بداية انهيار المشروع الإماراتي في المنطقة

بداية انهيار المشروع الإماراتي في المنطقة

المتابع للإعلام الإماراتي هذه الأيام يقول إن الانقلاب على مؤسسات الدولة الشرعية في تونس قادم لا محالة، تجييش وحشد واتهامات في انتظار الجلسة الموعودة لمساءلة رئيس البرلمان راشد الغنوشي ومحاولات لاستغلال الفرصة لسحب الثقة منه.

بدأت الجلسة صباح أمس الأربعاء، واستمرت إلى وقت متأخر من الليل، استغلها مريدو حكام الإمارات لكيل التهم لحركة النهضة الإسلامية وزعيمها فضلًا عن قطر وتركيا في انتظار أن يتحقق مبتغاهم وتمر اللائحة لكن خسروا رهانهم مجددًا.

فشل حلفاء الإمارات في فرض أجندتهم

قدمت عبير موسي في البداية لائحة لرفض التدخل التركي في ليبيا ومساءلة رئيس البرلمان راشد الغنوشي على ضوء مواقفه المساندة للشرعية الدولية هناك، واتصاله برئيس حكومة الوفاق الليبية فايز السراج بعد استعادة قاعدة الوطية من قوات حفتر.

عرفت رئيسة الدستوري الحر أن اللائحة بهذه الشاكلة لن تمر، وفي مناورة منها، حذفت منها إدانتها لدولة تركيا، لكنها تعمدت تضمين ما ورد في النقطة الأولى من قرار البرلمان العربي الصادر في القاهرة في 15 من يناير/كانون الثاني الماضي، الذي يدين ما يصفه بالتدخل التركي في ليبيا مقابل صمته عن باقي التدخلات الأجنبية في اللائحة المعدلة.

عرض هذه اللائحة، جاء بالتزامن مع تتالي خسائر ميليشيات اللواء المتقاعد خليفة حفتر والمرتزقة العاملين معه في ليبيا

حصل عكس ما توقعته كتلة الحزب الدستوري الحر، سليل حزب التجمع المنحل، فأسقط البرلمان التونسي مشروع اللائحة، بعد رفض غالبية الكتل البرلمانية ما جاء في مضمونها واصطفافها مع دول على حساب دول أخرى في الشقيقة ليبيا.

بسقوط اللائحة الأولى والثانية، وعدم الذهاب إلى سحب الثقة من رئيس البرلمان راشد الغنوشي أو حتى عرض هذه النقطة على  جدول أعمال مجلس نواب الشعب التونسي، فشل حلفاء الإمارات في فرض أجندتها بالبرلمان التونسي.

اصطفاف مع المحور الإماراتي

يقول معارضو اللائحة، إن عبير موسي عبرت عن اصطفاف مفضوح ومعيب مع دول أجنبية في ليبيا، بعد اكتفائها بإدانة دول بعينها مقابل سكوتها عن دول أخرى، وهو ما يتماشى مع الرؤية الإماراتية في هذه المسألة.

ووصف النائب عن كتلة ائتلاف الكرامة عبد اللطيف العلوي اللائحة بالمخاتلة والمخادعة، واعتبر أن الأطراف التي تطالب بعدم الاصطفاف ''مصطفون إلى حد النخاع'' وغير محايدين على الإطلاق وموالون لحفتر ولمحور عربي إقليمي يضرب الثورة التونسية، حسب قوله.

بدوره وصف الناشط السياسي التونسي سامي براهم اللائحة التي قدمتها عبير موسي بـ"لائحة الإمارات تحت قبة البرلمان التونسي"، وأوضح براهم أن اللائحة تخدم طرفًا بعينه بالوكالة عنه ولا تخدم ليبيا والسلم هناك، فهي تكرس الاصطفاف ضمن محور بعينه والتغطية عليه والتواطؤ معه بالصمت حيال ما ارتكبه من تدخل عسكري مباشر في ليبيا.

اتهم براهم من صاغ هذه اللائحة ومن عرضوها في البرلمان التونسي ومن صوت عليها بخدمة دول إقليمية لها مشروع تخريبي في دول المنطقة خاصة تلك التي تشهد انتقالًا ديمقراطيًا، وفرض تونس في خندق إقليمي بما يشكل خطرًا على السيادة الوطنية وتحريفًا للدبلوماسية التونسية العريقة عن توجهاتها وتقاليدها.

بدوره اعتبر النائب عن كتلة النهضة عماد الخميري في كلمة له بالبرلمان أن "الجهة التي صدرت عنها اللائحة لا تمثل الدبلوماسية التونسية"، ولفت الخميري إلى أن "إدراج بعض الدول دون غيرها في نص اللائحة هو مساس بآلاف التونسيين ومساس بالأمن الوطني"، وشدد على أن "اللائحة تمس علاقات تونس مع بعض الدول".

وكان رئيس البرلمان التونسي راشد الغنوشي، قد اعتبر أن الحياد السلبي تجاه الوضع الليبي لا معنى له، حيث قال في كلمة له في البرلمان: "أمام ما يجري في ليبيا، لا يمكن لدول الجوار أن تعيش اللامبالاة، فإذا كان هناك حريق لدى جارك لا يمكنك أن تكون محايدًا، فالواجب والضرورة يقتضيان أن تساهم في إطفاء الحريق، ولذلك فإن الحياد السلبي لا معنى له".

فشل في حفظ ماء وجه الحلف الإماراتي

عرض هذه اللائحة، جاء بالتزامن مع تتالي خسائر ميليشيات اللواء المتقاعد خليفة حفتر والمرتزقة العاملين معه في ليبيا، ومن ورائهم الدول الأجنبية المساندة لهم بالمال والسلاح والإعلام والجهود الدبلوماسية.

وأعلنت القوات الحكومية، اليوم الخميس، تحرير طرابلس بالكامل والدخول إلى منطقة "فم ملغة" الواقعة داخل الحدود الإدارية لمدينة ترهونة (90 كيلومترًا جنوب شرق طرابلس)، وقد تم رصد انسحاب آليات مليشيات الانقلابي خليفة حفتر من ترهونة، متجهة نحو مدينة بني وليد (180 كيلومترًا جنوب شرق طرابلس).

ومنذ إطلاقها عملية "عاصفة السلام"، في 25 من مارس/آذار الماضي، تمكنت القوات الحكومية من تحرير كامل مدن الساحل الغربي، وقاعدة الوطية الجوية وبلدتين بالجبل الغربي وجميع معسكرات طرابلس ومطارها القديم ومعظم محاور القتال جنوبي العاصمة.

أرادت الإمارات وحلفاؤها في الداخل التونسي، تسجيل نقطة في مرمى المنافس، فخسارة جديدة تعني بداية انهيار مشروعهم في المنطقة، فبدأت حليفتهم الأبرز عبير موسي بترذيل العمل البرلماني وتعطيل جلسات مجلس نواب الشعب والترويج لصورة سيئة للسلطة الأبرز في البلاد.

خسارة حليفهم في ليبيا حتم عليهم تسريع الخطوات في تونس لكسب بعض الوقت، وما اللائحة المقدمة لإدانة ما سمي بالتدخل التركي في ليبيا إلا إحدى النقاط في خطتهم، فقد أرادت موسي بتقديم هذه اللائحة في البرلمان التونسي حفظ ماء وجه الحلف الإماراتي في ليبيا.

رغم ما قدمته من دعم سخي لحلفائها خسرت الإمارات الرهان، فشعوب البلدين ترفض أي تدخل أجنبي في دولهم

روجت عبير موسي للائحة كثيرًا وساعدها في ذلك الإعلام الإماراتي، لكنها فشلت في تمريرها في البرلمان، وتزامن فشلها هذا مع فشل مماثل للداعين إلى اعتصام الرحيل 2 قصد تنحي رئيس البرلمان وإسقاط المؤسسة، فرغم التجييش الإعلامي والتحشيد عبر مواقع التواصل الاجتماعي لأكثر من أسبوعين، فشل المحامي المعزول والناشط السياسي عماد بن حليمة في جمع بعض العشرات أمام البرلمان لبداية اعتصامه.

وتتهم عبير موسى بالاصطفاف الأعمى للحلف الإماراتي في المنطقة، وخدمة مشروع الإماراتيين التخريبي في تونس، ويأتي اختيارها لهذه المهمة، لما عُرفت به هذه المرأة التي كانت تشغل منصب أمين عام مساعد لحزب التجمع المنحل (حزب بن علي) قبل الثورة، فهي ضد الثورة وضد كل مخرجاتها، حتى إن مشروعها السياسي هو مواصلة للمرحلة التجمعية النوفمبرية التي تعتز وتتباهى بها.

وسبق أن كشفنا في تقرير لنون بوست، وجود عبير موسى ضمن الذراع السياسي لشبكة مصالح إماراتية في تونس تعمل على إفشال الانتقال الديمقراطي الذي تشهده البلاد منذ سقوط نظام بن علي في يناير 2011، ومصادرة القرار السيادي التونسي.

بداية سقوط المشروع الإماراتي في المنطقة

خسارتهم الأولى في ليبيا ثم الآن في تونس، تضع الإماراتيين في مأزق كبير، فجميع أحلامهم تبخرت ومخططاتهم باءت بالفشل، ما يعني وفق العديد من المتابعين بداية سقوط المشروع الإماراتي التخريبي في المنطقة العربية خاصة في شمال إفريقيا.

راهنت الإمارات على حلفائها في كل من ليبيا وتونس، وأمدت من في ليبيا بالمال والسلاح رغم الحظر الأممي، ومن في تونس بالمال وسخرت دكاكينها الإعلامية للترويج لهؤلاء الحلفاء في ظل رفض الشارع الليبي والتونسي لهم لما يشكلونه من خطر على بلديهما.

رغم ما قدمته من دعم سخي لحلفائها خسرت الإمارات الرهان، فشعوب البلدين ترفض أي تدخل أجنبي في دولهم، خاصة إن كان من دولة معروف عنها عدائها للثورات العربية وسعيها المتواصل منذ يناير/كانون الثاني 2011 لانتهاك سيادة الدول والوقوف في وجه محاولات الشعوب التحرر من الطغيان والاستبداد.