عمليات التهريب تكلف الكونغو ملايين الدولارات سنويًا يذهب معظمهما لدبي

صفحة جديدة تضاف إلى سجل الإمارات المشين في التجارة غير المشروعة، لتؤكد مجددًا أن دبي كما كانت مركزًا للتجارة العالمية فهي كذلك حاضنة للأعمال المشبوهة وقبلة للعديد من جرائم الفساد وغسيل الأموال التي تتم تحت عباءة البيزنس والاستثمارات، كما أشارت العديد من التقارير الدولية.

ولعل أحدث تلك الصفحات، التقرير السنوي  للجنة الخبراء التابعة لمجلس الأمن الدولي، الصادر في 12 من يونيو الحاليّ، الذي حذر من تداعيات عمليات تهريب الذهب من جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى دبي على المستقبل السياسي والأمني للدولة الإفريقية.

التقرير كشف أن عمليات التهريب تكلف الكونغو ملايين الدولارات سنويًا، فيما تستحوذ دبي على نصيب الأسد منها، بجانب بعض الدول الأخرى التي تتربح من وراء تلك الجرائم، منها أوغندا وتنزانيا، وهو ما يحرم الكونغوليين من العوائد الضريبية لكميات الذهب المهربة كانوا سيحصلون عليها لو تم تصديرها بالشكل القانوني.

ويقدر حجم صادرات الكونغو من الذهب - رسميًا - 39 كيلوغرامًا تقريبًا، في حين يبلغ حجم الإنتاج الرسمي أكثر من 333 كيلوغرامًا، وفقًا لإحصاءات رسمية هناك، غير أن الفريق الأممي في تقريره أشار إلى أنه عام 2019 فقط تم شحن ما لا يقل عن 1100 كيوغرام من الذهب من مقاطعة إيتوري شمال شرقي الكونغو، كانت ستوفر 1.9 مليون دولار من الضرائب.

تأجيج الصراع في الكونغو

اللجنة التابعة لمجلس الأمن في تقريرها السنوي كشفت أن حصيلة عمليات تهريب الذهب لدبي تستخدم في الصراع الدائر شرقي الكونغو، وهو ما يقلل من جهود الاحتواء والمصالحة في ظل تغذية النزاع بمزيد من التسليح للقبائل المتناحرة، ما يجعل دبي شريكًا أساسيًا في تأجيج الصراع.

وتعاني الكونغو التي كانت تسمى "زئير" حربًا أهلية بين العديد من التيارات القبلية الداخلية منذ عام 1994 حين أطاح الثوار بقيادة لوران كابيلا بالنظام الحاكم في البلاد، وتعزز هذا الصراع مع تدفق اللاجئين الفارين من القتال في دول الجيران، رواندا وبوروندي.

وفي 1998 وبعد تنصيب كابيلا رئيسًا انتشرت العديد من حركات التمرد داخل البلاد، ما استدعى تدخل قوات من بعض الدول الحليفة للنظام في كينشاسا، من أنغولا والسودان وتشاد، غير أنها فشلت في احتواء الأزمة التي أسفرت عن اغتيال كابيلا في يناير 2001.

وعقب خلافة جوزيف لوالده في حكم البلاد، سارع إلى وضع حد لتلك الحرب التي مزقت أوصال دولته، فحمل القوات الأجنبية الموجودة على الانسحاب، فيما وقعت القبائل المتنازعة على اتفاق لإنهاء القتال فيما بينها، وتشكلت حكومة انتقالية بمشاركة جميع ألوان الطيف السياسي، لتجرى انتخابات رئاسية وبرلمانية دستورية ناجحة في 2005 ليعاد انتخاب كابيلا الابن رئيسًا مرة أخرى في 2006.

وفي 2011 شهدت الانتخابات الوطنية موجة من الجدل بسبب تباين وجهات النظر بشأن نتائجها التي أسفرت عن فوز كابيلا للمرة الثالثة، وهي المرة الأخيرة له بحكم الدستور، وكان من المتوقع أن تجرى الانتخابات الأخرى في نوفمبر 2016، إلا أنها تأجلت إلى ديسمبر 2018، الأمر الذي أثار التيارات السياسية المعارضة ما أدى في النهاية إلى إشعال الصراع مرة أخرى.

وخلال الأعوام القليلة الماضية شهدت المناطق الواقعة شرق البلاد موجات عنف كبيرة، كان الفيصل فيها لمن يملك السلاح والعتاد، وفي ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة كان التسليح مسألة مرهقة للغاية، الأمر الذي دفع القبائل للجوء إلى الأبواب الخلفية عبر تهريب الذهب الذي يذهب معظمه إلى دبي، لينفقوا ما يحصلون عليه من أموال في عمليات التسليح لتعزيز القتال بينهما، لتدخل البلاد في موجات عنف متجددة لا يعرف أحد متى ستنتهي.

تأجيج الصراع في الكونغو الديمقراطية

ليست المرة الأولى

في 26 من نوفمبر/تشرين الثاني 2019 كشفت وكالة "رويترز" عبر تحقيق استقصائي كانت قد أجرته عن تورط دبي في الحصول على الذهب السوداني المهرب، وذلك عن طريق شركة سودانية تسمى "مجموعة الجنيد" مملوكة لأسرة قائد قوات الدعم السريع السودانية، محمد حمدان دقلو "حميدتي".

التحقيق استند في معلوماته إلى شهادة بعض المصادر داخل تلك الشركة التي كشفت تواطؤًا بين السلطات في دبي وحميدتي، بمقتضاه تم تهريب ما قيمته نحو 30 مليون دولار من سبائك الذهب إلى دبي وهو ما يزن نحو طن، خلال شهر واحد فقط.

ويتناغم تحقيق الوكالة البريطانية مع العلاقة الوطيدة التي تربط حميدتي بولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد، وذلك ضمن شبكة علاقات متشعبة، تجارية في بعضها وسياسية عسكرية في بعضها الآخر، غير أن جميعها يتصل بتقديم الدعم في مناطق النزاع التي توجد بها أبوظبي في إفريقيا.

وقبل ذلك بأقل من شهر وتحديدًا في 9 من أكتوبر/تشرين الأول 2019 كشفت الصحفية السودانية هبة فقيري من خلال تحقيق نشرته على موقع "الجزيرة" أن صادرات الذهب من مطار الخرطوم إلى دبي عبر الخطوط الإماراتية بلغت 102 طن خلال عام 2015 فقط، وذلك وفق المقارنة التي عقدها وزير الصناعة والتجارة السوداني السابق، موسى كرامة، بين كمية إنتاج الذهب المُعلَنة من حكومة بلاده هذا العام وما هو مسجل عبر شهادات المصادر.

الصحفية السودانية توصلت إلى أن تصريحات الوزير السابق، ومعها رئيس غرفة مصدر الذهب في بلادها، تتطابق بشكل كبير مع تقرير خبراء الأمم المتحدة الذي يشير إلى أن الإمارات أكبر مُشترٍ فعلي للذهب السوداني، وتشير التقديرات الفعلية إلى ارتفاع حجم إنتاج المادة الخام إلى 240 طنًا خلال عامي 2017-2018 مقارنة بـ110 أطنان وفق الإحصاءات الحكومية، بمعنى وجود فارق قدره 130 طنًا سنويًا.

دبي والتجارة غير المشروعة

التجارة غير المشروعة.. إفريقيا أنموذج

العديد من التقارير الدولية ذهبت إلى أن التجارة غير المشروعة باتت أحد المصادر الأساسية للاقتصاد الإماراتي، وكانت القارة الإفريقية أحد الأسواق الرئيسية لإنعاش تلك التجارة لدى الإماراتيين، وقد أظهرت بيانات كومتريد أنه منذ 2006 إلى 2016 ازداد الذهب المستورد من دول إفريقيا الذي أعلنته الإمارات من 18% إلى ما يقرب من 50%، هذا بخلاف ما لم يتم إعلانه بشكل رسمي.

لم يكن السودان والكونغو وحدهما ضحايا منظومة أبو ظبي للتجارة غير المشروعة، فهناك ضحايا آخرين كثر، من بينهم ليبيا، التي تم تهريب عشرات الأطنان من الذهب الخاص بها إلى الإمارات، وقد سبق وأن تناولت العديد من التحقيقات كيف باتت إفريقيا بوابة الإمارات الأولى لتصدير الذهب إلى أسواق أوروبا.

تغلغل الأيادي الإماراتية في منابع الذهب الإفريقية لا يتوقف عند حاجز نهب ثروات البلدان الفقيرة فحسب، بل يتضمن كذلك تعريض حياة آلاف العاملين في استخراج المادة الخام للخطر من خلال استخدام مواد كيميائية سامة في عمليات التنقيب وهو الموثق في العديد من التقارير.

بل إن بعض الحكومات مثل زامبيا وتنزانيا وغانا، أبدت امتعاضها جراء المخالفات التي تشهدها عمليات التنقيب وغالبًا ما يكون ثمنها البشري والبيئي فادحًا، بجانب شكواها من إنتاج الذهب وتهريبه بشكل مخالف للقوانين المحلية والدولية وهو ما يفقدها ثرواتها ويضعها تحت طائلة القانون.

وهكذا تواصل الإمارات عبثها داخل القارة الإفريقية، مستغلة حزمة المعاناة والعوز التي تعاني منها بعض البلدان، لتنفيذ أجندات توسعية، بعضها قد يحمل شعارات إنسانية مغلفة، تفنده الحقائق على أرض الواقع، فيما يتخذ البعض الآخر الاقتصاد غير المشروع سبيلًا لتغذية النزاعات داخل الدول، ولعل ما يحدث في الكونغو بحسب التقرير الأممي تجسيدًا لتلك السياسة التي يبدو أنها باتت نهجًا لأبناء زايد في السنوات العشرة الأخيرة.