توكل كرمان

توكل كرمان

يتواصل استهداف الناشطة الحقوقية اليمنية، الحائزة على جائزة نوبل للسلام، توكل كرمان، على خلفية تعيينها بمجلس للإشراف على المحتوى في موقع فيسبوك، خاصة من مستخدمين ينتمون للدول المشاركة في حرب اليمن، فما الذي دفعهم لاستهدافها؟ وما الذي يقلقهم من تعيينها في هذا المنصب؟

كرمان ضمن "مجلس حكماء فيسبوك"

الناشطة اليمنية توكل كرمان عبرت على حسابها الخاص في تويتر عن سعادتها بالانضمام لمجلس حكماء موقع التواصل الاجتماعي الأشهر عالميًا "فيسبوك"، أو ما تطلق الشركة عليه "مجلس الإشراف على المحتوى"، كما عبرت عن تفاؤلها بإنهاء المجلس لما وصفته "احتكار الحكومات لوسائل الإعلام والمعلومات".

وتم تعيين كرمان في هذا المنصب، الأسبوع الماضي، حيث أعلنت شركة فيسبوك أول 20 عضوًا في مجلس الرقابة التابع لها، وهو هيئة مستقلة يمكنها إصدار أحكام على سياسات فيسبوك والمساعدة في الإشراف على المحتوى وسماع الطعون في القرارات الحاليّة.

إدارة فيسبوك قالت إن أعضاء مجلس الإدارة عاشوا في 27 دولة ويتحدثون 29 لغة على الأقل، رغم أن ربع المجموعة واثنين من الرؤساء المشاركين الأربع من الولايات المتحدة، حيث يقع المقر الرئيسي للشركة.

الغرض من هذا المجلس "التمسك بمبدأ إعطاء الناس صوت مع الحفاظ على سلامتهم"

يضم المجلس في عضويته إلى جانب توكل كرمان، خبراء قانون وناشطين في حقوق الإنسان وصحافيين منهم نائب رئيس معهد كاتو المحافظ جون سامبلز صاحب كتاب "الكفاح من أجل الحد من الحكومة"، فضلًا عن ألان روسبريدجر رئيس التحرير السابق لصحيفة الغارديان البريطانية، المسؤول عن نشر وثائق وكالة الأمن القومي المسربة من إدوارد سنودن، ورئيسة الوزراء الدنماركية السابقة هيلي ثورنينغ شميت الرئيسة السابقة لمنظمة "سايف ذا تشيلدرين" غير الحكومية.

من المنتظر أن يرتفع عدد أعضاء المجلس إلى 40 بمرور الوقت، وفق شركة فيسبوك التي أكدت أن "هؤلاء ستكون لديهم خبرة مهمة في عدة مجالات أساسية، لا سيما في حرية التعبير والحقوق الرقمية والحرية الدينية واعتدال المضمون وحقوق المؤلف الرقمية أو حتى السلامة الإلكترونية والرقابة على الإنترنت والشفافية".

مهام المجلس

الغرض من هذا المجلس الذي سيبت بالمستقبل في المضمون الخلافي على موقع التواصل الاجتماعي، وسيكون بمثابة محكمة عليا، وفق المدير التنفيذي لشركة فيسبوك مارك زوكربيرغ "التمسك بمبدأ إعطاء الناس صوت مع الحفاظ على سلامتهم.

وتتمثل مهمة مجلس الرقابة الأساسية في الإشراف على المحتوى المنشور على أكبر منصات التواصل الاجتماعي، وذلك وفقًا لمعايير حقوق الإنسان والمواثيق الدولية لحرية الرأي والتعبير ووفق معايير فيسبوك.

وسيكون من مهام هذا المجلس أيضًا النظر في المحتوى الذي يعتبره أصحابه حُذِف بالخطأ، كما سينظر أيضًا في طعون المستخدمين الذين يرغبون في أن يحذف فيسبوك بعض المشاركات، وسينظر المجلس كذلك في المحتوى الذي يحيله مباشرة فيسبوك، وسيكون قادرًا على إعطاء توصيات متعلقة بالسياسات المتبعة بناء على القرارات التي يتخذها.

قال المجلس: "القضايا التي سننظر فيها قد تكون مثيرة للجدل، ولن نُرْضِي أي أحد بقراراتنا. مستخدمو فيسبوك وإنستغرام يأتون من مختلف مناطق العالم، ولهذا يهم السياق الاجتماعي أو الثقافي الذي يتم من خلاله نشر المحتوى. نتوقع نقاشًا ساخنًا بين الأعضاء".

ومن المنتظر أن يركز المجلس الجديد على الحالات التي تؤثر في أعداد كبيرة من المستخدمين، وتلك الحالات التي تؤثر في الخطاب العام أو تثير أسئلة خاصة بشأن سياسة فيسبوك، كما يمكن للمجلس إلغاء قرارات الشركة ورئيسها التنفيذي مارك زوكربيرغ بخصوص حجب أنواع من المحتوى على فيسبوك وإنستغرام.

مجلس الرقابة الذي سيعمل بشكل مستقل عن شركة فيسبوك، سيركز في عمله على جملة من القضايا الصعبة من ضمنها خطاب الكراهية والعنف والإرهاب والعنصرية والتحرش وسلامة الأشخاص، وستكون قراراته ملزمة لفيسبوك.

استهداف لكرمان وفيسبوك

أهمية هذا المجلس والعمل الموكول إليه، جعلت الحملة ضد توكل كرمان من مستخدمين ينتمون للدول العربية المشاركة في حرب اليمن شديدة، حيث تعالت أصوات المنادين بالتراجع عن قرار اختيار كرمان، فضلًا عن مقاطعة الموقع عقابًا للشركة على هذا القرار.

ففي السعودية ظهر وسم "#لا_للفيسبوك_بالمملكة" كحملة من حسابات سعودية على تويتر دعت مستخدمي فيسبوك في المملكة إلى تعطيل حساباتهم على موقع التواصل، وأرجع المغردون هذه الحملة إلى ما وصفوه معاداة الناشطة اليمنية الحائزة على جائزة نوبل للسلام للسعودية والتحريض عليها والانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين.

كما تداول العديد من المستخدمين وسم #نرفض_توكل_كرمان، مرفقًا برابط عريضة على موقع Change، وصلت إلى نحو 43 ألف موقع (إلى حدود صباح اليوم الأربعاء)، وأنشأ العريضة المحامي المصري إسلام عباس، وتقول العريضة "نحن ضد تعيين توكل كرمان في مجلس فيسبوك بما أن هناك روابط واضحة بينها وبين إرهاب الإخوان المسلمين".

إلى جانب ذلك، دشن آخرون وسم #حذف_الفيسبوك_بسبب_توكل_كرمان، ونشر العديد منهم صور حسابات على فيسبوك بعد إغلاقها، وأرجعوا سبب إغلاق هذا الموقع وحذف اشتراكاتهم فيه إلى اختيار توكل كرمان ضمن مجلس حكماء الشركة.

الهجمة على توكل كرمان لم تتوقف على منصات التواصل الاجتماعي فقط، بل وصلت الصحف السعودية والمصرية والإماراتية والبحرينية، حيث كتب الصحفي السعودي عبده خال في صحيفة "عكاظ": "لا يمكنني تفهم اختيار كرمان إلا أن يكون جائزة للدور الذي قامت به جماعة الإخوان في ركوب الثورات العربية وتحويرها عن مقاصدها".

سبق أن فككت شركة فيسبوك شبكات مرتبطة بحكومة هذه الدول، تدير حسابات وصفحات مزيفة على منصتها، للترويج والدعاية لها

بدوره كتب عبد المنعم إبراهيم رئيس تحرير صحيفة أخبار الخليج البحرينية: "اختيار توكل كرمان في مجلس خاص بالمحتوى في فيسبوك سوف يضر بسمعة وشفافية الشبكة العالمية، ويجعلها تنخرطُ في لعبة استخبارات دولية في صناعة القفازات أو القيادات الوهمية والعبث بأمن واستقرار الشعوب والدول".

من جهتها، شنت الإعلامية المصرية بسمة وهبة خلال برنامج "كل يوم" المذاع على شاشة "إكسترا نيوز"، هجومًا حادًا على توكل كرمان، قائلة: "هذا الأمر أصاب العالم العربي بالقلق، خاصة أنها داعمة للإرهاب والميلشيات المسلحة، ذراع الإخوان ومحرضة على العنف، وربما يتم استخدامها لأغراض مشبوهة.. توكل كرمان وش خراب وفوضى".

الخشية من عمل المجلس

في رد غير مباشر على منتقديها قالت الناشطة اليمنية توكل كرمان عبر حسابها الموثق بتويتر: "المعاول لا تهد مناكبي، والنار لا تأتي على أعضائي"، واتهمت كرمان في تدوينة أخرى ما أسمته "الإعلام السعودي الموجه" بالتنمر والتحريض عليها.

وسبق أن عبرت كرمان عن سعادتها بالانضمام إلى مجلس الإشراف العالمي لمحتوى فيسبوك، معتبرة أن احتكار الحكومات لوسائل الإعلام والمعلومات لم يعد ممكنًا بفضل منصات التواصل الاجتماعي، وأضافت: "أنا في مجلس الإشراف العالمي على فيسبوك وإنتسغرام للمساهمة في حماية وتمكين أصوات الناس والدفاع عن حرية التعبير".

وأرجعت الناشطة اليمنية الحملات التي تستهدفها إلى مواقفها المعارضة لسياسة تلك الدول وانتقادها لسجلها السيئ في حقوق الإنسان، وقالت توكل كرمان في حديث للجزيرة: "أتعامل بشكل إيجابي مع وجهات النظر الأخرى، وأعتبر الحملات صادرة من ذباب إلكتروني وتقوم بها حسابات مزيفة وممولة، وأعضاء المجلس يتوقعون هذه الأفعال".

تعتبر توكل كرمان، تدخل السعودية والإمارات في اليمن "احتلالًا"، وتقود السعودية والإمارات، منذ 2015، تحالفًا عربيًا ينفذ عمليات عسكرية في اليمن، دعمًا للقوات الموالية للحكومة، في مواجهة الحوثيين المدعومين من إيران، المسيطرين على محافظات بينها العاصمة صنعاء منذ 2014.

ويخشى العديد من السعوديين والمصريين والإماراتيين والبحرينيين أن يتأثر نشاطهم في مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة وقد اتخذت حكوماتهم هذا الموقع الاجتماعي عبر لجان الذباب الإلكتروني لبث خطاب الكراهية وبروباغندا الثورات المضادة المعادية للتحرر والربيع العربي.

سبق أن فككت شركة فيسبوك شبكات مرتبطة بحكومة هذه الدول، تدير حسابات وصفحات مزيفة على منصتها، للترويج والدعاية لها ومهاجمة الخصوم في المنطقة، وذلك ضمن جهود مستمرة لمحاربة "السلوك المزيف المنسق" على منصتها.

كثيرًا ما تلجأ هذه الدول الأربعة إلى مواقع مثل فيسبوك وتويتر ويوتيوب لشن حملات سرية للتأثير السياسي عبر الإنترنت، ونشر معلومات مضللة تخص بعض المواضيع لنشر البلبلة والتشويش بين شعوب المنطقة، لكن من غير الواضح حتى الآن حجم التأثير الذي يمكن أن يلعبه "مجلس الإشراف على المحتوى" في الحد من تلك الظواهر.