إحدى المقابر الجماعية التي تم اكتشافها

إحدى المقابر الجماعية التي تم اكتشافها

في حربه ضد العاصمة طرابلس مقر الحكومة الشرعية، استعمل اللواء المتقاعد خليفة حفتر قنابل عنقودية محظورة دوليًا، قتل المدنيين الليبيين والمهاجرين غير النظاميين، نكل بالجثث ودمر البنية التحتية للمدينة، سرق ثروات البلاد وأعطى مفاتيح ليبيا إلى مرتزقة يتعطشون إلى الدم.

لم يكتف حفتر بهذا، فما إن استعادت قوات الوفاق الشرعية، قبضتها على مدن وبلدات الغرب الليبي، حتى بدأت جرائم أخرى لحفتر ومرتزقته تظهر للعيان، ألغام ومتفجرات في المنازل والطرقات وفي الجثث أيضًا، اختطاف للنساء ومقابر جماعية أغلبها في مدينة ترهونة.

جرائم جديدة بحق الليبيين تضاف إلى سجله الدموي الذي تراكمت فيه جرائم الحرب، ومن شأنها أن تعري حفتر أمام المجتمع الدولي وتكشف حجم وحشيته، فلا هم له إلا سفك الدماء وتدمير الديار.

11 مقبرة جماعية

ما إن استعادت قوات حكومة الوفاق المعترف بها من الأمم المتحدة مدينة ترهونة، الواقعة على بعد 90 كيلومترًا جنوب شرق طرابلس، من قبضة قوات حفتر، حتى تم كشف وجود مقابر جماعية في المدينة، تسببت فيها قوات حفتر قبل مغادرتها المدينة.

قوات الوفاق، أعلنت أمس الجمعة، العثور على 3 مقابر جماعية جديدة في منطقتي "المشروع الزراعي" بترهونة، و"سوق الخميس إمسيحل العوتة"، القريبة من المدينة، وتضاف المقابر الثلاثة الجديدة، إلى 8 أخرى عثر عليها الجيش بترهونة خلال الأيام القليلة الماضية، في مناطق كانت تسيطر عليها مليشيا الجنرال الانقلابي خليفة حفتر.

جرائم حفتر لم تقتصر على ترهونة وطرابلس، فكل منطقة تطئها أقدام ميليشياته الدموية لها قصة مع هذه الجرائم

بالتزامن مع ذلك نشرت الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين (هيئة حكومية)، على حسابها بفيسبوك، صورًا لانتشال جثث قالت إنها كانت مدفونة في مقبرة جماعية بإحدى المزارع، وأكدت الهيئة انتشال عشر جثث رغم اكتشاف "العبث" بها، متابعة أنها "تُقدّر حرقة الناس على أبنائهم المفقودين، لكن عليهم مساعدة المختصين، بدل محاولة استخراج الجثث بنفسهم".

وكانت اللجنة المكلفة من وزارة العدل التابعة لحكومة الوفاق الشرعية، قد وضعت علامات تحذير من الاقتراب من تلك المقابر وأغلقتها، تمهيدًا لاستخراج الجثامين وفق الأسس المتعارف عليها، وتعود أغلب الجثث إلى أهالي المدينة المعارضين لحرب حفتر على طرابلس.

قوات الوفاق، كشفت عن مجموعة جثث محروقة وموضوعة داخل حاوية حديدية محاطة بالدماء في منطقة قصر بن غشير التي كانت تسيطر عليها قوات حفتر، كما كشفت عن خمسة جثامين متحللة من بئر ماء بمنطقة "العواتة" الواقعة بين ترهونة وسوق الخميس إمسيحل.

فضلًا عن ذلك عرضت قوات "بركان الغضب" مقاطع فيديو تظهر أكثر من مئة جثة عثر عليها في مستشفى المدينة، بالإضافة لجثة كانت ملقاة في خزان مياه أرضي، وأخرى متحللة عثر عليها داخل سيارة في منطقة الساعدية جنوب طرابلس.

من جهتها أكدت وزارة الداخلية في حكومة الوفاق أنها تُواصل البحث عن المقابر الجماعية كافة، وجاء هذا الإعلان عقب زيارة وزير الداخلية فتحي باشاغا مدينة ترهونة، وقال باشاغا في بيان: "نحن بصدد البحث عن المقابر الجماعية للتعرف على هوية الجثث وتسليمها لذويها". 

مليشيا الكانيات

هذه المجازر المروعة التي ترتقي إلى جرائم حرب، يتهم بارتكابها ميليشيا الكاني أو الكانيات، وهي ميليشيا موالية للمتمرد خليفة حفتر، قُتل عدد من قادتها قبل أسابيع في العمليات العسكرية، ويقودها الإخوة الكاني.

تنتمي ميليشيا الكانيات للسلفية الجهادية، وتتمركز الكتيبة في مدينة ترهونة، ضمت إليها العديد من جنود نظام القذافي السابق، وتحالفت في البداية مع حكومة الوفاق، لكن كان لديها مشروعها الخاص وبسبب عدم انضباطها تم حلها، لكنها تحالفت فيما بعد مع قوات حفتر، ولعبت دورًا أساسيًا في سقوط عدة أحياء جنوبي العاصمة لمعرفتها الجيدة بميدان المعركة.

اشتهرت هذه الميليشيا عام 2017  بأعمال قتل واسعة واختطاف للمعارضين لها وإبادة عائلات بأكملها وحرمان الأهالي من إتمام إجراءات الدفن، وتتهم أيضًا بتهجير عدد كبير من أهالي مدينة وهدم مساكنهم ونهب ممتلكاتهم ومنعهم من العودة إبان سيطرة تلك المليشيات على المدينة، وسبق أن وثق تقرير للأمم المتحدة قتل ميليشيا الكانيات 39 شخصًا في ترهونة وجرح العشرات وذلك في شهر أغسطس/آب الماضي.

جرائم حرب

هذه الجرائم البشعة تضاف إلى سجل حفتر الأسود المليء بالجرائم، وقد سبق أن أكدت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، أن الهجمات العشوائية التي تشنها مليشيا حفتر على المناطق المأهولة في طرابلس قد ترقى إلى جرائم حرب بموجب نظام روما (للمحكمة الجنائية الدولية) الذي يحرم الهجمات المتعمدة على المستشفيات والمدارس ودور العبادة.

جرائم حفتر لم تقتصر على ترهونة وطرابلس، فكل منطقة تطئها أقدام ميليشياته لها قصة مع هذه الجرائم، فحتى القبور والجثث لم تسلم منهم، ونتذكر ما حصل في بنغازي التي يسيطر عليها منذ سنوات، حيث أقدم مسلحو حفتر، على نبش قبر جثة القائد العسكري البارز بمجلس ثوار المدينة جلال المخزوم ووضعها على سيارة يتجولون بها في الشوارع وسط حالة من هستيريا الفرح وإطلاق الرصاص والصراخ والسب والشتم والبصاق عليها، وعقب ذلك قاموا بشنقها أمام معسكر قوات الصاعقة تشفيًا في صاحبها.

وسبق أن وثقت منظمة "هيومن رايتس ووتش"، في تقرير لها، استخدام قوات حفتر ذخائر عنقودية من طراز (RBK-250 PTAB 2.5M) وقنابل شديدة الانفجار في منطقة سكنية في العاصمة الليبية طرابلس في 2 من ديسمبر/كانون الأول 2019، وهي أسلحة محرمة دوليًا.

لم يفلح حفتر إلا في عمليات اختطاف النساء والتنكيل بالمعارضين العزل ونبش القبور وتفخيخ الجثث وزرع الألغام

كما رصد تقرير فريق الخبراء الأممي الصادر في ديسمبر/كانون الأول 2019، استخدام طائرة تابعة لميليشيات حفتر في 15 و16 من أغسطس/آب 2019، ذخائر عنقودية في هجوم على مطار زوارة الدولي، رغم عدم وجود أي أصول عسكرية أو بنية تحتية عسكرية في مطار زوارة.

لم يكتف حفتر بهذا القدر من الجرائم، فقد عمل منذ رجوعه إلى الساحة على تصفية معارضيه وقتلهم، وتنفيذ العديد من الإعدامات في حقهم، فضلًا عن اختطاف كل من يقول لا في وجهه كما حصل مع النائبة بمجلس النواب سهام سرقيوة التي لا يعرف مكانها إلى الآن.

هذه الجرائم دفعت عائلات ليبية أمريكية لرفع دعوى قضائية ضد خليفة حفتر أمام محاكم بولاية فرجينيا على مقربة من العاصمة واشنطن، باعتباره مواطنًا يحمل الجواز الأمريكي، وتسلمت المحكمة الأمريكية ملف القضية بشأن جرائم ارتكبها الانقلابي خليفة حفتر بحق العائلات وأملاكهم.

من جهتها، قالت المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية فاتو بنسودا إن المحكمة "تعمل حاليًّا على إصدار مذكرات جديدة للقبض على أفراد في ليبيا، في ظل تزايد أعمال العنف والقتال في وحول العاصمة طرابلس (غرب)"، وحثت بنسودا مجلس الأمن على تقديم المتهمين بارتكاب جرائم حرب في ليبيا إلى العدالة.

شعبية حفتر في أدنى مستوياتها

المقابر الجماعية وعمليات الاختطاف وتفخيخ الجثث وزرع الألغام والمتفجرات في الطرقات والمنازل، سيكون وقعها شديدًا على حفتر الذي يعاني الأمرين في هذه الفترة بعد خسارة كل نقاط تمركزه في الغرب الليبي وتقدم قوات الوفاق نحو الوسط والجنوب لاسترجاع المدن المحتلة.

كشف هذه الجرائم سيضع العديد من القوى الدولية الداعمة لخليفة حفتر في وضع حرج فحليفها متهم بارتكاب جرائم حرب وانتهاك حقوق الإنسان، ما سيجعلها تعيد التفكير أكثر من مرة في تحالفاتها في ليبيا الممزقة.

الصورة التي أراد حفتر ترويجها عن نفسه، بأنه الرجل القوي المسيطر على الوضع، بدأت تتهاوى فهو لم يفلح إلا في عمليات اختطاف النساء والتنكيل بالمعارضين العزل ونبش القبور وتفخيخ الجثث وزرع الألغام، كأنه يعوض قلة حيلته وضعف قوته بهذه الجرائم البشعة.

حتى في الداخل الليبي، العديد من القبائل سترفع يدها عن حفتر كما يرى مراقبون، فمن الذي يريد أن يواصل التحالف مع من أولغ بدماء المدنيين، ويسعى لتقسيم البلاد ومنح خيراتها لمرتزقة أجانب ودول يعملون من أجل مصلحتهم لا كرمى لعيون جنرال مهزوم.