطراك التي تستحوذ على ربع النشاط النفطي في البلاد، غير أن جميع محاولاتها في الظفر بهذه الصفقة كللت بالفشل، حيث أعلن وزير الطاقة الجزائري، محمد عرقاب، الانتهاء قريبًا من قضية صفقة الشركة الأمريكية أناداركو، وكشف في تصريح صحفي، أن الجزائر بصدد إجراء محادثات مع الشركة الأمريكية أناداركو، وختم تصريحاته بالقول: "سيصلكم قريبًا خبر مفرح عن قضية بيعها لحصصها بالجزائر".

وتجدر الإشارة إلى أن الشركة الوطنية للمحروقات المملوكة للدولة الجزائرية "سونطراك" مارست حق الشفعة على المصالح التي تحوزها شركة أناداركو، لتقطع بذلك الطريق أمام شركة "توتال" الفرنسية في الاستحواذ على الصفقة.