شكل وصول محمد باقر قاليباف الذي يقود التيار المحافظ في مجلس الشورى إلى رئاسة المجلس، بعد ثلاث جولات رئاسية فاشلة، أولى خطط نجاح المرشد الإيراني علي خامنئي للسيطرة على الساحة الداخلية الإيرانية خلال المرحلة المقبلة، تداركًا لأي تداعيات اقتصادية أو اجتماعية قد يفرزها الشارع الإيراني في الأيام المقبلة، بسبب النتائج الخطيرة التي تمخضت عنها جائحة فيروس كورونا في إيران، وأدت إلى وفاة عشرات الآلاف وإغلاق مئات المصانع والمؤسسات، وهو ما جعل الواقع الاقتصادي الإيراني يعاني من تحديات خطيرة، في ظل هبوط كبير يواجهه التومان الإيراني أمام الدولار الأمريكي، إذ يواجه قيمة هبوط 5% من قيمته الشرائية يوميًا.

وبغض النظر عن أن وصول شخصية متشددة مثل قاليباف إلى رأس الهرم التشريعي في إيران، يؤشر إلى تحول كبير قد تشهده السياسة الخارجية الإيرانية في مرحلة ما بعد الرئيس حسن روحاني، إذا افترضنا فوز شخصية محافظة بانتخابات رئاسة الجمهورية المقبلة، فإن هذا يعني بدوره هيمنة كاملة للتيار المحافظ على الجمهورية الإسلامية، عندما يكون رؤساء السلطات الثلاثة في إيران من هذا التيار، وهو الأمر الذي يتطلع إلى تحقيقه خامنئي بدعم وتأييد من قادة الحرس الثوري، وحتى لو تحققت الدعوات التي تسعى إلى إعادة إحياء منصب رئيس الوزراء، فإن هذا الأخير سيكون خاضعًا لسلطة مجلس الشورى، كونه سيولد من رحم الأغلبية النيابية التي يمثلها التيار المحافظ اليوم.

وتشير وجهة النظر التي يمثلها التيار المحافظ اليوم، إلى أن التحول من النظام الرئاسي إلى النظام البرلماني، يمكن أن يحل مشاكل إيران الاقتصادية والاجتماعية، كونه سيكون مسؤولًا أمام مجلس الشورى، على العكس من التعقيدات التي تواجه محاولات مساءلة رئيس الجمهورية في كل مرة، إلا أنه من الممكن القول أيضًا إن التيار المحافظ يحاول القفز على حقيقة أن الأزمة التي تعيشها إيران اليوم هي أزمة عضوية، أصبحت جزءًا أصيلًا من حالة النظام السياسي الجامد، الذي لا يقبل أي إمكانية للمساس بالأسس الثورية والإيديولوجية التي قام عليها منذ 41 عامًا، سواء في مجالات الاقتصاد أم السياسة أم الاجتماع، وعلى هذا الأساس، فإن محاولات التيار المحافظ هي محاولة لإعطاء جرعة حياة لهذا النظام الذي بدأ يعاني اليوم من تحديات داخلية وخارجية كبيرة.

أصدر قائد الحرس الثوري اللواء حسين سلامي، قرارًا بتعيين العميد حسين نجاة نائبًا له، بالإضافة إلى توليه منصب قائد لواء ثأر الله

ما دور الحرس الثوري؟

يمكن القول إن المسؤولية التاريخية والعقائدية التي منحها المرشد الأعلى للثورة الإيرانية الخميني للحرس الثوري بموجب دستور عام 1979، جعلت منه الراعي الرسمي والحامي الأول للنظام السياسي الإيراني، ومن ثم فإن أي عملية تغيير قد تشهدها إيران مستقبلًا، لن تتم، دون أن تكون لهذا الحرس الكلمة الفصل في ذلك، فهو يمثل إلى جانب مكتب المرشد الأعلى أقوى المؤسسات في إيران، التي مارست أدوارًا مهمة في هندسة الحياة السياسية الإيرانية خلال الفترة الماضية، هذا إلى جانب دوره في حماية الاقتصاد المقاوم، الذي يشكل موردًا أساسيًا له وللمرشد الأعلى، عبر توسيع سيطرته على مجمل الحياة الاقتصادية الإيرانية، وإثراء نفسه وحلفائه من رجال الدين، فضلًا عن دعم الكثير من الجماعات المسلحة في الشرق الأوسط.

فخلال الأزمة الصحية الأخيرة التي عاشتها إيران بسبب جائحة فيروس كورونا، حاول اقتصاد الحرس الثوري ممارسة أدوار موازية للحكومة الإيرانية في تقديم المساعدة للمواطنين الإيرانيين، من أجل تحقيق المزيد من التأثير والرمزية في الحياة السياسية الإيرانية، فضلًا عن توجيه سهام النقد للرئيس روحاني لفشله في التوصل إلى صفقة مرضية مع الغرب، والهدف من ذلك كله ضبط إيقاع المتغيرات السياسية التي قد تشهدها إيران في الأيام القادمة.  

ولتحقيق مزيد من السيطرة على الساحة الداخلية، أصدر قائد الحرس الثوري اللواء حسين سلامي، قرارًا بتعيين العميد حسين نجاة نائبًا له، بالإضافة إلى توليه منصب قائد لواء "ثأر الله"، ويعد هذا اللواء أحد أهم الأجهزة الأمنية الإيرانية، على اعتبار أنه الجهة المسؤولة عن أمن العاصمة طهران، من حيث مواجهة المظاهرات الاحتجاجية والتصدي للعمليات الانقلابية، ما يمنحه صلاحيات استثنائية ونوعًا من الاستقلالية عن بقية الأجهزة الأمنية الإيرانية، خاصة مع تصاعد التوقعات بعودة الاحتجاجات إلى إيران خلال الفترة المقبلة، ويعد نجاة من أبرز وجوه القبضة الأمنية في النظام الإيراني، كما أنه من بين أبرز الضباط الذين شاركوا بالحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، إلى جانب أنه من أقدم الضباط في الحرس الثوري، حيث تمتد خدمته إلى 40 عامًا في الجهاز الذي يمثل عصب النظام في إيران.

مواقف متشددة

أعلن قائد القوة البحرية للحرس الثوري الأدميرال علي رضا تنسخيري، أن القوة تعتزم إنشاء قاعدة دائمة لها في المحيط الهندي، لافتًا إلى أن هذا سيحدث بحلول مارس من العام القادم، وأضاف "هدف الوجود الدائم لبحرية الحرس الثوري في المنطقة، هو حماية بعض السفن الأجنبية والصيادين وأصحاب الزوارق الإيرانية، الذين سبق أن تعرضوا لأعمال قرصنة في مياه بحر عمان ومدخل المحيط الهندي"، وعن المعدات والأمور اللازمة لإنشاء مثل هذه القاعدة الدائمة للقوة البحرية للحرس الثوري، قال: "لقد تم إحصاء جميع الاحتياجات ويجري التخطيط للأمر، وسيكون هذا الوجود قويًا وراسخًا للارتقاء بالأمن في مدخل المحيط الهندي".

من غير المرجح أن تغير إيران من مواقفها التصعيدية خلال الفترة المقبلة

وفي إطار سياسات القبضة الأمنية أيضًا، اعتقلت قوات الأمن مؤسس "جمعية الإمام علي"، أكبر الجمعيات الخيرية الطلابية مع اثنين من مساعديه، وأغلقت مكاتب الجمعية في العاصمة طهران، وذكرت مواقع إيرانية أن سلطات الأمن الإيرانية داهمت منزل شارمين ميمندي نجاد، مؤسس الجمعية الخيرية، إذ كانت هذه الجمعية الخيرية محل انتقادات متكررة من المحافظين خلال السنوات الأخيرة، حيث اتهموها بإساءة استغلال الجمعية في خدمة أغراض سياسية معنية، مع تشويه سمعة النظام الإيراني الحاكم عبر تسليط المزيد من الأضواء على المشكلات الداخلية الإيرانية، فضلًا عن العمل المتواصل مع البلدان الأجنبية والهيئات الدولية في الخارج.

كما حذر رئيس السلطة القضائية إبراهيم رئيسي، من الخطط المزعومة من أعداء الدولة الإيرانية، لتمويل الجمعيات الخيرية المحلية، و"استغلالها في خدمة أغراضها المعادية الخبيثة"، إذ يواصل المسؤولون الإيرانيون كيل الاتهامات ضد الغرب، بالسعي الحثيث وراء الإطاحة بالمؤسسة الدينية الحاكمة في البلاد، ولقد تصاعدت حدة هذه الاتهامات بصورة كبيرة في أعقاب الضغوط الأمريكية المتزايدة، بعد الخطوات التي اتخذها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني وإعادة فرض حزم العقوبات الاقتصادية الأمريكية على الحكومة الإيرانية.

ويمكن القول إنه مع وجود طبقة سياسية متشددة بصلاحيات واسعة (المرشد الأعلى - التيار المحافظ) بدعم وولاء من الحرس الثوري، من غير المرجح أن تغير إيران من مواقفها التصعيدية خلال الفترة المقبلة، وقد يمكن القول أيضًا إنه لا مجال للحديث عن أي تغيير إيجابي خلال الفترة المقبلة، سواء على صعيد البيئة الداخلية الإيرانية أم على صعيد البيئة الخارجية، وإنه بمجرد السيطرة الكاملة للتيار المحافظ على إيران، فإن المحافظين قد يشرعون باعتماد سياسات أكثر صدامية، من شأنها أن تخلق مزيدًا من التصعيد وعدم الاستقرار في المنطقة.