الغنوشي يربح المعركة

الغنوشي يربح المعركة

جدد البرلمان التونسي الثقة في زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي رئيسا للمجلس بعد أن وافق 97 نائبا فقط على لائحة سحب الثقة منه، ورفضها 16 نائبا، وتم إلغاء 18 صوتا باطلا وورقتين بيضاوين، ما اعتبره البعض انتصارا للديمقراطية التونسية ضد القوى المناهضة لها في الداخل والخارج.

تجديد الثقة

النواب المناهضون للغنوشي فشلوا في الحصول على الأغلبية المطلقة (109 أصوات) الضرورية لسحب الثقة من الغنوشي، ما يعني استمراره في منصبه. ويَشترِط النظام الداخلي للمجلس للتصديق على اللائحة حصولَها على أصوات 109 نواب من أصل 217، هم إجمالي عدد النواب، وقد شارك في التصويت 133 نائبا.

وتعتبر هذه المرة الأولى في تونس التي قرّر فيها مجلس نواب الشعب مصير رئيسه بهذا الشكل عبر إجراء سحب الثقة، ويترأس الغنوشي البرلمان التونسي منذ ديسمبر/كانون الأول 2019، وكان قد ترشح للمرة الأولى لانتخابات تشريعية في تشرين الأول/أكتوبر 2019. 

ما حدث في البرلمان التونسي اليوم، يعتبر رسالة قوية لقوى الثورة المضادة العربية وخصوصا مصر والإمارات

قبل أسبوع، قرّر مكتب البرلمان تنظيم جلسة عامة للتصويت على سحب الثقة من الغنوشي، بناء على لائحة مقدمة من 4 كتل نيابية (الكتلة الديمقراطية وكتلة الإصلاح والكتلة الوطنية وكتلة تحيا تونس)، وبرّرت الكتل المتقدمة للائحة هذه الخطوة بأنها "جاءت نتيجة اتخاذ رئيس البرلمان قرارات بشكل فردي دون الرجوع إلى مكتب البرلمان (أعلى هيئة)، وإصدار تصريحات بخصوص العلاقات الخارجية لتونس تتنافى مع توجّه الدبلوماسية التونسية"، بحسب رأيهم.

وكان من الممكن إسقاط اللائحة شكلا قبل تمريرها إلى الجلسة العامة نتيجة الأخطاء الشكلية الكثيرة التي تتضمنها لكن الغنوشي قرر تجاوز ذلك وقال:"لم آتِ على ظهر دبابة لرئاسة البرلمان بل جئت بالانتخاب، ولست منزعجا من سحب الثقة مني، لذلك قبلنا إعادة اختبار الثقة".

مسافة واحدة

مباشرة عقب الإعلان عن النتيجة، تعهد زعيم النهضة راشد الغنوشي بالحفاظ على مسافة واحدة من الجميع خلال مواصلته مهام رئاسة البرلمان التونسي، وقال إن لتونس مستقبلا ما دامت متمسكة بالحرية.

وأضاف الغنوشي أن الديمقراطية حديثة وناشئة وتحتاج إلى مزيد من التمرين، مشيرا إلى أن البرلمان هو نسخة مصغرة عن المجتمع المتعدد. وعلى حسابه في فيسبوك اكتفى الغنوشي، بعد الجلسة البرلمانية، بكلمتين فقط، هما "الحمد لله".

نضج متقدم في الثقافة الديمقراطية

ما شهدنه اليوم في البرلمان التونسي يعد، وفق أستاذ العلوم السياسية في الجامعة التونسية هاني مبارك، سابقة تاريخية وممارسة بقدر ما هي استثنائية وتعبر عن نضج متقدم في الثقافة الديمقراطية بقدر ما هي ممارسة مرعبة ومثيرة لأهل ثقافات الاستبداد وللنظم الشمولية العربية.

أما على مستوى دلالات سقوط اللائحة، فيرى مبارك أنها لا تستند إلى مضمون سياسي أو تنظيمي واضح وإنما كانت ذات طابع شخصي حزبي ضيق أكثر منها من أي شيء أخر، ولولا جراح الفترة التي سبقت استقالة حكومة الفخفاخ لما حصلت هذه اللائحة على أكثر من أصوات الحر الدستوري وبعض المقربين منهم، وفق قوله.

 

يفرض المنطق وفق محدثنا على كافة الأطراف الكف عن استخدام أساليب من هذا النوع أي لا أساس سياسي لها لأن من شأن ذلك التسبب في مزيد هدر الوقت الذي يجب أن يخصص للمواضيع ذات الاهتمام الشعبي والكف عن المناكفات والصراعات الأيديولوجية لأن هذه الصراعات خارج هموم الناس.

بدوره أكد الصحفي كريم البوعلي في حديث لنون بوست أن التجربة التونسية استطاعت اليوم البرهنة عن أسمى معاني الديمقراطية وهي الاحتكام للصندوق في حالة الاختلاف حتى داخل مجلس النواب المنتخب ديمقراطيا. وأضاف، سواء مرت اللائحة أم لم تمر كما هو الحال، فقد نقل البرلمان التونسي صورة إيجابية عن إدارة الخلاف.

رسالة لمحور الشر

ما حدث في البرلمان التونسي اليوم، يعتبر رسالة قوية لقوى الثورة المضادة العربية وخصوصا مصر والإمارات، تونس وفق كريم البوعلي لا تتزعزع سياسيا بالتحريض الإعلامي والتجييش الوظيفي لحزب عبير موسي لعرقلة المسار الديمقراطي الذي تثبت اليوم أكثر بهذه العملية الديمقراطية الانتخابية التي أفرزت نتيجة أقرها الجميع.

من جهته يعتقد هاني مبارك في حديثه لنون بوست أن أعداء التجربة الديمقراطية في تونس سيزدادون شراسة وعدوانية، لأن عدوى التجربة التونسية ستفرض نفسها تدريجيا داخل المنطقة وهذا يستوجب الحذر وتطوير أساليب ترسيخ هذه التجربة.

 

تابع مبارك بقوله بأن قلق المحيط الإقليمي الذي سيتزايد قد يدفع للبحث عن مناسبات محددة لمعاودة تجريب حظها ولذا على الأطراف التي رفضت الانخراط في مسار إسقاط التجربة أن تطرح تصورات عملية وقابلة للتنفيذ من تلك التي تشكل محور اهتمام الناس لعزل الأصوات التي لها أجندات مغايرة لهموم الناس.

وتعتبر تونس التجربة الديمقراطية الوحيدة الناجحة بين الدول العربية التي شهدت ثورات بداية من 2011، ومنها مصر وليبيا واليمن وسوريا، وتخشى أنظمة عربية حاكمة بمنطقة الخليج، من تأثرها سلبا بالتجربة التونسية، لذا تقود ما تُسمى بـ"الثورة المضادة"، لإفشال التجربة التونسية.

عبير موسي تخسر الرهان

محاولة الإطاحة بالغنوشي، قادتها سليلة التجمع المنحل رئيسة حزب الاتحاد الدستوري عبير موسي، التي تتهم الغنوشي بـ"الإرهاب" و"بتلقي حزبه حركة النهضة أموالا من الخارج". كما تعتبر أن تأسيس الحزب الإسلامي شابته عدة خروقات، مطالبة برفع الشرعية عنه ومحاسبة المسؤولين الذين منحوه الترخيص للدخول إلى الحياة السياسية.

وتمتهن عبير موسي سب وشتم رئيس البرلمان راشد الغنوشي ونواب كتلة حركة النهضة بالبرلمان، فضلًا عن نواب كتلة ائتلاف الكرامة التي يقودها المحامي سيف الدين مخلوف، كما طالت شتائمها أعضاء في الكتلة الديمقراطية وكتلة حزب قلب تونس.

تجديد الثقة للغنوشي يمثل خسارة كبيرة لعبير موسي التي كانت تشغل منصب أمين عام مساعد لحزب التجمع المنحل

منذ وصولها إلى البرلمان، تعمل موسي على تعطيل أعماله، ففي الجلسة الأولى التي خصّصت لانتخاب رئيس له، رفضت عبير موسي أداء اليمين الدستورية بشكل جماعي، وفي كلّ جلسة تختلق عبير موسي مشكلة وتبدأ بالصياح، إلى أن وصل بها الأمر حدّ الاعتصام بمقر مجلس النواب، معتبرة أن الدولة التونسية افتكت منهم والمؤسسات التونسية اغتصبت، على حد تعبيرها.

تجديد الثقة للغنوشي يمثل خسارة كبيرة لعبير موسي التي كانت تشغل منصب أمين عام مساعد لحزب التجمع المنحل (حزب بن علي) قبل الثورة، فهي كانت تراهن على سحب الثقة من زعيم النهضة استجابة لأوامر أولي نعمتها في الخليج.

إذابة الجليد

يعتقد كريم البوعلي أن النواب والطبقة السياسية برمتها بحاجة لإذابة الجليد والابتعاد عن التجاذب ومنح البرلمان الاستقرار لخدمة القضايا الحقيقية للبلاد والعباد بدون منطق التشفي ورد الفعل مثلما حدث في تقديم لائحة سحب الثقة التي كانت رد فعل على لائحة سحب الثقة من الحكومة.

ويرى محدثنا أن بقاء راشد الغنوشي على رأس البرلمان انتصار معنوي له ولحركة النهضة أمام عبير موسي وأحزاب التيار الديمقراطي وحركة الشعب، ولكن هي فاصلة قد تستأنف بعدها مرحلة جديدة من الصراع السياسي الذي ملت منه قطاعات واسعة في البلاد.

 

هذا الأمر يقتضي وفق محدثنا هدنة سياسية وجلوس على طاولة الحوار للتفاهم حول الحكومة وتركيبتها وبرنامجها وأهدافها حتى تتجاوز تونس مرحلة الفراغ في السلطة التنفيذية في وضع اقتصادي واجتماعي وصحي أيضا حرج يقتضي الوحدة الوطنية والتكاتف.

لا حكومة دون النهضة

فضلا عن كل هذا، يرى المحلل السياسي التونسي سعيد عطية أن نتائج التصويت في البرلمان اليوم أثبتت ظهور تحالف نبيل القروي- راشد الغنوشي أي قلب تونس والنهضة كتحالف صلب له مكانته في المشهد السياسي في البلاد.

ويؤكد عطية في حديثه لنون بوست، أن هذا الأمر بمثابة رسالة قاسية لرئيس الجمهورية أنه لن تمر أي حكومة دون حركة النهضة، ويرى المحلل التونسي أن النهضة ستدخل مفاوضات تشكيل الحكومة مع المشيشي من موقع مريح جدا و ستحاول فرض الحد الأقصى من شروطها.