«كان يقظة في إغفاء الشرق، وهبة في غفلة العالم الإسلامي، وحياة في وسط ذلك المحيط الهامد».. هكذا وصف الكاتب والمفكر اللبناني الشهير، شكيب أرسلان، العالم المصري، أحمد زكي باشا (1867 – 1934)  ملخًصا إنجازه الفكري وإسهاماته في إثراء اللغة العربية وعلاقاتها باللغات الأخرى وبقية العلوم الإنسانية المتشعبة.

الأنسجة المتشابكة التي غزلها زكي مع الحياة العامة والفلاسفة والمفكرين من مختلف أقطاب الأخرى، حولت كثير من الأحلام الثقافية العربية إلى واقع حياة، وبفضل ما حباه الله من علم ورؤية وبصيرة أثرى المنظومة اللغوية بما ساعدها على الوصول إلينا بهذه الكيفية العظيمة، حيث نقلها إلى علامات الترقيم ومن ثم الطباعة بسرعة وذكاء.

ورغم أن معظم المنتمين للنخبة المثقفة إبان فترة محمد علي باشا (1796-1849) وأسرته من بعده، كانوا يمارسون دورهم في التحديث العلمي والثقافي للمجتمع المصري بمقتضى وظائفهم المقلدة وما يمنحونه من مراتب ومكانة فكرية تؤهلهم لذلك، إلا أن زكي باشا كان من الفئة التي أسهمت في البناء الثقافي إيمانه منه بدوره المنوط به كرجل مفكر بصرف النظر عن وظيفته، وهو ما ساعد في أن تكون إسهاماته ذات طبيعة خاصة، كونها نابعة من إيمان داخلي قبل أن تكون وظيفة يتقاضى نظير أدائها مقابل مادي.

رحالة النشأة

تتباين الرؤي بشأن أصول أحمد زكي إبراهيم عبدالله، فيذهب فريق إلى أنه ينتمي إلى عائلة آل النجار في مدينة عكا بفلسطين، بينما ذهب أخرون إلى أن أباه وأجداده من المغرب العربي وقد دفعتهم التجارة إلى الاستقرار في يافا، لكن سرعان ما انتقل الأهل إلى رشيد ومنها إلى عروس المتوسط، مدينة الإسكندرية والتي ولد فيها في 26 مايو 1867.

احتل المفكر المصري مكانة بارزة لدى الخديوي عباس حلمي الذي قربه إليه

ترعرع أحمد الصغير على يد شقيقه الأكبر محمود، وكان يعمل قاضيا ويمتاز بالثقافة العالية والإلمام بقضايا الفكر والتنوير في مصر، ليلتحق بالتعليم المدني وصولا إلى مدرسة الإدارة والحقوق، متقنا معها عدد من اللغات الأجنبية التي ساعدته بعد ذلك في الغوص في بحار لغات العالم، ومن بينها الفرنسية والإنجليزية والإيطالية.

عمل زكي بعد تخرجه مترجمًا في مجلس النظار وهو في الخامسة والعشرين من عمره، وكان لنبوغه دورًا كبيرًا في اختياره في هذا السن الصغير لتمثيل بلاده في مؤتمر المستشرقين الذي عقد في لندن عام 1892 بعد الاحتلال البريطاني بعشر سنوات، ليتعرف الشاب المهموم بقضايا وطنه الثقافية حينها على العديد من النوافذ الجديدة. التي أثرت فيه وشكلت مسار حياته.

احتل المفكر المصري مكانة بارزة لدى الخديوي عباس حلمي (1874-1944) الذي قربه إليه، فكان سكرتيرًا لمجلس النظار( بمثابة أمين عام مجلس الوزراء اليوم) ثم منحه لقب الباشوية الذي كان لا يمنح إلا للمقربين من الخديوي والاعيان، وظل في منصبه حتى عام 1911 حتى أحيل على المعاش 1921.

حياة و3 مراحل

يعود الفضل في إثراء المناخ الثقافي المصري إلى عصر محمد علي، الذي حرص على إيفاد البعثات للخارج لتلقي العلوم المختلفة ثم العودة بما حملوا من فكر وعلم وثقافة لتمريرها لدى العقل المصري عبر مشاريع متعددة الأبعاد، وقد لمع العشرات من نوابغ الفكر والأدب مع عودة البعثات وباتوا حديث الناس والشارع.

كثير من هؤلاء النوابغ حاز على الشهر والمجد بعد تسليط الأضواء، فصاروا نماذج يتناقلها الجيل تلو الأخر، وتحولت إنجازاتهم إلى مشاريع للأجيال اللاحقة، وقبلة للساعين إلى تكرار التجربة ذاتها وإن أضيفت لها بعض الأبعاد الأخرى التي تراعي متطلبات التجديد والعصرنة.

لكن وفي الجهة الأخرى هناك من المفكرين أبناء هذا الجيل من لم ينالوا حظهم الكاف من الشهرة والمجد، فأهضم حقهم وانزوا خلف ستائر التجاهل، ورغم ذلك واصلوا المسير غير مبالين بجاه أو نفوذ أو جماهيرية، وكان من هؤلاء أحمد زكي باشا، الذي لقب بـ "شيخ العروبة" لما قدمه للعربية من خدمات جليلة.

وبتتبع حياة زكي باشا يمكن الوقوف على 3 مراحل أساسية شكلت مسيرته، الأولى وهي المتعلقة بجمع التراث العربي من مكاتب أوروبا والشرق، حين كان مبتعثًا للخارج، أما المرحلة الثانية فكانت مراجعة ما تم جمعه وإعادة النظر في بعض محتوياته، وإعداد المكتبات الثقافية النوعية المقسمة والتدخل في بعضها تصريفاتها بشكل أو بأخر بما يثريها.

أما المرحلة الثالثة والأخيرة فقد بدأت بعد إحالته للمعاش واستمرت حتى وفاته 1934، وتعد الأخصب على الإطلاق، ففيها أحدث زخما كبيرًا في الساحة الثقافية عبر عشرات المقالات والأبحاث التي نشرها في العديد من وسائل الإعلام والثقافة، منها صحف «المقطم» و«الأهرام» و«المؤيد» و«البلاغ»، كما توسع في محيط علاقاته بزعماء بعض الدول العربية، فكان وسيطا في الخلاف بين اليمن والسعودية، بجانب انتدابه لتحقيق الخلاف في شأن حائط المبكى وقضية البراق، بين العرب واليهود.

إسهاماته الثقافية

في كتابه «أحمد زكي باشا الملقب بشيخ العروبة» استعرض الكاتب والباحث أنور الجندي، أبرز إسهامات زكي باشا لإثراء المنظومة اللغوية والثقافية المصرية، رغم تحفظاته الطفيفة على بعض المسائل التي أخذها على المفكر الراحل، كقوله مثلا أنه «ليس ثمة عيب يمكن أن يؤخذ على زكي باشا إلا إيثاره نشر آرائه وأبحاثه في الصحف اليومية دون جمعها، ولعله كان حريصا على ذلك ليحقق لها الدوي الكبير والصدى الواسع والوصول السريع إلى كل الأيدي في العالم العربي».

رغم تعدد إسهامات المفكر المصري اللغوية إلا أنه يمكن الوقوف على أبرز ثلاثة منها كان لها النصيب الأكبر من الصيت والتأثير في آن واحد

الجندي في كتابه يرى أن تحقيقات زكي باشا تبلغ من الأهمية والعمق ما يجعلها تلفت نظر كافة الباحثين المتخصصين في الشأن اللغوين سواء داخل وخارجها، خاصة معجمه الذي كرس له سنوات حياته، وإن توفى قبل أن ينتهي منه، هذا بخلاف العديد من الكنوز الثقافية الأخرى التي تركها الراحل كـ «مدائن الأندلس»، و«مجالس المعددات والندابات».

ورغم تعدد إسهامات المفكر المصري اللغوية إلا أنه يمكن الوقوف على أبرز ثلاثة منها كان لها النصيب الأكبر من الصيت والتأثير في آن واحد، على رأسها وضع علامات الترقيم للغة العربية، وكان ذلك ضمن مشروع اقترحه وزير المعارف - آنذاك – أحمد حشمت، الذي طلب منه مراجعة أمهات الكتب والوقوف على ما قدمه الغرب في هذا الشأن.

وبالفعل استطاع بعد جهد مضني وبحث مطول ومراجعة الكثير من الكتب والأبحاث وتجارب بعض الدول، لأن يضيف للغة تلك العلامات التي سميت بـ "الترقيم" ويقصد بها الإشارات والإشارات والنقوش التي توضع في الكتابة، والتي دفعت باللغة واستخداماتها إلى آفاق أخرى كثيرة لازلنا نجني ثمارها حتى اليوم.

وفي كتابه «الترقيم وعلاماته باللغة العربية» الصادر عام 1911يستعرض زكي باشا دوافع ما قام به قائلًا: القارئ العربي لا يزال في تلك الحقبة مضطرًّا إلى التعثر والتسكع على الدوام، وإلى مراجعة نفسه بنفسه، إن كان قد أوتي شيئًا من العرفان، وعلى كل حالٍ، نرى أنه مهما بلغت درجته من العلم، لا يتسنى له في أكثر الأحيان أن يتعرف مواقع فصل الجمل وتقسيم العبارات، أو الوقوف على المواضع التي يجب السكوت عندها، فهو يَصل في الغالب رأسَ الجملة اللاحقة بِذيل الجملة السابقة".

وعليه اضطر إلى إدخال علامات الترقيم للغة العربية "تسهيلًا لتناول العلوم، وضنًّا بالوقت الثمين أن يضيع هدرًا بين تردد النظر وبين اشتغال الذهن في تفهم عباراتٍ كان من أيسر الأمور إدراك معانيها، لو كانت تقاسميها وأجزاؤها مفصولة أو موصولة بعلاماتٍ تبين أغراضها وتوضح مراميها".

ومن الإسهامات الثقافية الجليلة كذلك مشروعه لإحياء الأدب العربي، والذي تقدم به للخديوي عباس حلمي في 24  أكتوبر 1910، وكان  تحت إشراف المجلس الأعلى لدار الكتب المصرية، واستطاع من خلال هذا المشروع تحقيق عشرات الكتب القديمة مثل «نكت الهميان في نكت العميان» للصفدي، و«الأصنام» للكلبي، و«الأدب الصغير» لابن المقفع، و«التاج في أخلاق الملوك» المنسوب للجاحظ، والجزء الأول من كتاب «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» للعمري.

وكشف زكي من خلال بحوثه المحققة أن العرب هم أول من أثبتوا كروية الأرض قبل الأوربيين بثلاثة قرون، كما أنهم أول من  كشفوا منابع النيل، هذا بخلاف عشرات المشروعات الثقافية الأخرى التي نقل بها اللغة العربية إلى مئات السنين للأمام، لتناطح لغات العالم الأخرى وتنافسها في كثير من المنصات اللغوية. 

بعد وفاته بفترة قصيرة أصدر وزير الأوقاف قرارًا بنقل الخزانة مرة أخرى إلى دار الكتب لتكون قبلة للباحثين والمثقفين

ثم تأتي "الخزانة الزكية" كأحد أبرز المشروعات الثقافية التي خلفها زكي باشا، حيث تحتوي على  18 ألف مجلد و1500 مخطوط، في مختلف دروب العلم والمعرفة، ومن أهمها تلك الكتب المطبوعة في أوروبا في مجالات الفلسفة والطب والعلوم والفلك والأدب، «القانون» وجزء من كتاب «الشفاء»، لابن سينا.

تكونت الخزانة عبر مشوار طويل لزكي باشا جمع خلالها مختلف أنواع الكتب، وما أشتراه خلال زيارته لأوروبا، ثم ما وقع تحت يديه حين كان في وظيفته الحكومية، وقد تنقلت المكتبة من مكان لأخر على مدار عشرات السنين حتى وصل بها المستقر إلى دار الكتب المصرية لتكون واحدة من أعظم الدعائم التي قامت عليها شهرتها بين دور الكتب في العالم

كانت الخزانة بداية الأمر في منزله خلف سراي عابدين، ثم نقلت إلى دار الكتب بعد موافقة مجلس النظار عام 1910، غير أنه وبسبب خلاف وقع بينه والحكومة عام 1921 أدى في النهاية إلى تقاعده عن العمل، صدر قرار بنقل المكتبة من دار الكتب، لينقلها بعد ذلك كإهداء إلى وزارة الأوقاف، واشترط في وقفيته أن تكون له النظارة عليها مدى حياته.

وبقيت المكتبة العملاقة في الوزارة حتى وفاة زكي باشا في 5 يوليو 1934، وبعد وفاته بفترة قصيرة أصدر وزير الأوقاف قرارًا بنقل الخزانة مرة أخرى إلى دار الكتب لتكون قبلة للباحثين والمثقفين والمتطلعين للنهل من علوم الشرق والغرب على حد سواء، ليترك المفكر المصري العظيم إرثًا هائلًا يخلد اسمه في سجلات العظماء.