تبحث المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا عن دول تقبل استضافة 14 متهمًا تمت تبرئتهم من تهم الإبادة الجماعية في رواندا.

وقال "بوكار سي" المتحدث باسم المحكمة التي تتخذ من مدينة أروشا التنزانية مقرًا: إن "هؤلاء الأشخاص برأتهم المحكمة، ونحتاج أن نجد دولاً تقبل استضافتهم".

ويزور وفد تابع للمحكمة الجنائية الدولية حاليًا أوغندا وذلك في إطار جولات يقوم بها الوفد من أجل العمل على إقناع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة باستضافة المواطنين الروانديين الذين تمت تبرأتهم.

وقال بوكار: "في الاتفاقية الموقعة مع تنزانيا، لا يجب أن يبقى أحد بأراضيها بعد انتهاء المحاكمة، يحب أن يغادروا البلاد"، مضيفًا "حاليًا نحن نحتفظ بهم (المتهمون الذين تم تبرئتهم) في منازل آمنة في تنزانيا، ونلبي جميع احتياجاتهم، لأنهم تحت مسئولية المحكمة".

ويزور مدعي عام المحكمة "بونجاني ماجولا" حاليًا عدة دول لإقناعها باستضافة المتهمين الأبرياء، ورغم أن رواندا أبدت استعدادها لاستقبال المتهمين الذين تم تبرئتهم، إلا أن ماجولا أعرب عن قلقه إزاء عودتهم.

وتأسست المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا بموجب قرار من مجلس الأمن الدولي عام 1994 كرد فعل على الأحداث المأساوية التي وقعت في رواندا في العام نفسه، وباتت قضية نقل المتهمين الذين تم تبرئتهم قضية عاجلة، مع اقتراب انتهاء عمل المحكمة بحلول نهاية العام الجاري.

وواجهت المحكمة بالفعل عدة عقبات في محاولاتها لنقل المتهمين الذين برأتهم وأطلقت سراحهم.

وزاد من تلك التحديات حقيقة أن النظام الأساسي للمحكمة جنبًا إلى جنب مع قرارات مجلس الأمن الدولي المختلفة التي تتعامل مع المسألة، لا تضع أية التزامات على الدول الأعضاء لمساعدة المحكمة في نقل الأشخاص الذين تم تبرئتهم وأطلق سراحهم.

وقال "دانفورد مبوميلوا" المسئول الإعلامي إن "مجلس الأمن لم يتوقع أن الأشخاص الذين تم تبرئتهم سيبقوا عالقين في أروشا"، وأضاف أنه "لا توجد ميزانية تم تخصيصها لهم خارج إطار المحكمة"، ومضى قائلاً: "لم يكن هناك تفكير أننا سنصل إلى هذه المرحلة، هذه هي مشكلتنا الكبرى".

وأشار مبوميلوا إلى أن المحكمة طلبت المساعدة من مجلس الأمن الدولي لحل هذه الأزمة، موضحًا أن المجلس استجاب وأصدر قرارين لحث الدول الأعضاء على المساعدة والتعاون مع المحكمة، وقال: "لسوء الحظ لم تر المحكمة أي نتيجة إيجابية لهذين القرارين".

وتمكنت المحكمة في وقت سابق من نقل خمسة أشخاص مدانين بمجرد انتهائهم من تنفيذ الأحكام الصادرة بحقهم.

وقرر مجلس الأمن في نوفمبر 1994، إنشاء محكمة جنائية تمكِّن من محاكمة الأشخاص المسئولين عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني خلال الحرب الأهلية برواندا في الفترة الواقعة ما بين شهري أبريل ويونيو عام 1994 والتي ارتكبها شعوب "الهوتو" واستهدفت شعوب التوتسي الأقلية، وتسهم في عملية المصالحة الوطنية.

وفي أبريل 1994، شن القادة المتطرفون في جماعة "الهوتو" التي تمثل الأغلبية في رواندا حملة إبادة ضد الأقلية من توتسيي، وخلال فترة لا تتجاوز 100 يوم، قُتل ما يربو على 800 ألف شخص وتعرضت مئات الآلاف من النساء للاغتصاب، وفقًا لمعطيات الأمم المتحدة.

في السياق ذاته، قضت المحكمة ببراءة السيناتور السابق "أناستاز نزيراساناهو" من تهمة
الإبادة الجماعية التي جدّت خلال الحرب الأهلية، طاعنة بذلك في حكم المحكمة الابتدائية، والتي كانت أدانته، في مارس المنقضي، بالتهمة المنسوبة إليه، وفقًا لمصدر قضائي.

وبرّر القاضي "تشارلز غازانا" حكمه الصادر، مساء أمس الثلاثاء، بحق السيناتور الرواندي، بـ "التضارب في أقوال الشهود وموقف المدعي العام بشأن ما حدث منذ 20 عامًا".

ووجّه الادّعاء للسيناتور الرواندي السابق تهمة توزيع أسلحة، عام 1994، استخدمت لقتل شعوب التوتسي في منطقة "ماتابا" شمالي رواندا، وهي المنطقة التي ولد فيها، وفي الاستئناف، استشهد "أناستاز نزيراساناهو" بستّ شهود أكّدوا للمحكمة أنّ الأسلحة المذكورة وزّعها، خلال الحرب الأهلية، جندي رواندي وليس السيناتور السابق.

وأوضح القاضي "غازانا" أنّ "الشهود قالوا إنّ السلاح نقل من العاصمة الرواندية كيغالي إلى ماتابا، غير أنّ الروايات بشأن ذلك مختلفة وغير متطابقة، فعلى سبيل المثال، هم لم يوضّحوا من حمل السلاح إلى سيارته (السيناتور السابق) ومن سلّمه إلى الميليشيات".

أحد الناجين من الإبادة الجماعية يدعى "موسانغامانا لامبارت"، كان ضمن الحضور في محاكمة السيناتور السابق، هتف بمجرّد نطق الحكم، قائلاً "كنا نتطلّع لتبرئته، لأنه أحد القلائل الذين كانت لديهم الجرأة للخوض فيما حدث خلال الإبادة الجماعية .. الحمد لله".

ومثل "أناستاز نزيراساناهو"، وهو مهندس زراعي، العام 2008، أمام محكمة شعبية يطلقون عليها محلّيًا اسم "غاتشاتشا"، وهي عبارة عن هيكل تشكّل للتسريع في محاكمة المتّهمين في التورّط في الإبادة الجماعية برواندا عام 1994.

وكانت محكمة "غاتشاتشا" قد صنّفت السيناتور السابق ضمن فئة "المخطّطين" للإبادة الجماعية، وأُحيلت قضيته إلى المحكمة التقليدية باعتبار أنّ الـ"غاتشاتشا" لم يكن لديها ولاية قضائية لمحاكمة المشتبه بهم من هذه الفئة، إلى حين تبرئته في الاستئناف من طرف المحكمة العليا.

ومنذ بداية محاكمته، لم تصدر في حقّ السيناتور السابق أي بطاقة إيداع بالسجن على ذمة التحقيقات، حيث كان حرًّا، إلى حين صدور الحكم ببراءته يوم أمس الثلاثاء.