كان من إفرازات ثورة ديسمبر/كانون الأول السودانية ضد نظام الرئيس المخلوع عمر البشير أنها تسببت في حالة من فقدان الثقة بين الشعب السوداني والأجهزة الأمنية، على مرحلتين اثنتين:

الأولى: أثناء الثورة التي استمرت من ديسمبر/كانون الأول 2018 وحتى سقوط النظام في 11 أبريل/نيسان 2019، في تلك الفترة التي واجه فيها الثوار قمعًا عنيفًا من أجهزة الشرطة والأمن ومليشيات النظام لم تتدخل القوات المسلحة على الإطلاق لحماية المواطنين، بل كان رئيس الأركان المشتركة السابق كمال عبد المعروف يُصدر بيانات كل فترة وأخرى يجدد فيها ولاءه للرئيس المعزول ويقول "القوات المسلحة ملتفة حول قيادتها ولن تسمح بأي فوضى"، على عكس ما حدث في الجزائر التي تولى فيها الجيش حماية المتظاهرين، حيث صّرح رئيس الأركان الراحل أحمد قايد صالح قائلًا: "الجيش الجزائري حريص على رصيد ثقة شعبه".

الثانية: بعد نجاح الثورة وانحياز اللجنة الأمنية لمطالب المعتصمين أمام بوابات القيادة العامة في الخرطوم، وجاء ذلك بعد أن خالف صغار الضباط تعليمات قادتهم واستماتوا في الدفاع عن المواطنين العزل، متصدين لمحاولات فض اعتصام القيادة التي نفذتها أجهزة أمن البشير، حيث رأت اللجنة الأمنية أن تعزل الرئيس المخلوع خوفًا من حدوث انقسام داخل القوات المسلحة، بعد هذه الخطوة استعاد الجيش شيئًا من ثقة الشعب خاصة وسط الجنود وصغار الضباط الذين انحازوا إلى صف الثوار مثل النقيب حامد والملازم أول محمد صديق، لكن سرعان ما عادت فقدان الثقة إلى ما هو أسوأ بعد مجزرة فض الاعتصام التي وقعت فجر الـ29 رمضان العام الماضي.

النقيب حامد يصف مجزرة القيادة بالعار

المجزرة أفقدت الشعب السوداني الثقة في القوات المسلحة باعتراف النقيب حامد الذي حصد مكانة تاريخية في نفوس السودانيين بتصديه لمحاولة فض الاعتصام قبل سقوط البشير، وفي ذكرى المجزرة كتب قائلًا: "سيظل عار القيادة العامة يلاحقنا طوال حياتنا، يومها وقف الجيش عاجزًا خلف أسوار القيادة وشعبه يقتل ويسحل ويذل أمام بواباته".

وأضاف النقيب حامد في تدوينته التي نُشرت على نطاق واسع: "هذا العار قامت به القيادة ولكنه سيلاحق جميع منتسبي الجيش. سيذكر التاريخ أسماء من كانوا على رأس القوات المسلحة في هذا اليوم، وسوف يلاحقهم هذا العار حتى بعد موتهم".

بالفعل خلفت مجزرة فض الاعتصام أثرًا بالغ السوء على سمعة القوات المسلحة السودانية ومكانتها، فبعدما كان هناك توازن بين الانتقادات وبعض الإشادات قبل المجزرة، انقلب الرأي العام بنسبة كبيرة ضد قيادة الجيش بعد الـ3 يونيو 2019، اليوم الذي وقف فيه أفراد الجيش وهم يشاهدون المواطنين العزل يُقتلون ويتعرضون للانتهاكات الجسيمة التي وصلت إلى حد الاغتصاب والإهانات اللفظية بالغة السوء.

كان من الطبيعي بعد المجزرة أن يعبر الشباب عن غضبهم وصدمتهم مما حدث أمام بوابات القيادة العامة، حيث اعترف المتحدث الرسمي باسم المجلس العسكري حينها شمس الدين كباشي في كلمة مسجلة وموثقة أنهم اجتمعوا وخططوا ونفذوا عملية الفض و"حدث ما حدث" نتيجة أخطاء في التنفيذ، حسب تعبيره.

ردة فعل نشطاء التواصل الاجتماعي على البيان جاءت بنتيجة عكسية تمامًا

قبل أقل من شهر، جاءت الذكرى الأولى ليوم 30 يونيو/حزيران 2019 التاريخ الذي تمكّن فيه شباب الثورة السودانية من ترتيب صفوفهم والخروج في مواكب مليونية هادرة أذهلت قادة المجلس العسكري المحلول، في 30 يونيو الماضي سيّر الثوار مواكب جديدة للتنديد بمجزرة القيادة والمطالبة بتصحيح مسار الثورة، في ذلك اليوم انتشر مقطع فيديو لصبية في الـ17 أو الـ18 من عمرها تهتف بحماس شديد ضد قوات الشرطة والدعم السريع والجيش، إلا أن عددًا من منسوبي القوات المسلحة اعتبروا أن بعض الهتافات التي أطلقتها لُدن طارق فيها إهانة بالغة للمؤسسة العسكرية، بينما اعتبرها آخرون هتافًا سياسيًا في تظاهرة احتجاجية.

بيان يحمل نبرة تهديد واضحة 

لاحقًا، أصدرت القيادة العامة للقوات المسلحة بيانًا شديد اللهجة ذكرت فيه أنها عينت في شهر مايو/ أيار من العام الحاليّ ضابطًا متخصصًا في جرائم المعلوماتية لفتح البلاغات ضمن فريق بإشراف المدعي العام العسكري وعضوية ضباط قانونيين من القضاء العسكري تتمثل مهامهم في رصد الإساءات كافة التي تمس القوات المسلحة بكل مكوناتها واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيالها.

وأوضح بيان قيادة الجيش أن الإجراءات طالت "مجموعة من الناشطين والإعلاميين وغيرهم داخل وخارج السودان سيتم تمليك تفاصيلها بانتظام للرأي العام"، وجاء التبرير بأن القوات المسلحة اتخذت هذه الخطوة "بعد أن تجاوزت الإساءات والاتهامات الممنهجة حدود الصبر وهي ضمن مخطط يستهدف جيش البلاد ومنظومته الأمنية"، بحسب ما ورد في البيان.

ردة فعل عكسية 

اللافت أن ردة فعل نشطاء التواصل الاجتماعي على البيان جاءت بنتيجة عكسية تمامًا، فسرعان ما دشنوا هاشتاغ: #عشان_الجيش_مايزعل على موقعي تويتر وفيسبوك، ووجد الهاشتاغ تفاعلًا كبيرًا، إذ تم فيه نشر عدد كبير من الصور ومقاطع الفيديو أغلبها متعلق بمجزرة القيادة العامة بكل مراراتها، ومن ذلك مشهد إغلاق بوابات القيادة في وجه المعتصمين العزل الذين أرادوا الاحتماء بأفراد الجيش من القمع والوحشية التي قابلتهم بها القوات المهاجمة التي يتكون أغلبها من قوات الدعم السريع وفق تقرير "هيومان رايتس ووتش" الذي أكده شهود عيان.

ونشر المدون المعروف ياسين أحمد صورًا لطفلين يحملان رتب ملازم أول ونقيب في قوات الدعم السريع، وعلّق قائلًا: "صدقوني، أنا حزين جدًا لوضع الجيش السوداني"، بينما أورد خبيب عبد الرحيم صورة مؤلمة وكتب قائلًا: "لابس طاقية الجيش الغادر كان ظاني فيهم خير رحمة الله تغشاك، الشهيد/قصي حمدتو"، فيما أعادت فردوس بنت علاء نشر تصريح سابق منسوب إلى قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حمديتي" قال فيه: "أي واحد يعمل مجمجة ياهدي النقعة والذخيرة توري وشها نحن الحكومة ويوم الحكومة تسوى ليها جيش بعد داك تكلمنا".

مؤشر خطير للتحكم في الفضاء السياسي والاجتماعي 

شبكة الصحفيين السودانيين ردت على بيان الجيش السوداني ببيان مماثل، جاء بعنوان: "القوات المسلحة ليست فوق النقد"، اعتبرت فيه أن "الروح التي حملها بيان الجيش يمثل اتجاهًا خطيرًا للانتقاص من حرية التعبير، وتهديدًا لأصحاب الرأي، وهو يستند بالأساس لحزمة من القوانين غير الديمقراطية التي صيغت خلال العهد البائد وسعت لسلب حرية الرأي والتعبير".

وتعهدت الشبكة بتشكيل هيئات سياسية وقانونية للدفاع عن حرية التعبير وعمن تم اتخاذ الإجراءات بحقهم، وذكّرت شبكة الصحفيين بمجزرة فض الاعتصام، قائلةً إن القوات المسلحة لم تجب حتى الآن عن أسباب ما حدث، ولماذا لم تتم حماية المدنيين العزل يومها، بموجب قانون القوات المسلحة وقسمها المهني، حسب بيان الشبكة.

بدوره اعتبر تجمع المهنيين السودانيين "إعلان قيادة القوات المسلحة اتخاذ هذه الخطوة ولهجة بيانها مؤشرًا خطيرًا، يمد يد قيادة القوات المسلحة للمجال السياسي، بل تتعداه للتحكم في الفضاء السياسي والاجتماعي العام".

يبدو أن تصاعد الانتقادات لبيان الجيش السوداني والنتيجة العكسية التي تسبب فيها، دفع القيادة العامة إلى التراجع

واتهم بيان التجمع، قادة القوات النظامية بالسعي للعب دور أكبر في الحياة السياسية ومستقبل البلاد، كما اعتبر تجمع المهنيين أن "بيان الجيش يفصح عن رغبة بعض قيادات القوات المسلحة والقوات النظامية لوضعهم فوق النقد والمراجعة والمساءلة، وهو ما ينافي أي بناء وتحول ديمقراطي"، وفق ما ورد في حساب تجمع المهنيين الرسمي على مواقع تويتر.

يبدو أن تصاعد الانتقادات لبيان الجيش السوداني والنتيجة العكسية التي تسبب فيها، دفع القيادة العامة إلى التراجع، إذ نشرت صفحة وزارة الدفاع على فيسبوك تدوينة جاء فيها "اللجنة القانونية لم تنشر قوائم مستهدفة بالبلاغات والجيش لا يستهدف أحدًا ولن تعمل اللجنة بأثر رجعي"، مما يُفهم منه التراجع عن ملاحقة "المسيئين" سابقًا، واعتبار البيان الأول تهديدي وتحذيري للنشطاء والصحفيين لكيلا يوجهوا انتقادات لقادة الجيش.

هل يكرر الجيش السوداني سيناريو السيسي في تكميم الأفواه؟

بعد أن أعلنت اللجنة الأمنية لنظام البشير خلعه في الـ11 من أبريل/نيسان العام الماضي، حذّر كثيرون من مماطلة قادة المجلس العسكري الثاني برئاسة الفريق أول البرهان وسعيه لتكرار سيناريو الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالاستيلاء على السلطة، وهو ما حدث بالفعل بعد مجزرة القيادة العامة التي اعترف بالتخطيط لها المتحدث الرسمي للمجلس، إذ قام البرهان بإلغاء الاتفاقيات الموقعة مع قوى الحرية والتغيير وأعلن الدعوة لانتخابات عامة خلال تسعة أشهر وتكوين حكومة تصريف أعمال، لكن مليونية 30 يونيو/ حزيران أجبرت المجلس العسكري على العودة إلى طاولة التفاوض رغم أن المفاوضات انتهت إلى اتفاق دستوري هش لعب دورًا كبيرًا في تعثر الحكومة الانتقالية الحاليّة.

الشاهد في هذه القضية أن السيناريو المصري حاضر في كثير من الخطوات التي يتخذها عسكر السودان الموجودون حاليًّا في مجلس السيادة، والتهديد بملاحقة الناشطين والصحفيين قانونيًا لن يكون الحلقة الأخيرة رغم اختلاف الظروف بين ما حدث في السودان بعد مجزرة فض اعتصام القيادة وما حدث في مصر بعد مجزرة رابعة، ففي مصر انتهت الثورة وأحكم الجنرال عبد الفتاح السيسي قبضته على السلطة بآلة القمع الوحشية، بينما خرج الملايين من السودانيين في الـ30 يونيو/حزيران رغم الجراح التي خلفها القتل والعنف ورغم قيام العسكريين بقطع شبكة الإنترنت، وما زالت المواكب مستمرة حتى اليوم في السودان تطالب بتصحيح مسار الثورة والحكومة الانتقالية وقد تمتد إلى المطالبة بسقوطها إذا استمرت الأوضاع الاقتصادية في التدهور.

الرأي الراجح أن بيان الجيش السوداني قُصد منه ترهيب وتخويف الصحفيين والناشطين من مجرد انتقاد قادة القوات المسلحة فكلمة "الإساءات" المذكورة في البيان فضفاضة ويمكن أن تفسر بأكثر من اتجاه، والهدف الآخر من البيان ربما يكون محاولة إرضاء الأصوات الغاضبة داخل المؤسسة العسكرية من بعض الهتافات والتدوينات التي يطلقها ناشطون بين الحين والآخر، ويعتبرها البعض إساءات وإهانات للقوات المسلحة، لكن فكرة نجاح البيان في تهديد وتخويف الصحفيين والناشطين لن يُكتب لها النجاح في ظل الحالة الثورية التي يتميز بها الحراك السوداني وأن جذوته لم تخمد حتى اليوم بدليل ردة الفعل التي صدرت من المدونين على البيان التحذيري.

من حق الجيش السوداني اللجوء للقضاء في مواجهة أي فرد أو مؤسسة إذا رأى أنه متضرر من "المخالفات والإساءات"، لكنه قطعًا لا يحتاج إلى إصدار بيان يحمل نبرة تهديد جلية، كان أثرها السلبي واضحًا، فقد نكأ جراحًا يصعب التئامها، وهو أشد ما يكون حاجة إلى التصالح مع الشعب وليس الدخول معه في مواجهة، وستكون أولى خطوات إعادة الثقة الشعبية تقديم المتورطين في مجزرة القيادة العامة إلى محاكمة عادلة مهما كانت مناصبهم، وكذلك محاكمة من فشلوا في أداء مهامهم المتمثلة في حفظ أرواح المدنيين العزل، وقبل ذلك لا بد من تنحية الجيش عن السياسة، فمهمة القوات المسلحة في أي بلد محترم هي حماية الوطن والمواطنين وليس التدخل في أمور الحكم والسياسة.