اختلف وقع أزمة فيروس كورونا المستجد على الأفراد والعائلات بحسب وضعهم المالي قبل ظهور الجائحة، فهناك من رفع راية الإفلاس بعد أسابيع قليلة من إعلان حكومات العالم إجراءات العزل والإغلاق العام التي على إثرها اضطرت الكثير من الشركات إلى تسريح ملايين الموظفين، وهناك في المقابل من أظهر تماسكًا وقدرةً مالية على مواجهة الأزمة حتى بعد أن خسر مصدر رزقه.

وما يزيد الموضوع حيرةً أن الأخير استجاب مع الأزمة بشكل أفضل من الأول رغم أن دخله الشهري قد يكون أقل من نظيره، وقد يرجع البعض ذلك إلى حسن التدبير والتخطيط، وهو بالتأكيد عامل مهم، ولكن قلة من الناس ملتزمون بخطة مالية، إذن ما السبب؟

لماذا تختلف طريقة تعاملنا مع الأموال عن غيرنا؟

يدور الموضوع بشكل أساسي حول نمط المعيشة الذي يتشكل على مر الزمن بفعل عدة عوامل، أبرزها البيئة التي ينشأ فيها الفرد والعادات المالية التي يرثها في البداية من والدايه ثم محيطه الخارجي وما يشمله من أقارب وأصدقاء وزملاء عمل، إضافة إلى تأثير وسائل الإعلام، مكونةً هويته المالية التي يتعامل على إثرها مع المال بأساليب ومنهجيات معينة.

p

إذ تملك كل أسرة فلسفة مالية خاصة بها، نابعة من تجارب سابقة، فقد يكون الأب الذي خسر مبلغًا كبيرًا من المال بسبب تأسيسه مشروع خاص، خلق نزعة لدى أبنائه بالابتعاد عن الاستثمارات الخاصة والتوجه نحو الوظائف التقليدية.

وبناءً على تلك التجارب، باختلاف أشكالها وأنواعها، تقول روين فيستمان، أستاذة الاقتصاد بجامعة ستوكهولم: "إذا سألت الأطفال عن مواقفهم تجاه الديون، فأنت تسأل عن مواقف والديهم"، وتضيف أن إحدى الدراسات التي شاركت فيها ونشرها المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية وجدت أن موقف الآباء تجاه الديون يمكن أن يؤثر بشكل كبير على كيفية تفكير الأطفال في اقتراض المال واعتباره أحد خياراتهم كبالغين.

إذ يميل الآباء الذين يقلقون بشأن الديون أو لا يشعرون بالراحة حيالها إلى تنشئة أطفال لهم آراء ومواقف حذرة مماثلة لآبائهم، وعلى النقيض من ذلك، الأطفال الذين ينشأون في منازل أكثر ارتياحًا للدين وأكثر انفتاحًا على فكرة الاقتراض. ونظرًا لهذه المعطيات، يمكننا فهم كيف تمكن بعض الذين فقدوا وظائفهم جراء الأزمة من الحفاظ على مستوى معيشة معقول دون ديون طوال الأشهر الماضية.

ومما لا شك فيه أن مستوى الدخل السابق لهؤلاء يلعب دورًا أساسيًا في تمكين قدراتهم المالية ولكنه لا يؤثر على أسلوب تعاملهم مع المال، وعليه فقد يكون من كان يتقاضى مبلغ ألفين دولار في وضع أصعب ممن كان يتقاضى خمسمئة دولار، وكل ذلك يعزى للفروقات بين أساليب التنشئة التي أثرت بدورها مباشرة على نمطي معيشتهما.

عندما قضى الملايين من الناس الشهور الماضية القليلة في منازلهم، اختلف روتينهم اليومي وتغيرت عاداتهم مع هذا التغير

نعم، قد يبدو ذلك محيرًا بمقدار شعورك بالاستهجان عندما ترى أن صديقًا لك اشترى مؤخرًا منزلًا جديدًا وأنت تعلم تمامًا أن دخلك الشهري ضعف دخله، ومع ذلك فأنت حتى اللحظة لا تستطيع التفكير أصلًا بتملك أي عقار لأن وضعك المادي لا يسمح بذلك! الآن بت تدرك السبب.

هل يمكن تغيير عاداتنا المالية؟

عندما قضى الملايين من الناس الشهور الماضية القليلة في منازلهم، اختلف روتينهم اليومي وتغيرت عاداتهم مع هذا التغير، حيث أصبح المنزل مساحة متعددة الاستخدام لمعظم أنشطتنا الاعتيادية التي كنا نمارس جزءًا كبيرًا منها في الخارج، وينطوي على ذلك العمل والأكل وممارسة الرياضة والعناية التجميلية والأنشطة الترفيهية. 

منحتنا هذه التجربة الفرصة للنظر إلى شؤوننا المالية من زاوية مختلفة، إذ لاحظنا الفرق الشاسع بين مصروفاتنا قبل بدء الحجر وبعده، فبحسب استطلاع رأي نشره موقع "فيرست إنسايت" قبل شهرين تقريبًا، قال أكثر من نصف الأشخاص من جيل الألفية الذين شملهم الاستطلاع (54%) إن فيروس كورونا المستجد أثر على قراراتهم الشرائية ودفع 40% منهم إلى خفض الإنفاق.

u

ولو افترضنا أنك من الذين يتابعون ويسجلون مصروفاتهم بشكل شهري، لكنت وجدت أن بعض البنود الموجودة في موازنتك أو قائمة مصروفاتك الشهرية تحولت لقيمة صفر بعد أن كانت تلتهم حصة أساسية من دخلك الشهري، والسؤال هنا: أين تبخرت هذه المصروفات؟ ألم يكن ممكنًا استثنائها من قبل؟

حان الوقت لتشكيل عادات مالية جديدة أكثر وعيًا ومراجعة العوامل التي تؤثر على قراراتك وسلوكياتك الاستهلاكية والمالية

فمن الواضح، أن الكثير من المشتريات والسلع التي كنا نعتقد أنها أساسية في حياتنا ليست أساسية إلى ذلك الحد الذي كنا نعتقده، والدليل أننا استطعنا الاستغناء عنها بشكل تام أو تخفيض إنفاقنا عليها، وعلى سبيل المثال يمكنك أخذ بند الأكل خارج المنزل الذي انعدم عند الكثير من الناس الذين استبدلوه بالطهي في المنزل، وهنا سأترك لك مهمة تقييم المقدار الذي تقلصت به مصروفاتك من باقي البنود. 

وسأذهب إلى النقطة الجوهرية وهي أن الكثيرين منا اكتشفوا أيضًا أننا قادرون على التأقلم والتخلي عن الكثير من السلع والعادات الشرائية الملاصقة لنا لسنوات، وهنا يكمن مربط الفرس الذي منه يمكن أن تحقق الاستفادة من تجربتك الإجبارية مع الحظر، فعلى الرغم من كل المخاوف والصعوبات التي مر بها العالم، فإنه يمكن اعتبارها فرصة للتعلم وللاستفادة من أخطاء الماضي، فلا شك أن الكثير من معتقداتنا وسلوكياتنا المالية التقطناها في سن مبكرة، غير أن ذلك لا يعني أننا لا نستطيع تغيير الخاطئ منها الآن.

حان الوقت لتشكيل عادات مالية جديدة أكثر وعيًا ومراجعة العوامل التي تؤثر على قراراتك وسلوكياتك الاستهلاكية والمالية لأنك تعرف أفضل من أي وقت مضى أن لا أحد محصن من تقلبات الظروف والحالات الطارئة التي قد تدق بابك في أي وقت من الأوقات.