تتفاقم الأزمات التي تعصف بلبنان بشكل حاد منذرة بعواقب وخيمة على البلد في حال لم يتم تداركها وإيجاد الحلول السريعة والجذرية لها، ويُسجل كل يوم أزمة جديدة تضاف إلى جملة الأزمات التي تضرب لبنان وبرزت بشكل واضح مع بداية خريف العام الماضي (2019)، التي أُضيف لها الأزمة الصحية العالمية المتمثلة بأزمة "كورونا"، وتشكل هذه الأزمات تحديًا وجوديًا وخطيرًا على لبنان بما يهدد الصيغة اللبنانية في الذكرى المئوية لـ"لبنان الكبير". 

الأزمة الاقتصادية الحياتية

تشكل الأزمة الاقتصادية الحياتية "رأس جبل" الأزمات الذي يخفي خلفه أزمات كثيرة بدأت بالظهور التدريجي جراء تفاقم الوضع الاقتصادي الاجتماعي. 

فمع هبوط سعر صرف الليرة اللبنانية أمام العملات الأجنبية، لا سيما الدولار الأمريكي، حيث قارب سعر الدولار في السوق السوداء خلال الأسابيع الأخيرة 10000 ليرة، في وقت تدنى مستوى دخل المواطن اللبناني إلى ما دون 100 دولار شهريًا، وجد المواطن اللبناني نفسه عاجزًا عن تأمين الكثير من المواد الأساسية التي يحتاجها في حياته اليومية.

فقد ارتفعت أسعار السلع بشكل جنوني، خاصة أن معظمها مستورد من الخارج بالدولار الأمريكي، وبات اللبناني عاجزًا عن تأمين حاجته الأساسية منها، كما وجد أن مواد وسلع أخرى مرتبطة بها قد ارتفعت وانعكس ذلك سلبًا على مستوى المعيشة، خاصة في ظل أزمة انعدام مادة المازوت من الأسواق إلا بكميات قليلة جدًا، وهو ما انعكس بدوره على التغذية بالتيار الكهربائي، سواء ذاك العائد للدولة عبر "مؤسسة كهرباء لبنان" أم العائد لأصحاب مولدات الكهرباء وهو ملكية خاصة، وكل ذلك أضاف إلى أزمة اللبناني أزمة جديدة تمثلت بغياب التيار الكهربائي عن المنازل والفنادق والأسواق والمؤسسات وحتى المستشفيات لأوقات طويلة مهددًا الناس في مصالحها وحتى في صحتها. 

إضافة إلى ملف الكهرباء والمازوت، بدأت أزمة جديدة تطل برأسها وهي أزمة جمع النفايات والتخلص منها، خاصة أن القدرة الاستيعابية للمكبات المخصصة للنفايات شارفت على استيعاب القدرة الكاملة، وقد حذرت الشركات المختصة بهذا الملف والمتعهدة به أنها ستوقف جمع النفايات نهاية الشهر الحاليّ (يوليو/تموز). 

إلى ذلك شرعت العديد من الشركات والمؤسسات الخاصة في عملية التخلص من موظفيها، أو على أقل تقدير خفض أعدادهم، وقد شهدت الجامعة الأمريكية في بيروت آخر فصول هذا الأمر عندما لجأت نهاية الأسبوع الماضي إلى فصل قرابة 800 عامل وموظف من خدمتهم متعللة بالأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلد، هذا طبعًا فضلًا عن عشرات أو ربما مئات الشركات والمؤسسات المتوسطة والصغرى التي صفت أعمالها في وقت سابق. 

وفي مقابل كل هذه الأزمة المتفاقمة التي تهدد بما هو أسوأ، أوضحت الناطقة باسم صندوق النقد الدولي أن مفاوضات الصندوق مع الحكومة اللبنانية من أجل حصول لبنان على قروض أو هبات أو مساعدات من الصندوق لم تصل إلى أي نتيجة، فالصندوق يشترط ظاهريًا التزام الحكومة بإصلاحات اقتصادية وإدارية تضع حدًا لحالة الفوضى والفساد المستشرية وتوقف الهدر والتهريب وخلاف ذلك، فيما الحكومة تتهرب من هذا الالتزام عبر اختلاق ذرائع ومسائل لا تقنع الصندوق بإمكانية المساعدة.

هذا أقله في الظاهر، أما في الجوهر والحقيقة، فقد كشف وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، في تصريحات سابقة الأسبوع الماضي أن صندوق النقد يمكن أن يساعد الحكومة لكن بعد تلبية الحكومة لشروط ومطالب الشعب اللبناني المنتفض في الساحات منذ 17 من أكتوبر/تشرين الأول وينادي بمطالب إصلاحية على مستوى الإدارة والاقتصاد وحتى السياسة والأمن. باختصار، لا مساعدات من الصندوق قبل الرضى الأمريكي الذي بات مرهونًا بالاستجابة لمطالب معينة لم يتم الإفصاح عنها بشكل رسمي حتى الآن. 

النظام الاقتصادي اللبناني قائم على الدولرة ومرتبط بالاقتصاد الغربي، ومن الصعب التحول بهذه السرعة إلى الشرق

حاول لبنان أن يخرق جدار الحصار المفروض عليه لناحية الأزمة الاقتصادية الخانقة، فأرسل رئيس الجمهورية موفدًا عنه، مدير عام الأمن العام اللواء عباس إبراهيم، إلى كل من الكويت وقطر وربما دول أخرى، غير أن النتيجة فيما يتصل بالمساعدات كانت سلبية، خاصة أن تلك الدول تخشى الغضب الأمريكي من ناحية، ولأنها عرضة لهجمات متتالية واتهامات من أنصار الحكومة اللبنانية أقل ما يقال إنها جائرة أو غير حقيقية.

كما أن الدعوة التي أطلقها أمين عام "حزب الله" للتوجه شرقًا في التعاملات المالية والاقتصادية، أي ناحية الصين وإيران وروسيا، أيضًا لم تلق الاهتمام والإصغاء المطلوبين، خاصة أن النظام الاقتصادي اللبناني قائم على الدولرة ومرتبط بالاقتصاد الغربي، ومن الصعب التحول بهذه السرعة إلى الشرق.

أزمة سياسية على خلفية الدعوة للحياد

الأزمة الاقتصادية الحياتية خلفت أزمة سياسية جديدة تختلف عن مواجهة الحكومة لانتفاضة 17 تشرين، وإن كانت ترتبط بها بشكل من الأشكال، فالجميع في لبنان يدرك أن الأزمة التي يواجهها لبنان حاليًّا ليست بنيوية على الرغم من حالة الفساد والفوضى الإدارية والسياسات الاقتصادية المعتمدة منذ العام 1992، التي أوصلت حجم الدين العام إلى أكثر من تسعين مليار دولار، فالجميع يدرك أن الأزمة في مكان آخر دون أن يلغي أو يخفف من تأثير العوامل التي تم ذكرها. 

فلبنان اليوم يتعرض لضغط وعقوبات أمريكية بشكل غير مباشر على خلفية الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية من جهة، وإيران و"حزب الله" من جهة ثانية، وهذه العقوبات هي التي فاقمت من حجم الأزمة، وفتحت البلد على أزمات أخرى جعلت العديد من اللبنانيين ينظرون كأن لبنان تم أخذه رهينة بين الدولتين. 

اقترح بطريرك المارونين بشارة الراعي، قبل أيام اعتماد لبنان خيار الحياد الإيجابي بعيدًا عن الصراع الإقليمي باستثناء مسألة القضية الفلسطينية، وطرح على رئيس الجمهورية ميشال عون هذا الموضوع بعد زيارته في القصر الرئاسي، غير أن هذا الاقتراح وهذه الدعوة أوجدت حالة من الانقسام بين اللبنانيين.

فرئيس الجمهورية ميشال عون الذي استمع إلى اقتراح البطريرك ووافق عليه ابتداءً عاد وأكد أن من حق لبنان أن يدافع عن نفسه، وهو ما تم تفسيره على أنه تراجع عن الموافقة على مسألة الحياد، ورئيس الحكومة حسان دياب زار البطريرك الراعي في مقر إقامته وأبدى أيضًا ملاحظات على مسألة الحياد، بما عكس جوًا من عدم الرغبة في الاستجابة لهذا الطرح الذي قيل إن حزب الله هو الذي رفضه ضمنًا لأنه يحاصر الحزب في خياراته وسياساته التي ينتهجها. 

لبنان يعيش أزمة سياسية إضافية جديدة أمام هذا الاقتراح، التي يمكن أن تنذر بتحول الانقسام إلى نوع من الضغط

في مقابل ذلك وجد اقتراح البطريرك صدى إيجابيًا عند قوى سياسية أخرى رحبت به وأعلنت تأييدها له، خاصة في الساحة المسيحية، حيث أعلنت القوات اللبنانية قبولها بالاقتراح وتبنيها له، فيما تجري العديد من القوى السياسية الأخرى حوارات داخلية مع حلفائها بشأن الاقتراح ومفاعيله ونتائجه. والحقيقة أن الاقتراح شكل نقطة تحول في خطاب المرجعية المسيحية بما دفع البعض إلى الاعتقاد أن موقف الراعي يشبه موقف البطريرك السابق نصر الله صفير عندما شكل غطاءً لما عُرف في لبنان مطلع الألفية الثالثة بتجمع "قرنة شهوان" التي جمعت شخصيات مسيحية ووطنية وشكلت إحدى أهم عوامل الضغط التي أخرجت الجيش السوري من لبنان عام 2005 بعيد اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري. 

اليوم لبنان يعيش أزمة سياسية إضافية جديدة أمام هذا الاقتراح، التي يمكن أن تنذر بتحول الانقسام إلى نوع من الضغط والضغط المقابل الذي بدوره قد يخرج الأمور في البلد عن نطاق السيطرة والتحكم. 

تشويه صورة طرابلس والاستثمار بالإرهاب

في ظل هذا التردي الاقتصادي والأزمة الخانقة من ناحية، وفي ظل انسداد أفق الحل السياسي من ناحية أخرى، برزت على السطح دعايات وسيناريوهات راحت تعمل على اتهام مدينة طرابلس في شمال لبنان (مدينة سنية) بالتحضير للخروج على الدولة من خلال مجموعات "متطرفة" ستأتي إليها من منطقة إدلب السورية، ومن اللاجئين السوريين الموجودين في لبنان، فضلًا عن أبناء المدينة من المهمشين والمنسيين.

كما روجت تلك الدعايات إلى دعم تركي إنساني واجتماعي وتربوي لمجموعات وجمعيات تعمل في إطار العمل الاجتماعي والخيري في شمال لبنان، على اعتبار أن تركيا تريد أن تنشر الفوضى والعنف في لبنان ليكون لها موطئ قدم فيه، وللأسف اشترك في هذه الدعايات الرخيصة والسيناريوهات المفبركة وزراء في الحكومة ونواب في البرلمان وصحافة مأجورة من دون اي اعتبار لمصير البلد أو مستقبله. 

يدرك الجميع في لبنان أن هذه الدعايات تأتي من البعض في سياق استحضار عطف بعض الدول التي تخشى من الوجود تركي في لبنان على غرار الوجود التركي في ليبيا، لذا روجت هذه الجهات لهذا الأمر من دون أي إدراك لحجم العواقب، فيما روج البعض الآخر لذلك على خلفية تقاطع المصالح مع دول ترفع شعار مكافحة الإرهاب، على اعتبار أن رفع هذا الشعار قد يجنب هذا البعض أيضًا تحديات يعتبرها خطيرة في هذه المرحلة، غير أن ذلك يضع البلد في خطر وهو نوع من المجازفة ولعبة القمار أو "الروليت" الروسية. 

على العموم الأزمات في لبنان تتفاقم بشكل كبير على أكثر من مستوى، وتنذر بعواقب وخيمة في القريب العاجل، فإما أن يستدرك اللبنانيون هذا الأمر ويضعوا حدًا له من خلال التعامل بعقلانية وواقعية كبيرة، وهذا إلى الآن غير واضح أو متوافر لديهم، وإما أن الأمور ستذهب إلى مواجهات داخلية أو عبر الحدود قد يكون لها نتائج كارثية على الجميع، وإما ستستمر الأزمات في التفاقم بما يهدد الكيان اللبناني بشكل كامل في لحظة من اللحظات إذا لم يصل إلى صياغة نوع من التفاهمات والتسويات التي لا بد فيها من تنازلات، أصحابها لم يبدوا أي استعداد لها بعد.