"نحترم الشرعية لكن آن الأوان لمراجعتها حتى تكون بدورها تعبيرًا صادقًا وكاملًا عن إرادة الأغلبية" هكذا اختتم رئيس الجمهورية قيس سعيد كلامه يوم السبت الماضي إثر تكليف وزير داخلية حكومة الفخفاخ هشام المشيشي بتشكيل الحكومة الجديدة وذلك بعد أسبوع من المشاورات مع أغلب الأحزاب الممثلة في البرلمان، أفضت في نهاية الأمر إلى تكليف شخصية لم يقترحها أي حزب منهم. 

فما خلناه نهاية لحرب الإيديولوجيا وتحقيقًا للحد الأدنى من الاستقرار السياسي والمؤسساتي من أجل المضي قدمًا في معركة التنمية إثر ما أفرزته صناديق الاقتراع في الانتخابات التشريعية والرئاسية 2019، يتأكد يومًا بعد يومٍ أنه كان محض وهم وها نحن نعود اليوم إلى مربع النقاش الأول عن جدوى استمرار النظام السياسي الحاليّ والتعديلات الدستورية اللازمة، وإلى معركة الاستقطاب التي تشكل حركة النهضة محورها. 

مسار العودة إلى النظام الرئاسي

خلال حملته الانتخابية، لم يخف قيس سعيد رغبته في استبدال الديمقراطية التمثيلية القائمة بديمقراطية مباشرة تترجم عبر انتخاب مجالس محلية (المعتمديات) تفرز مجالس جهوية (الولايات) يكون دورها التخطيط للمشاريع التنموية على المستويين المحلي والجهوي ومراقبة عمل السلطة التنفيذية.

في هذا النظام، يختار عضو من المجلس المحلي عن طريق القرعة ليمثل المعتمدية في مجلس نواب الشعب ويكون للناخب حق سحب الوكالة من ممثله إذا قصر ولم يوف بوعوده.

لكن من أجل تحقيق هذه الغاية، لم يؤسس الرجل حزبًا أو تحالفًا انتخابيًا يقدم هذا المشروع للناخب ضمن برنامجه وينافس عليه بقية الأحزاب في الانتخابات التشريعية وإنما اكتفى بالترشح للرئاسيات فقط، حسب النظام الذي يقترحه سعيد تتكون السلطة التنفيذية من رئيس الدولة والحكومة، ويتم انتخاب رئيس الدولة الذي يتكفل يتعيين رئيس الحكومة ويتحمل مسؤولية السلطة التنفيذية كاملة، مما يعني عمليًا التحول إلى النظام الرئاسي.

منذ تولي منصبه، لم نر سعيد يقدم تصورًا ثوريًا لدبلوماسية تونسية تليق بالقرن الـ21 ولا طرح مفهومًا جديدًا للأمن القومي الذي انحصر تقليديًا في بعده العسكري

في الواقع، ما توحي به تحركات وتصريحات الرجل في الفترة الأخيرة أنه مر من مرحلة التنظير إلى مرحلة التطبيق، وبات يتصرف كأنه يحكم في إطار نظام رئاسي ولا أدل على ذلك من إصراره على عودة المبادرة إليه فيما يخص اختيار رئيس الحكومة الجديد عبر لعبة حبكت في الكواليس بين رئيسي الجمهورية والحكومة يقدم الأخير بموجبها استقالته لسعيد، وذلك من أجل قطع الطريق دستوريًا على لائحة سحب الثقة من حكومته في البرلمان وبالتالي نزع البساط من تحت أقدام حركة النهضة صاحبة الكتلة الأكبر في مجلس النواب.

سعيد لم يكن الوحيد الذي انتقد هيكلية نظام الحكم، بل إن كل من دخل قصر قرطاج تحت طائلة دستور 2014 إلا وكان ناقمًا عليه ساعيًا إلى تغييره بما يوسع من صلاحيات وسلطات رئيس الجمهورية، وحلم تغيير نظام الحكم الذي راود الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي يبدو أن قيس سعيد يسعى إلى تحقيقه خلال عهدته الحاليّة ولو عبر خطاب وطرح مختلف عن خطاب وطرح سلفه.

فما حدث منذ بداية هذه الدورة البرلمانية من تهريج وفوضى مفتعلة من كتلة الحزب الدستوري الحر بقيادة عبير موسي التي كان آخرها احتلال منصة رئاسة مجلس النواب وتعطيل انعقاد الجلسات العامة، أعان قيس سعيد في مسعاه وبدا كأنه هدية نزلت إليه من السماء حتى يستطيع الدفع بمشروعه إلى الأمام، وقد صار المشهد يوحي بأن أجندات الطرفين أضحت متقاطعة في نقطة معينة هي ترذيل صورة البرلمان لدى عامة الناس.

لا نعلم إن كان قيس سعيد تأثر بالقادة السلطويين الذي يبحثون بنهم عن المزيد من السلطة (من أمثال أوربان في المجر، السيسي في مصر، دوتيرتي في الفليبين) أم أنها لعنة قصر قرطاج التي تجعل صاحبه يتناسى أدواره ومسؤولياته المناطة به سواء كقائد أعلى للقوات المسلحة أم كرئيس لمجلس الأمن القومي أم كرئيس للدبلوماسية التونسية ولا يركز إلا على ما يعزز من صلاحياته.

فمنذ تولي منصبه، لم نر سعيد يقدم تصورًا ثوريًا لدبلوماسية تونسية تليق بالقرن الـ21 ولا طرح مفهومًا جديدًا للأمن القومي الذي انحصر تقليديًا في بعده العسكري، بينما يهمل أبعاد أخرى أهم مثل البعد البيئي والصحي والسيبراني، ولا قدم رؤية لتحديث الجيش بهدف جعله قوة عسكرية عصرية محترفة.

من أجل تحقيق الاستقرار السياسي، لن يكون نظام الحكم فقط هو ما يستحق المراجعة، بل أيضًا النظام الانتخابي

البديل الممكن

في الأثناء، لإن كانت مراجعة النظام السياسي والانتخابي تبدو ضرورية على المدى المتوسط، فإن التحول إلى النظام الرئاسي ما زال ينطوي على مخاطر الانزلاق من جديد إلى براثن الاستبداد، ففي بلد يفتقد إلى محكمة دستورية، وما زال فيه القضاء يحارب من أجل استقلاليته، ولم يفعل فيه النظام اللامركزي بعد، وفيه طيف من التونسيين يحن إلى وهم المستبد العادل، لا يبدو أن النظام الرئاسي قد يكون الأصلح لمعالجة مشاكل تونس.

فإن كنا نريد حسم مسألة ثنائية ترؤس السلطة التنفيذية وفي الآن ذاته الحفاظ على ديمقراطيتنا الفتية وتجذيرها، سيكون من الأفضل أن ننتقل إلى نظام برلماني يكون فيه رئيس الحكومة صاحب أغلب السلطات (بما في ذلك القيادة العليا للقوات المسلحة ورئاسة مجلس الأمن القومي) ويكون فيه منصب رئيس الجمهورية مجرد منصب فخري (يحظى فيه بهامش من النشاط الدبلوماسي وبعض الصلاحيات مثل إصدار العفو الخاص)، فمع أن غضب التونسيين مما يحدث في البرلمان يبدو مشروعًا جدًا، لكن يجب دائمًا التذكير بأن من علل النظام السياسي التونسي أنه ليس نظامًا برلمانيًا ولا رئاسيًا، بل نظام غريب وهجين تليق به مقولة الاستثناء التونسي.

فإذا كان من الممكن مساءلة رئيس حكومة وسحب الثقة من حكومته من البرلمان في صورة ارتكاب رئيسها أي خطأ أو تجاوز، عادة ما تكون إجراءات عزل رئيس الدولة (في صورة قيامه بأي تجاوز) طويلة ومعقدة وذلك لأن منصبه يعتبر محصنًا دستوريًا، ولهذا نجد أن أغلب الدول التي انزلقت نحو الاستبداد في التاريخ الحديث كانت دولًا محكومةً بأنظمة رئاسية تحولت تدريجيًا نحو حكم الفرد الواحد. 

لكن من أجل تحقيق الاستقرار السياسي، لن يكون نظام الحكم فقط هو ما يستحق المراجعة، بل أيضًا النظام الانتخابي الذي يفرز في كل مرة برلمان مشتت وبالتالي حكومات ضعيفة غير قادرة على الاستجابة إلى تطلعات المواطن التونسي، والأهم من ذلك في رأيي أن الأحزاب أو لنقل العائلات السياسية الكبرى بحاجة إلى نقد ذاتي عميق، فما أوصلنا إلى هذه المرحلة إلا تشرذمها وصبيانيتها وغياب الديمقراطية التشاركية داخل هياكلها، ما دفع عامة الناس إلى النفور من العمل الحزبي وفقدان الأمل في التغيير من داخل المؤسسات، وقد سبق أن حذر العديد من المتابعين من أن الديمقراطية لا يمكن أن يؤتمن عليها لدى أحزاب غير ديمقراطية.

وفي انتظار انطلاق حوار هادئ وبناء بين جميع الفرقاء، ما يدعو للأسى أن البلاد سوف تخسر وقتًا ثمينًا في النقاشات عن نظام الحكم الأنسب، وذلك على حساب قضايا شائكة ذات أهمية أكبر مثل الانكماش الاقتصادي وارتفاع المديونية وتفاقم العجز التجاري والشح المائي، ونحن بصدد إهمالها بالعودة إلى مربع التأسيس الأول من جديد.