اضطرت وكالة الأنباء الإيرانية (إرنا) لتعديل خبر الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي لطهران لأكثر من مرة خلال الأيام الماضية، والسبب في ذلك أن الكاظمي لم يحسم أمره بعد، من أين يبدأ جولته الخارجية، قبل أن تؤكد الوكالة أن الكاظمي سيزور طهران الثلاثاء المقبل، بعد زيارته للرياض، وهو ما جعل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي يبعث وزير الخارجية محمد جواد ظريف على وجه السرعة لبغداد، لتأكيد أولوية إيران الرمزية في العراق، نعم قد لا يكون هذا هو السبب الرئيس لزيارة ظريف المستعجلة، لكنها بالوقت ذاته لا تخرج عن هذا الإطار.

مما لا شك فيه شكلت عملية ذهاب الكاظمي في أولى جولاته الخارجية لدولة أخرى غير إيران، خرقًا للتقاليد السياسية التي دأب عليها رؤساء الوزراء السابقين الذين جعلوا طهران منطلقًا لجولاتهم الخارجية، لكن المشكلة الرئيسة هي أن جولة الكاظمي الخارجية تأتي في ضوء ظروف صعبة تعيشها إيران اليوم، وتحديدًا في العراق، الذي بدأ يعطي اهتمامًا كبيرًا لعمقه العربي، كما أنه في الوقت ذاته يخوض حوارًا إستراتيجيًا مع الولايات المتحدة، للتفاهم على مستقبل الوجود الأمريكي في العراق ومستقبل العلاقة الإستراتيجية بين البلدين.

ملفات مقلقة لإيران!

جاء البيان الذي أصدرته السفارة الأمريكية في بغداد الأسبوع الماضي، الذي رحبت فيه بالخطوات العملية التي توصلت إليها الحكومة العراقية مع دول مجلس التعاون الخليجي، وتحديدًا المملكة العربية السعودية، فيما يتعلق بموضوع الربط الكهربائي، إلى جانب مشاريع استثمارية في مجال الطاقة، بناءً على تفاهمات سابقة توصل إليها وزير المالية العراقي علي علاوي في زيارته للسعودية في 23 يونيو 2020، الموجود حاليًّا في الرياض على رأس وفد عراقي يمهد لزيارة رسمية يقوم بها الكاظمي اليوم، للتوافق على مجمل الملفات بين البلدين، ليشكل ضربة كبيرة للاتفاقات الطاقوية التي سبق أن تفاهمت عليها طهران مع بغداد، في الزيارة الأخيرة لقائد فيلق القدس إسماعيل قآني لبغداد في 3 يونيو 2020.

تثير خطوات الكاظمي في إجراء إصلاحات هيكلية بهيئة الحشد الشعبي، مخاوف طهران

كما تسعى إيران للتواصل إلى صيغة قانونية مع الجانب العراقي، من أجل البدء في إجراءات رفع دعوى قضائية ضد شخصيات عراقية متهمة في قضية مقتل قائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني في 3 يناير 2020، ولعل هذا هو السبب الرئيس وراء زيارة وزير الخارجية ظريف لمجلس القضاء الأعلى، خصوصًا بعد الإيضاحات القانونية التي سبق للمجلس أن أعلنها يوم الخميس الماضي في هذه القضية.

كما تثير خطوات الكاظمي في إجراء إصلاحات هيكلية بهيئة الحشد الشعبي، مخاوف إيران في هذا المجال، وتحديدًا القادة في الحرس الثوري الذين ينظرون لخطوات الكاظمي على أنها تقويض لمشروع محور المقاومة في الشرق الأوسط، ولعل زيارة وزير الخارجية ظريف لمقر هيئة الحشد الشعبي جاءت لتقديم رسائل دعم إيرانية لرئيس الهيئة فالح الفياض الذي تم تعيينه رئيسًا لهيئة الحشد الشعبي الأسبوع الماضي، خصوصًا أن هذه الزيارة تمت بحضور أبو فدك المحمداوي رئيس أركان الحشد وزعيم كتائب حزب الله العراقي المقرب من إيران.

دلالات الزيارة وأهدافها

المتابع لزيارة ظريف لبغداد، يجد فيها دلالات عديدة أرادت إيران أن تؤكدها في العراق، ومن أبرز هذه الدلالات:

1. تأكيد أولويتها في الشأن السياسي العراقي، حتى إن جاءت في المرتبة الثانية بسلم جولة الكاظمي الخارجية.

2. بدأ وزير الخارجية ظريف زيارته لبغداد من المكان الذي قتل فيه قائد فيلق القدس السابق سليماني، محيط مطار بغداد الدولي، وفي ذلك إشارة واضحة للجانب العراقي على ضرورة عدم تجاهل قيمة إيران في العراق.

3. المتابع لجدول زيارة وزير الخارجية ظريف، يجد أنه إلى جانب لقائه بشخصيات رسمية عراقية كرئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ووزير الخارجية، فإنه بالمقابل التقى بشخصيات أخرى غير رسمية، أهمها زعيم تيار الحكمة عمار الحكيم، ورئيس تحالف الفتح هادي العامري، وهي وظيفة يضطلع بها عادةً وزير خارجية المرشد الأعلى الإيراني خامنئي علي أكبر ولايتي، ما يشير إلى أن وزير الخارجية ظريف بدأ يجمع بين وظيفتين هما (وزير خارجية المرشد ووزير خارجية الحكومة)، وهي إحدى دلالات التغيير في السياسة الخارجية الإيرانية في العراق بعد مقتل سليماني.

4. زيارة وزير الخارجية ظريف جاءت لتعالج الفشل الذي منيت به الزيارات السابقة لبغداد من جناح الصقور في إيران (علي شامخاني - حسن دنائي فر - إسماعيل قآني)، وحتى السفير الإيراني في بغداد إيراج مسجدي، فهو الآخر مرشح للتغيير خلال الفترة المقبلة، خصوصًا أن هناك شخصية جديدة يجري إعدادها من المرشد الأعلى الإيراني خامنئي، لتولي قيادة السفارة الإيرانية في بغداد، والشخصية الأقرب حتى اللحظة لتولي هذه المهمة هو الجنرال حسن دانيفار القيادي في فيلق القدس.

النتائج الأولية لزيارة ظريف إلى بغداد جاءت غير مشجعة، ومن الممكن أن لا يلتقي المرشد الأعلى الإيراني خامنئي الكاظمي في أثناء زيارته لطهران

مؤشرات أولية لهذه الزيارة

أشارت العديد من المصادر الخاصة أن هناك اختلافًا في وجهات النظر بين الطرفين العراقي والإيراني، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بموضوع الطاقة الكهربائية الذي تعول عليه إيران كثيرًا، لتخفيف عمق الأزمة الاقتصادية عليها، فقد تحدثت هذه المصادر عن رفض الكاظمي للمقترح الذي قدمه وزير الخارجية ظريف، بخصوص أن يحصر العراق تعامله في هذا الملف مع إيران، وأن لا تشتمل زيارة الكاظمي للرياض على أي اتفاقات مع الجانب السعودي قد تقوض هذا المسعى الإيراني.

كما تحدثت هذه المصادر عن رفض الكاظمي أن يتدخل في وساطة مباشرة بين إيران من جهة والرياض وواشنطن من جهة أخرى، داعيًا ظريف بضرورة أن تفتح طهران حوارًا مباشرًا مع الرياض وواشنطن، خصوصًا أن العراق لديه حوار إستراتيجي مع الولايات المتحدة، وتحتل إيران ملفًا مهمًا في هذا الحوار، وعلى هذا الأساس اختتم وزير الخارجية ظريف زيارته لبغداد متجهًا نحو أربيل.

تحدثت بعض المصادر الإيرانية أيضًا بأن النتائج الأولية لزيارة ظريف إلى بغداد جاءت غير مشجعة، ومن الممكن أن لا يلتقي المرشد الأعلى الإيراني خامنئي الكاظمي في أثناء زيارته لطهران يوم الثلاثاء المقبل، في تعبير عن عدم رضاه على توجهات الحكومة العراقية في الآونة الأخيرة.

قد يكون من المبكر الحكم على مسار العلاقات العراقية الإيرانية عبر زيارة وزير الخارجية ظريف، خصوصًا أن مخرجات هذه الزيارة ستكون محكومة بطبيعة ما قد يتمخض عن الزيارة التي سيقوم بها الكاظمي لواشنطن الأربعاء المقبل كما هو مخطط، فهذه الزيارة ستكون المحك الحقيقي لموقف الكاظمي من خريطة التفاعلات الإقليمية والدولية في العراق، والأكثر من ذلك أنها ستكون مخصصة لبحث النقاط الخلافية في الحوار الإستراتيجي بين بغداد وواشنطن، وتحتل إيران إلى جانب الفصائل الولائية المسلحة، حيزًا مهمًا في هذا الحوار.