استغلال للفتيات القاصرات، تشكيل شبكة عنكبوتية بهدف التحرش، فساد في بعض أجهزة الدولة الأمريكية، تورط لكبار الشخصيات في أمريكا وبريطانيا وغيرها، في واحدة من أكبر فضائح التحرش والاتجار بالنساء من الطبقة الراقية في المجتمع التي استعرض تفاصيلها وثائقي نتفلكس الأخير عن جيفري أبستين بطريقة شيقة ومؤلمة في نفس الوقت.

أطلقت شبكة نيتفلكس الوثائقي المكون من أربع حلقات بعنوان "ثراء فاحش" في شهر مايو/أيار من العام الحاليّ، الذي يتناول الملياردير الأمريكي سيئ السمعة أبستين، المتهم بقضايا تحرش واغتصاب فتيات صغيرات، بلغت أصغرهن وقت حدوث الاعتداء 14 سنة.

لا يحوي الوثائقي بمجمله الكثير من المعلومات الجديدة والحصرية، إلا أنه يستعرض قصة أبستين بطريقة سهلة المتابعة، ويربط العناصر المختلفة للرواية بشكل جيد وسلس، بالإضافة إلى تقديمه عددًا لا بأس به من شهود العيان ليرووا القصة بأنفسهم، ما يتيح للمتابع اختبار مشاعر الضحايا أو أي من الأشخاص الذين تقاطعت طرقهم مع هذا الشخص بشكل أو بآخر.

أراضي صيد الضحايا

هو عنوان الحلقة الأولى التي تُفتتح بمشهد الخبير المالي جيفري أبستين في أثناء محاكمته عام 2012، يظهر فيه الملياردير مبتسمًا ورافعًا يده لأداء القسم على أن الشهادة التي سيدلي بها هي الحقيقة ولا شيء سواها، ومن بعد ذكر اسمه وأماكن سكنه، يبدأ بالإصرار على عدم الإجابة عن أي من أسئلة المحامي المطروحة عليه، تنفيذًا لنصيحة محاميه الخاص، "أطالب بحقي في التعديل الدستوري الخامس" هو رده الوحيد على جميع الأسئلة.

تستعرض الحلقة بعد ذلك علاقات أبستين مع أصحاب النفوذ والطبقة المخملية من المجتمع، ليس فقط في أمريكا بل في دول أخرى أيضًا، حيث استطاع إحاطة نفسه على الدوام بالأثرياء وأصحاب القرارات مثل الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون والأمير البريطاني أندرو ودونالد ترامب، بالإضافة إلى صداقته مع مجموعة من العلماء الحائزين على جائزة نوبل.

تعرّف الحلقة الأولى أيضًا بذراعه اليمنى البريطانية غيلين ماكسويل، التي ساعدته بتجنيد الفتيات القاصرات لخدمة انحرافاته، بالإضافة إلى إدخاله بمجموعات جديدة من المجتمع الراقي أحيانًا، مثالًا على ذلك دورها بصداقة أبستين والأمير أندرو.

ومن ثم تبدأ الحلقة بعرض مفصّل عن فشل القضاء والإعلام الأمريكي على حد سواء في مساعدة ضحايا أبستين، وتظهر الصحفية فيكي وارد وهي تسرد قصة محاولتها نشر حادثة تحرش أبستين بإحدى موظفاته وأختها القاصر في مجلة فانتي فير، التي انتهت باقتطاع الجزء المسيئ لأبستين من التقرير وتحويله إلى مديح له.

تشرح النساء اللاتي تم الاعتداء عليهن قبل بلوغ السن القانونية، كيفية عمل نظام صيد الضحايا الذي ابتكره أبستين ومن حوله من مساعديه

وصّور هذا الجزء من الوثائقي الطبقة الاجتماعية لشريحة الضحايا التي استهدفها الثري البيدوفيلي وأماكن سكنها المتواضعة، حيث عمد إلى محاولة جذب الفتيات من العائلات الفقيرة أو المضطربة، ومن ثم إغرائهن بالمال وبعض الامتيازات مثل الحصول على منحة دراسية أو السفر في طيارة خاصة، في مقابل تجنيدهن للإيقاع بضحايا جدد، أو الاتجار بهن وتمريرهن لأثرياء آخرين بهدف الاستمتاع بهن، وتنتهي الحلقة باقتحام منزل أبستين بعد تراكم عشرات الحالات والادعاءات ضده.

وفي هذه الحلقة تشرح النساء اللاتي تم الاعتداء عليهن قبل بلوغ السن القانونية، كيفية عمل نظام صيد الضحايا الذي ابتكره أبستين ومن حوله من مساعديه، ويصفن مشاعرهن في تلك اللحظات الصادمة والأسباب وراء استمرارهن بارتياد منزله لاحقًا في بعض الحالات.

تتبع مصدر الأموال

تبدأ الحلقة الثانية بعرض مشاهد من اقتحام الشرطة لمنزل جيفري أبستين بعد مرور سبعة أشهر على بدء مراقبته والتحقيق في قضيته، بينما يروي شهود غرابة ما وجدوا داخل منزله من صور لأطفال نصف عراة وصور نساء عارية في كل مكان، وحتى بعض التماثيل العارية، بالإضافة إلى غرفة مساج مصممة بطريقة غريبة، ولاحظت الشرطة اختفاء جميع حواسيبه، مما أعطى دليلًا على علم أبستين بأنه قيد الملاحقة، وذلك من خلال تسريبات من داخل قسم الشرطة أو من أحد القائمين على التحقيق.

كما تروي أحداث هذه الحلقة كيف استطاع أبستين شق طريقه في عالم الأعمال، ورغم وجود جهود كثيفة بالإضافة إلى الكثير من الفرضيات والاستنتاجات عن مصادر ثروته الكبيرة، فعلى الأرجح لا أحد يعلم فعلًا حقيقة مصدر أمواله.

ويبقى السؤال كما جاء في بعض الصحف الأمريكية، هل قام أبستين بالاتجار بالنساء لحساب السياسيين وبعض أفراد العائلات الملكية والشخصيات العامة بهدف تجميع ملف ضخم لعمليات الابتزاز؟ حيث أكد العديد من الشهود وجود شبكة هائلة من كاميرات المراقبة في كل مكان يملكه جيفري أبستين، حتى إنه قام زرع الكاميرات في الحمامات وغرف النوم، كما جاء في شهادة إحدى الناجيات.

الجزيرة

استطاع جيفري أبستين الهروب من عواقب أفعاله لمدة تتجاوز العشرين عامًا على ما يبدو، وإن لم يكن أكثر من ذلك، وحتى في فترة اعتقاله عام 2008، كان قادرًا على ممارسة حياته الطبيعية إلى حد كبير، ومتابعة أعماله واهتماماته بما في ذلك موضوع انحرافاته مع القاصرات.

كان لدى أبستين القدرة على شراء جزيرة كاملة، وهي جزيرة "سانت ليتل جيمس"، واحدة من جزر فيرجين الأمريكية، استخدمها كملاذ آمن لممارسة تجاوزاته مع نساء من جميع الأعمار، وخصوصًا صغيرات السن، كما دعا إليها العديد من الشخصيات البارزة وعلى رأسهم بيل كلينتون والأمير أندرو، وفقًا لما جاء في الوثائقي، وبسبب هوسه بالحصول على خصوصية تامة في جميع الأوقات، حرص على جعل الجزيرة منطقة معزولة تمامًا عن العالم الخارجي من جهة، ومراقبة بشدة من الداخل بأحدث التجهيزات من جهة أخرى.

تحكي الناجيات بعض المواقف والقصص التي مررن بها، بالإضافة إلى الطريقة التي تم الإيقاع بهن من خلالها في هذه الشبكة والإبقاء عليها لمدة طويلة

ويظهر في هذه الحلقة موظفون سابقون لدى أبستين عملوا داخل الجزيرة، وشهدوا على بعض الممارسات اللاأخلاقية التي كانت تحدث على أراضيها، وتلخص الحقلة حقيقة أن انحراف أبستين لم يكن يخفى على أحد، فجميع موظفيه حتى الطيارين والمراقبين الجويين وطاقم الهبوط وغيرهم، جميعهم شهدوا على رحلاته المشبوهة مع فتيات قاصرات إلى الجزيرة، ولكنه استطاع بثرائه شراء صمت الجميع.

تعرض الحلقة شهادات لناجيات تعرضن لانتهاكات عديدة من جيفري أبستين، كما تم تمرير بعضهن إلى أشخاص آخرين ليعتدوا عليهن أيضًا، حيث تحكي كل منهن بعض المواقف والقصص التي مرت بها، بالإضافة إلى الطريقة التي تم الإيقاع بها من خلالها في هذه الشبكة والإبقاء عليها لمدة طويلة، بالإضافة إلى استخدام التهديدات ضدها بحال الرغبة بالهروب.

صوت الحقيقة

يختتم المسلسل بحلقة تستعرض كيفية سير الأمور في نهاية قصة أبستين، ووصوله إلى نقطة الاعتقال في الشهر الـ7 من عام 2019، حتى يتم العثور عليه بعد شهر واحد من اعتقاله ميتًا في زنزانته، لكنه استطاع حتى بموته أن يبقي الجدل قائمًا، حيث شكك كثيرون بصحة رواية انتحاره ورجحوا قيام أحدهم بتصفيته، خوفًا من إفصاحه عن أسامي بقية المتورطين بقضايا استغلال القاصرات الذين كانوا جزءًا من شبكته أو أحد المستفيدين منها.

باختصار، يعد وثائقي "ثراء فاحش" مادة إعلامية احترافية يمكن من خلالها معرفة قصة أبستين بالتفصيل، وبطريقة تمكّن المشاهد من التفاعل مع الشخصيات، كما يلعب أسلوب العرض الشيق والواضح والمليء بالمعلومات في نفس الوقت دورًا مهمًا في الحفاظ على انتباه المتابع طوال مدة المشاهدة، ويشرح طريقة عمل النظام القانوني الذي فشل بحماية الضحايا لمدة طويلة.

لكن يُؤخذ على هذا العمل أنه لم ينجح بتقديم الكثير من المعلومات الجديدة التي لم ترد مسبقًا في المقالات ونشرات الأخبار، ولم يستطع الإفصاح عن بقية المتورطين الذين ما زالوا مستمرين بأعمالهم حتى هذه اللحظة، كما جاء على لسان إحدى الناجيات، كما أنه لم يقدم أي شرح عن حقيقة بقية عصابة أبستين من النساء، واكتفى بذكر غيلين ماكسويل، رغم ذكر البقية خلال شرح المخطط الهرمي للتحرش الذي أنشأه أبستين وعمل من خلاله على توظيف الفتيات القاصرات لجلب المزيد من الفتيات.

والأهم من ذلك، أن ليزا بريانت مخرجة العمل استطاعت إعطاء صوت للضحايا اللواتي اعتبرن أن حياتهن تنقسم إلى قسمين قبل وبعد أبستين، وعوضًا عن ذكرهن الدائم على أنهن قاصرات تم استغلالهن من قبله، أحسنت بريانت مقابلتهن كبالغات يتحدثن عن تجارب قاسية سابقة، مع الكثير من الوعي والإدراك لحيثيات ما تعرضن له بالسابق وكيف أثر على حياتهن لاحقًا وحتى هذا اليوم.

الجدير بالذكر أن غيلين ماكسويل شريكة أبستين البريطانية في الجرائم الموجهة ضده، قبضت عليها الـFBI مطلع يوليو/تموز المنصرم.