لم يكفِ النظام السوري طوال السنوات الماضية، التنكيل بالشعب وقتله بكل الوسائل واستجلاب المحتل الروسي والإيراني وإطلاق العنان للمليشيات الأجنبية المختلفة في الأراضي السورية، بل يزيد إصرارًا في كبره وغطرسته، لكن هذه المرة عبر فيروس كورونا، الذي يضرب البلاد وينتشر كالنار في الهشيم دون أي إجراءات ملموسة من الممكن أن تخفف عن هذا الشعب.

المشافي في المحافظات السورية التي يسيطر عليها النظام أصبحت مغلقة في وجه المرضى والأخبار الواردة من هذه المناطق تُخبر بأحداث أليمة، ومع كل ذلك تصدر الأرقام الرسمية من حكومة النظام بإصابة 1000 شخص بالفيروس المستجد فقط، فجولة واحدة على وسائل التواصل الاجتماعي السورية كفيلة بأن تُطلعنا على حجم المصائب التي تعتري الشعب بهذا الوباء.

أرقام غير حقيقية

كانت حكومة النظام من أواخر الدول التي أعلنت إصابة مواطنين سوريين بوباء كورونا، وذلك في نهاية شهر مارس/آذار الماضي، ومنذ ذلك الحين تُصدر وزارة الصحة أرقامًا غير دقيقة وقليلة بالنسبة لعدد الوفيات التي يتحدث عنها الناس على المنصات المختلفة، ويدلل على كذب أرقام النظام ما أعلنه الأردن في شهر يوليو/تموز المنصرم عن 44 إصابة كورونا لأشخاص قادمين من سوريا.

توجهنا بالسؤال لطبيب يعمل في أحد مشافي العاصمة السورية، دمشق، ورفض الطبيب كشف اسمه خوفًا من ملاحقة أفرع الأمن له، ويحدثنا عن طبيعة الأرقام التي تتكلم عنها حكومة النظام وما الإجراءات المتبعة، قائلًا إن سوريا تقع في "مأزق حقيقي ويصعب الخروج منه"، مشيرًا إلى أن "التعاطي الرسمي الكومي لم يرق إلى مستوى الكارثة حتى الآن".

يتكلم الطبيب عن أرقام "مخيفة" من الوفيات، مشيرًا إلى أن عدد الوفيات اليومي يقارب الـ200 حالة بسبب الفيروس وذلك فقط في دمشق وما حولها، هذه الأرقام التي ذكرها الطبيب يقول إنها "الحد الأدنى" للوفيات، ذاكرًا أن عدد الإصابات لم يعد بالإمكان إحصاءه خاصة أن الحكومة والمشافي في حالة عجز تام عن مواجهة الوباء، مضيفًا "من يستطيع التداوي في هذه الأيام والدخول إلى المشافي هو من يملك المال".

حتى المشافي الخاصة باتت اليوم عاجزة عن استقبال الحالات لعدم وجود أجهزة التنفس الصناعي التي تكفي، يتكلم الطبيب أيضًا عن أن أهل المتوفى يرفضون تسجيل سبب الوفاة "فيروس كورونا"، وذلك لأن حكومة النظام تدفن ضحايا الوباء في مقبرة معروفة لدى الدمشقيين وهي "مقبرة نجها"، ويكون الدفن فيها عشوائيًا والحديث أيضًا عن "مقابر جماعية" بحسب الطبيب.

انتشر في الآونة الأخيرة فيديو بين السوريين عن أحد الكوادر الطبية وهو يشتم جثة متوفى بفيروس كورونا، وقالت المصادر إن هذا الفيديو تم تصويره في مشفى الأسد الجامعي في دمشق، في الوقت الذي تداول الناشطون فيديوهات لامرأة ملقاة في منتصف الطريق دون مساعدة من أحد وتشير المصادر أنها مصابة بفيروس كورونا.

 

كما ذكرنا، لا توجد بيانات رسمية حقيقية يمكن الوثوق بها، نتيجة لذلك فكل الاعتماد يكون على ما تطالعنا به وسائل التواصل الاجتماعي والإحصاءات من المنظمات غير الرسمية وتصريحات الأطباء، في الآونة الأخيرة انتشر مقطع مصور للطبيبة شغف فاعور في مشفى "المجتهد"، تدعو فيه إلى الالتزام بإجراءات التباعد الاجتماعي للوقاية من فيروس كورونا، مشيرةً إلى وجود نقص حاد في المستلزمات الطبية وانعدام توافر أجهزة تنفس اصطناعي وغرف العناية المشددة، وأضافت فاعور أن الإحصاءات الرسمية عن الإصابات والوفيات غير دقيقة تمامًا.

إضافةً إلى الطبيبة الفاعور، خرج شادي حلوة وهو صحفي موالٍ لنظام الأسد، ليقول: "المشافي العامة والخاصة في حلب باتت ممتلئة بمرضى فيروس كورونا"، مضيفًا "هناك انتشار فظيع للوباء في مدينة حلب"، مشيرًا إلى نقص في الإمكانات الطبية في حلب، وقال حلوة إن وزارة الصحة لا تملك الإمكانات لإجراء ألف أول ألفين أو ثلاثة آلاف مسحة يوميًا.

كشف طبيب في مشفى الجامعة بمدينة حلب في أوائل شهر يوليو/تموز المنصرم، إخفاء النظام لمعلومات عن أعداد الإصابات والوفيات بسبب كورونا، ويشير الطبيب إلى أن "مئات الإصابات بفيروس كورونا سجلت في مدينة حلب، وخلال الشهرين الماضيين يوجد يوميًا حالة وفاة واحدة على الأقل بسبب الفيروس"، موضحًا أن "مستشفى الجامعة الحكومي يمتنع عن كشف السبب الحقيقي للوفاة، وإدارة المشفى تكتب في تقريرها أن أمراض الجهاز التنفسي سبب الوفاة، ولا تعترف بأن الوفاة نتيجة الإصابة بالكورونا".

إقرار بالفشل

أقرت حكومة الأسد منذ أيام بأن البيانات والمعلومات التي تبثها عن الإصابات والوفيات بفيروس كورونا "غير حقيقية"، كما أنها حملت العقوبات الاقتصادية المفروضة على البلاد، العجز بمواجهة الوباء، وفي بيان لوزارة الصحة السورية أشارت إلى أن "خطر جائحة كورونا يتزايد في سوريا"، موضحةً أن الإصابات المسجلة في البلاد "هي للحالات التي أثبتت نتيجتها الفحوص المخبرية عبر فحص (PCR) فقط، بينما هناك حالات أخرى لم يتم التثبت منها".

أوضحت الوزارة في بيانها أنها "لا تملك الإمكانات في ظل الحصار الاقتصادي المفروض على البلاد الذي طال القطاع الصحي بكل مكوناته لإجراء مسح عام في جميع المحافظات"، موجهةً طلبها للمواطنين السوريين "بالالتزام بإجراءات الوقاية الفردية لاحتواء انتشار الفيروس وحماية الجميع"، وطالبت بضرورة اتخاذ "أعلى درجات الاحتياطات"، وأعلنت وزارة الصحة تعليق صلوات الجماعة والجمعة لمدة 15 يومًا.

شمالي شرقي سوريا

أُعلن في مناطق الإدارة الذاتية الكردية في شمالي شرقي سوريا تسجيل 12 إصابة بفيروس كورونا، مسجلةً بذلك ارتفاع إلى 66 إصابة بمجمل المناطق القابعة تحت سيطرة الوحدات الكردية، من جهتها وجهت "خلية الأزمة" في الإدارة الذاتية اتهامًا لنظام الأسد بالوقوف خلف تصدير الوباء إلى تلك المناطق، وحمل عضو إدارة "خلية الأزمة"، طلعت يونس، حكومة النظام مسؤولية انتشار الفيروس، مؤكدًا أن "انتشار الإصابات بالفيروس دخل مرحلة خطيرة".

وقال يونس: "معظم الإصابات هي لمسافرين قدموا من دمشق"، موضحًا أن "عدم إغلاق النظام للمعابر ساهم بشكل أساسي في تفشي وانتشار الفيروس في المنطقة"، وفرضت خلية الأزمة في محافظة الحسكة حظرًا للتجوال واستثنت مجال المواد الغذائية والأفران والصيدليات.

وكان "مجلس الرقة المدني" قد فرض حظرًا للتجوال في الرقة لمدة أسبوعين، وقررت الإدارة الذاتية تشديد الإجراءات على إغلاق كل المعابر الحدودية لمناطق سيطرتها ومنع حركة النقل مع المناطق الأخرى، باستثناء النقل التجاري، ومنع تجمعات العيد والأعراس وخيم العزاء والصلوات الجماعية.

الحزن يخيم على سوريا

10 سنوات كانت كفيلة بتمزيق البلاد على يد النظام، دمار وتشرد ومجازر والجراح غائرة والدماء ما زالت تسيل، يأتي اليوم فيروس كورونا إلى كل سوريا فيضع أحماله الثقيلة على الشعب المسكين، في ظل عجز تام عن التعامل مع هذه الجائحة، وتقصير بكل المناحي واستهتار بأرواح الناس، في هذا الصدد يقول الصحفي السوري أحمد حذيفة في تغريدة على تويتر: كما في الأعياد، نرسل التبريكات والتهاني جملة عبر أثير الشبكات، هكذا: "كل عام وأنتم بخير، لتصل للكل! يبدو أننا في فاجعة كورونا، أمام حالة عزاء جماعية، تشعر وكأنك تريد أن ترسلها، هكذا للكل السوري: عظم الله أجركم، فالبلاء والفقد طال كل منزل تقريبًا، عظم الله أجركم يا أهل سوريا".

الناشط السوري وائل عبد العزيز كتب: "تفشى وباء كورونا في دمشق وريفها إلى حد يطالب فيها الأطباء المدنيون بالابتعاد عن المشافي كونها أصبحت بكوادرها بؤرًا للفيروس. آلاف الإصابات دون رعاية، لا دولة تتحرك، ولا وجود لنظام صحي يوقف الكارثة. هناك فقط عصابة عملت طوال عقود على بناء مخابرات ومسالخ لقتلنا. كان الله مع أهلنا".

جمان الحسن بدورها قالت: "رفيقي دكتور بالشام هلق عم بسأله عن الوضع وعن أهلي ، قلي شفت بمناوبة 48 ساعة، 400 مريض كلهم مصابين بالكورونا، بالشام وريفها الوضع انفجاري وفي ٣٠٠ وفاة يومياً بشكل وسطي .. الوضع سيء ومأساوي ومخيف.. وما حدا قادر يعمل شي".

 

في تغريدة أخرى: "دمشق مدينة منكوبة بعد تفشي كورونا.. المشافي ممتلئة، والوفيات تطال الكادر الطبي، والنظام صامتٌ وعاجز، والناس خائفة، وتحتمي في بيوتها وتخشى الإبلاغ عن الإصابات تحسباً لردود الفعل. حلب ليست أحسن حالاً .. الوضع كارثي".

الكاتب والباحث محمد خير موسى وجه نداءً من أجل إغاثة سوريي الداخل الذين يحيط الوباء بهم، يقول في منشوره على "فيسبوك": "الأخبارُ القادمة من دمشق ليست مرعبةً فحسب، بل هي تتجاوز الوصف. الوباء يفتك بالناس فتكًا لا يوصف، والضحايا أعدادهم غفيرة، والنظام تخلى تمامًا عن أية مسؤولية عليه تجاه ما يجري. نحن أمام مجتمع أعزل تم تفقيرُه وتدميرُ بنيته الاجتماعية والاقتصادية وهو يواجه الوباء الشرس بمفرده؛ بمفرده تمامًا دون أدنى مبالغةٍ في هذه الكلمة.

يضيف موسى "هذا يحتمُ على كل قادرٍ أن يخفف من وطأة الوباء بأي شيءٍ يستطيعه ولو كان شق تمرةٍ أو شطرَ كلمة. لدمشقَ في أعناقنا جميعًا دينٌ لا يوفى، ولأهلها علينا جميعًا حقٌ واجب الأداء عاجلًا غير آجل. من كان يستطيع أن يكفل عائلةً ويكفيها خطر الخروج للبحث عن الرزق خلال فترة الوباء فعليه أن يبادرَ فإن فعله الآن هو إحياءٍ لنفسٍ بل نفوس. ومن كان يستطيع حث الداعمين على البذل وإطلاق الحملات الإغاثية لكفاية الناس وتخفيف حركتهم فعليه أن يبادر وفعله هذا إحياء الأنفس الذي هو إحياء الناس جميعًا"، مشيرًا إلى أنه "ومن كان يملك أن يوجه بشكل مكثف رسائل توعية تراعي الحال البائس والواقع المر الذي يعيشه الناس فليبادر فإنه على ثغرٍ عظيم. لا تحقروا من المعروف شيئًا".

يعظُم الحزن السوري اليوم والخوف يتلبس المغتربين على أهلهم في الداخل السوري في ضغطٍ من نوعٍ جديد، والوباء يجري لا يأبه بأحد ناسيًا أن الوباء الأكبر لم يترك سوريا وأهلها بعد.