اشتغلت الديكتاتوريات العربية مثل غيرها من الأنظمة القمعية المعادية للديمقراطية على صناعة الزعامات وتحويلها إلى أيقونات تقطن خارج كل نقد ومراجعة، وكانت كل أدبيات الفكر السياسي الديمقراطي تفضح هذه العملية السياسية التي تبحث عن سند فكري وتصطنع خاصة في منطقة الثقافة الإسلامية حججًا روحية ومبررات دينية كثيرة من قبيل (لقب خادم الحرمين أو حامي حمى الدين أو أمير المؤمنين أو الانتساب إلى آل البيت والأشراف القرشيين، إلخ)، وكانت مطالب الديمقراطية هي كسر الأوثان وإنهاء التوثين كآلية تفكير وتصنيع أوهام سياسية فوق واقعية. 

منح الربيع العربي لشباب عربي كثير ولد ونشأ تحت الديكتاتوريات فرصةً ليتحرر من التفكير في الوثن، ولكن نلاحظ من خلال الحالة التونسية خاصة أن التوثين يعود كآلية تفكير (أول لعله لم يختف إلا قليلًا) ويصطنع الموثّنون الجدد أوثانًا جديدةً طبقًا لنفس آليات التفكير التي صنعتها الديكتاتوريات وغرستها في أذهان النخب والأفراد عبر مسارات ملتوية.

الرئيس يحول إلى إله صغير

لا نظن أن الأمر خطط له مسبقًا ولكن ما يجري الآن هو محاولة تحويل رئيس الدولة إلى إله صغير غير قابل للمجادلة في أي موضوع يتطرق إليه، ويوشك البعض أن يراه معصومًا من الزلل، بينما يشتغل آخرون ومنهم شقيق الرئيس مفسرين لأقواله التي هي جملة واحدة ملغزة محتواها تغيير النظام، لكنها جملة بلا خبر، ففي أي اتجاه يمكن تغيير النظام، هنا ينفتح التأويل ويكثر المؤولون وليستقيم لهم القول يصبح صاحبه فوق النقد ويدخلون في مرحلة التوثين بصناعة قائل مقدس ربما يقربونه إلى نبي مرسل.

وهي نفس عمليات التوثين التي دأب عليها أنصار بن علي ومن صفاته (الحكيم الأب حامي حمى الوطن والدين والطفولة والمرأة والأرض والزيتون، إلخ) وهي ألقاب بعضها مستعار من سلفه بورقيبة وقد تنافسا الرجلان على قضية المرأة حتى وضع الثاني قوانين مخالفة للدستور من أجل الفوز بلقب محرر المرأة.

هل يتابع الرئيس ما يكتب عنه وما يشرح على لسانه أم أنه في غيبوبة عن نبض الشارع؟ إن جمود خطابه يذكر بجمود جُمَل الشامان في قبيلة بدائية، حيث يردد دومًا جملةً واحدةً ويذهب المريدون في تأويلها مذاهب شتى تنتهي بمصالحهم وحفظ مكانة الشامان المقدسة، وحده الشامان يتصل بأرواح الأجداد ويأتي بالخبر اليقين ويرفع نسب الرضا عن الأحوال، فيرتقي في درجات الوثنية. 

لم يفلح أنصار الباجي قائد السبسي في توثينه رغم المحاولة، ويجب الإقرار أنه كان خارج منطق التوثين وقدم صورة السياسي المنتخب العارف بحدود سلطته ومصادر خطابه ومشروعية دوره، وقبل الباجي قاوم الرئيس المرزوقي بكل شراسة هذا الاتجاه في التفكير لدى أنصاره ولدى الشعب فقدم صورة الرئيس القريب من الناس البسيط المتعاون الشفوق ورفض كل مظاهر وبرتوكولات الزعامة الكاذبة، لكن خلف من بعدهما خلف لا يبدو على نفس الموجة وإن استشهد بأفعال عمر بن الخطاب.

خطاب التوثين يسير عكس اتجاه الديمقراطية، بما هي آلية نقدية أولًا منها ينطلق كل مراجع لمقدسات غير مقدسة مثل الزعامة السياسية

النقابة منطقة مقدسة 

توثين الرئيس ليس جديدًا بل تنويعًا على مقام، ففي تونس توجد منطقة نفوذ خاصة هي النقابة (الاتحاد العام التونسي للشغل) استولت تيارات سياسية على المنظمة أو منحت لها زمن بن علي لتكون واسطة رشوة سياسية نظير إسكات أصوات الشغالين، تقبض القيادات منافعها من بن علي وتتظاهر بالاحتجاج عليه والتفاوض معه على زيادات الأجور الدورية ولكن الواقع خلاف ذلك، فكل ما قرر اجتماعيًا زمن بن علي كان بأمر مباشر منه ولا تفعل النقابة إلا التمويه السياسي على طبقة الشغيلة.

كشفت الثورة هذا الدور القذر للنقابيين وبدأ الحديث عن المحاسبة، فاستحضر النقابيون صورة حشاد المؤسس وقالوا إن النقابة خط أحمر لا يمكن الاقتراب منه، فالنقابة منزهة عن العيب فهي مقدسة إذن، وكل من يقترب منها كافر بحشاد وبالنضال العمالي ويشتغل على تفكيك المؤسسة العمومية وبيعها للاستعمار، وهو الخطاب الذي عاد هذه الأيام بقوة وعقدت له الاجتماعات الكبرى بعد أن أفلح مواطن (نائب سابق) في الحصول على وثائق تدين نقابيين في الفساد داخل مؤسسة وطنية (شركة الطيران).

في مواجهة من يحارب الفساد تقدم النقابة خطاب تقديس النقابي (المدرب داخل معبد النقابة)، فالنقابي لا يسرق ولا يبتز ولا يعتدي رغم الوثائق المثبتة التي هي الآن على مكاتب القضاة، لذلك تتحول المواجهة تقريبًا من نزاع قانوني وقضائي إلى نزاع كفر وإيمان أو وطنية وخيانة، إنه مسار التوثين نفسه الذي يحاط به الرئيس ولو وسعنا زاوية النظر سنجد مظاهر التوثين تتسع إلى حد أنها تصير الآلية الوحيدة المهيمنة، فزعماء الأحزاب مقدسون وأقوالهم بمنزلة وحي.

والنتيجة؟ أحزاب ضعيفة وخطاب تكفيري وعقل نقدي جامد في كل الواجهات يبرر كل المظالم وكل التجاوزات ويسمح بتأجيل الديمقراطية في بلد ثائر.

الديمقراطية مزعجة 

خطاب التوثين يسير على عكس اتجاه الديمقراطية، بما هي آلية نقدية أولًا منها ينطلق كل مراجع لمقدسات غير مقدسة مثل الزعامة السياسية أو ادعاءات النضال ضد الديكتاتورية (كما هو الحال في نقابة تونس)، ونستشعر من تفشي خطاب التوثين عند نخب تونسية كثيرة موجودة في كل الأحزاب وفي كل المنظمات النقابية وغيرها أن الاستعداد للديمقراطية لا يزال ضعيفًا بل ربما أدى الخوف من الديمقراطية إلى إنتاج خطاب مضاد لها يتغطى بغلافها ويعمل على تخريبها من الداخل، فهي تحرم كل ذي امتياز من امتيازاته خاصة ما حصل منها دون وجه حق أو قانون مثل مقاسم الأرض العمرانية التي منحها بن علي رشوة لنقابيين، ففضحت الثورة أمرهم وإن لم تعد المقاسم للشعب التونسي بعد، فهؤلاء الأنبياء المزيفون لا يزالون يحكمون مواقع كثيرة تسمح لفسادهم بالتفشي كما تسمح لخطابهم بالهيمنة.

صار يقينًا أن النهاية الحزينة لبورقيبة كانت بالأساس نتيجة لفعل التوثين الذي أحاطه به أنصاره المقربون حتى أودوا به إلى الخزي

فضلًا عن ذلك فإن توثين الزعماء أعاق كل ديمقراطية داخل هذه الأحزاب وقد تفجرت الجبهة الشعبية اليسارية نتيجة تمسك شخص واحد بموقع القائد الواحد ونراقب من قريب معركة حزب النهضة مع قائده المؤسس الذي لم يبد أي علامات تنازل عن السلطة ويروج أنصاره فكرة انهيار الحزب واندثاره إذا غادره الرجل المؤسس وهي لعمري فكرة توثن اللحظة والماضي والمستقبل، إذ تربطه بإرادة فرد. 

لقد صار يقينًا أن النهاية الحزينة لبورقيبة كانت بالأساس نتيجة لفعل التوثين الذي أحاطه به أنصاره المقربون حتى أودوا به إلى الخزي ونحن نشاهد الآن إعادة توثين صورته وذكراه في سياق ديمقراطي معاد لكل توثين فكري بما يزيد في إرهاق ذكراه وصورته ومنجزه إن كان له فعلًا منجز فردي ينسب له خاصة دون رجال الدولة الذين بنوها بصمت ولم ينلهم من الشكر إلا المذمة.

لذلك نكتب من داخل الديمقراطية لحمياتها من كل توثين، فالنخب التي تنتج هذا القدر من تقديس زعمائها وأفكارها وترفض كل مراجعة نراها لا تزال بعيدة عن حديث الديمقراطية بما هي نقد جذري لكل فعل بشري لا يوحى إليه وإنما يجتهد ويصيب بل يخطئ أكثر مما يصيب.