المصريون يحيون الذكرى السابعة لمجزرة رابعة

قبل سبعة أعوام من اليوم استيقظ المصريون على "أكبر عملية قتل جماعي في تاريخ مصر الحديث" -كما وصفتها منظمة "هيومن رايتس ووتش" الدولية- حين أمطرت قوات الأمن المصرية على المعتصمين في ميدان رابعة بالرصاص الحي، بينما اقتحمت آليات الجيش ومدرعات للشرطة الميدان لتطبق الخناق على كل من فيه، ومن استطاع الهروب منهم كان رصاص القناصة في انتظاره.

وفي الجهة الأخرى كان محيط جامعة القاهرة على موعد مع مجزرة من نوع آخر، فبينما كان المعتصمون يتساقطون بالرصاص فوق تراب رابعة كان إخوانهم يُحرقون داخل خيامهم في ميدان النهضة بالجيزة، حيث سقط في المجزرتين قرابة ألفي مصري حسب تقارير حقوقية بينما تشير الإحصاءات الرسمية إلى المئات.

7 أعوام مضت على أكبر المذابح التي شهدها المصريون في تاريخهم الحديث والمعاصر على حد سواء، خلاف سياسي ونزاع على السلطة أودى بحياة ألالاف من الضحايا فيما بقى أهليهم وذويهم يعانون ويلات القهر والظلم ويتجرعون مرارة الذل والتنكيل.

أنصار السلطات الحالية يراهنون على الزمن في محو أثار تلك الجريمة التي لا تزال جذوتها تشتعل عامًا تلو الأخر في صدور أصحابها والمتعاطفين معهم والمنتصرين لحقوق الإنسان في شتى أنحاء العالم، وبينما يضغط النظام بكل قوة لطي الأنظار عن وصمة العار التي علقت في جبينه بشتى السبل المشروعة وغير المشروعة إلا أنه بعد مرور 94 شهرًا على المذبحة لا تزال الجريمة حية باقية لم تفارق مخيلات من عايشوها أو سمعوا عنها.

الرهان على الوقت بالنسبة للنظام يبدو أنه رهان خاسر، وهو ما أثبتته السنوات الماضية رغم فنون القمع والترهيب المستخدمة، فالجرائم لا تسقط بالتقادم طالما أن أصحاب الحقوق لا يكلون ولا يملون من المطالبة بالعدالة.

توثيق تلك الجرائم المصنفة حقوقيًا بأنها جرائم ضد الإنسانية حفاظا على بقائها لحين معاقبة المتسببين فيها، في مواجهة حملات الإبادة والتشويه المتعمد، قضية تفرض نفسها مع حلول الذكرى السابعة لها، فكيف للضحايا وذويهم الحفاظ على تلك الذكرى حية باقية في قلوب الجميع بعيدًا عن أيادي العبث السلطوية التي تهرول معصوبة العينين لاجتثاثها من جذورها؟

العدالة لا تزال غائبة

رغم ما تحمله المشاهد الخاصة بعملية الفض من وحشية وقسوة على ذوي الضحايا فإن الإفلات من العقاب وغياب العدالة طيلة كل تلك السنوات أكثر إيلاما وقسوة على قلوبهم، الألم يتعمق أكثر مع الإصرار على مواصلة نزيف الدماء عبر التصفيات الجسدية والقتل خارج السجون، بجانب ما يتعرض له المعتقلون داخل السجون.

وفي الوقت الذي كان يعول فيه الضحايا على العدالة لاسترداد حقوقهم المهدورة، وجدوا أنفسهم في قفص الاتهام، يواجهون ويلات التنكيل والسجن.

ربما فتح القضاء المصري تحقيقًا مؤقتًا في المجزرة، من خلال تشكيل لجنة تقصي حقائق أنشأها الرئيس المؤقت عدلي منصور في 2013، لكنها اللجنة التي شابها العوار، إذ تقصت حقائقها عبر ألسنة جلادي الضحايا، وعليه جاءت النتائج النهاية والتقارير الرسمية بالشكل المتوقع.

وفي ضوء تلك اللجنة الصورية المشكلة لم يقدم أي مسئول في الجهات التي شاركت في عملية الفض، سواء من الجيش أو الشرطة أو الأجهزة التنفيذية الحكومية، للعدالة، وعلى النقيض تمامًا تم توجيه الاتهامات للمعتصمين وقادة الاحتجاجات بدعوى أنهم السبب في شحن المشاركين وحث بعضهم على حمل السلاح في مواجهة قوات الأمن.

وهاهو العام السابع يحل على مجزرتي رابعة والنهضة، لتبقي السمة الأبرز على مدار تلك السنوات، غياب العدالة وفقدان بوصلة الأمل في تقديم أي من المتورطين لمحاكمة عادلة، فيما تم تحويل 1118 شخصًا من المعتصمين للمحاكمة، 739 من معتصمي رابعة و379 من معتصمي ميدان النهضة بتهمة التجمهر ومقاومة رجال الشرطة والقتل العمد، وصدرت أحكاما نهائية ضد العشرات منهم ما بين الإعدام والمؤبد والسجن المشدد، هذا بخلاف حرمان المحكوم عليهم من التصرف في أموالهم وأملاكهم وعزلهم من وظائفهم الحكومية ووضعهم تحت المراقبة.

 لا أمل في النظام الحالي

من الواضح أنه لا أمل في السلطات الحاكمة بشخوصها الحالية في تحريك المياه الراكدة نحو تحقيق العدالة الناجزة، فجميع الممارسات التي تمت منذ الفض وحتى اليوم تؤكد أن النظام الذي قام على أشلاء أول حراك مدني في تاريخ مصر، متخذًا من محاربة من أسماهم "المتطرفين" ذريعة لاستمرار وتبرير تواجده من الصعب أن يتراجع عن موقفه طواعية مهما كانت الضغوط.

الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي أصر مع الوهلة الأولى لتنصيبه في 2014 على التأكيد مجددًا على مشروعية جريمة الفض، لافتا في تصريحات له في 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2014: "مصر تخوض حرب وجود (..) الدولة كانت تعلم أن هذا (الإرهاب) سيحدث بعد 3 يوليو/ تموز (يقصد الإطاحة بمرسي) وكانت مستعدة لذلك".

وبعد 5 سنوات على تلك التصريحات أعاد إطلاق أخرى ليؤكد نفس النهج مرة أخرى، ففي 19 يناير/ كانون الثاني 2018، قال السيسي: "في هذه الفترة (عقب الإطاحة) كان تحرك عنيف وتعدٍ على قوات الأمن، وكان هناك بؤرتان (لفظ أمني يطلق على التجمعات الإجرامية) قائمتان (يقصد اعتصامي ميداني رابعة العدوية ونهضة مصر)، والتعامل معهما كان يستلزم زخم شعبي تم ونزل ملايين لذلك (التفويض)"، وأضاف :"في أعقاب فض رابعة والنهضة، كانوا (المعتصمون) مستعدين للمظلومية، ونشروا قتل 3 أو 4 آلاف، ومؤسسات الدولة كانت في وضع صعب لم تكن قادرة على مجابهة (تلك الأكاذيب)".

العديد من الإجراءات المتخذة بين الحين والأخر تثبت أن الوضع لن يتغير فيما يتعلق باسترداد حقوق ضحايا تلك المجازر، لعل أبرزها الإطاحة بالوزارة المسماة "العدالة الانتقالية" عام 2015، التي أنشئت خصيصًا للحصول حقوق المظلومين ومحاسبة الفسدة.

هذا بخلاف رفض مشروع القانون المقدم لتطبيق العدالة الانتقالية، والذي كان قد تقدم به حقوقيون قبل ذلك، إذ وصفه أسامة هيكل، رئيس لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب آنذاك، وزير الإعلام الحالي، بأنه خروجه للنور "مستحيل" مبررًا ذلك بأن "نص الدستور متضمن عمل مصالحة وطنية، والمقصود بها مصالحة (جماعة) الإخوان (المنتمي إليها مرسي)، وهو أمر لا يمكن تقبله في ظل العنف الممنهج من الإخوان".

الإصرار على تجنيب المتورطين في تلك الجرائم من المحاسبة تم شرعنته بصورة قانونية في 16 يوليو/تموز 2018 حين أقر البرلمان المصري "قانون معاملة بعض قادة الجيش" والذي يحظر التحقيق مع أي من أفراد الجيش بسبب فعل ارتُكب أثناء تأديتهم لمهامهم أو بسببها بين 3 يوليو/تموز 2013 و8 يونيو/تموز 2014 (منذ العزل وحتى بعد الفض) إلا بإذن من المجلس الأعلى للقوات المسلحة التي يرأسها حاليًا السيسي.

حقوقيون يرون أن تحريك المياه الراكدة في هذا الملف بات صعبًا في ظل وجود السلطات الحالية بشتى فروعها، رئاسة وبرلمان وقضاء، والتي تدافع بكل قوة عن عناصرها المتورطة في تلك الجرائم.. لكن يبقى السؤال: هل معنى ذلك أن القضية قد ماتت بشكل نهائي؟

3 مسارات لإبقاء القضية حية

رغم ضبابية المشهد وسوداوية تفاصيله إلا أن الزخم المصاحب للذكرى بين العام والأخر تؤكد أن القضية باقية رغم ما يعتريها من أعراض مرضية نتيجة التنكيل والضغط وتضييق الخناق، وهو ما توثقه ردود الفعل على منصات السوشيال ميديا والتي ترفع شعار "حق رابعة لن يضيع، رابعة الصمود".

شعارات تلخص رؤية ضحايا تلك المجازر والمتعاطفين معهم، وإيمانهم بأن "ما ضاع حق وراءه مطالب" ولأجل الإبقاء على هذه الشعلة مضيئة في نفوس المجتمع وذاكرته التاريخية، هناك ثلاث مسارات متوازية تتطلب العمل عليها بشكل مكثف للحفاظ على حالة الزخم دون إضعاف حتى تحقيق العدالة المطلوبة، طال وقت ذلك أم قصر.

المسار الأول: التجييش الإعلامي

هناك خطأ يقع فيه الكثير من المناصرين لتلك القضية يتعلق بعدم التعرض لها وتناقلها إعلاميًا إلا وقت ذكراها السنوية فقط، وهذا خطأ ربما يقتلها بالبطئ، وهو ما يتطلب إعادة النظر في تلك الاستراتيجية من أجل إحياءها في الذاكرة طيلة العام وليس في ذكراها فقط.

الأمر لا يتوقف فقط مع ذكرى الفض كل عام على إعادة نشر صور ومقاطع فيديو للأحداث، فلا بد أن تكون هناك منابر إعلامية مستمرة على مدار العام لمخاطبة الضمير العالمي وإيقاظ العقل المجتمعي المصري عبر بث الصور والمقاطع التي تكشف تفاصيل ما حدث.

المسار الثاني: التحرك الميداني

تشعب أنصار تلك القضية في عدد من دول العالم يسمح لهم بتعزيز حراكهم الميداني للتذكير بتلك القضية بين الحين والأخر، لاسيما بعد تراجع هذا المسار في مصر بصورة كلية بسبب التضييقات الأمنية المشددة.

هذا المسار من الممكن أن يثري الحراك خاصة أن أسماء كثيرة من شهود العيان على تلك المجازر لا تزال على قيد الحياة، الأمر الذي من الممكن أن يكون فعالا لتحريك القضية، في ضوء مساحات الحرية المسموح به في تلك الدول لإقامة مثل تلك الفعاليات.

المسار الثالث: اللجوء إلى القضاء

وهو المسار الأكثر حضورًا كما يراه البعض، ممن طالبوا بتدشين لجان حقوقية وقانونية متخصصة لإعداد ملفات كاملة عن المجزرة والانتهاكات التي تضمنتها وتقديمها للمحاكم الأجنبية والدولية من أجل القصاص.

ورغم أن القضاء لا يعمل بمعزل عن السياسة حتى في الدول المتقدمة وهو ما يفرض تحديات جسام أمام هذا المسار، لكن هذا لا يقلل أبدًا من قيمته وجدواه على المستوى البعيد، ويعزز المضي قدما في هذا الاتجاه العديد من الأنشطة والتحركات الأخرى، سياسية وإعلامية، من الممكن القيام بها، خاصة لو أن لدى أنصار هذا الفريق قيادات نشطة، قادرة على جمع الصفوف بقدر الإمكان، وقادرة على توظيف الطاقات، وتحسين القدرات، وترشيد النفقات، وتجاوز الخلافات، وفق ما ذهب الصحفي قطب العربي.

العربي في مقال له على "الجزيرة مباشر" يرى أن "أفضل عمل يمكن القيام به في الذكرى السابعة لمذبحة رابعة هو إطلاق مبادرة لجمع الشتات، وتوحيد الصف، واستعادة اللحمة، وبذلك يمكن بث روح جديدة قادرة على تفجير الطاقات وتوظيف الكفاءات، وتنشيط التحركات، وسيكون هذا هو الوفاء لدماء الشهداء ولعذابات المصابين والمشردين".

لا ينكر الصحفي المصري تراجع الاهتمام برابعة وضحاياها، بعيدًا عن النفي العاطفي الذي يردده أعضاء جماعة الإخوان بين الحين والأخر، غير أنه يرجع هذا التراجع إلى المصالح الدولية وضعف الإمكانيات اللازمة لاستمرار الزخم وليس كما يذهب أخرون بسبب الخوف من قمع النظام أو الانشغال بقضايا أخرى.

وفي النهاية تبقى مقولة "لا يضيع حق وراءه مطالب" حقيقة موثقة سجلتها صفحات التاريخ والتجارب الإنسانية، فقبل أيام قليلة أحيا العالم ذكرى مذبحة سربرنتسا في البوسنة والهرسك على يد المجرمين الصرب رغم مرور عشرات السنين عليها، فيما تم محاكمة مجرميها على رأسهم رادوفان كراديتش وسولبودان ميليوشفيتش وغيرهم.

كذلك إلقاء القبض على فيليسيان كابوغا أحد أبرز المتهمين في مذابح رواندا رغم مرور 26 عامًا عليها، هذا بخلاف محاكمة الرئيس التشادي السابق حسين حبري أمام محكمة خاصة أنشأها الاتحاد الأفريقي، بسبب الجرائم التي ارتكبها بحق شعبه خلال فترة حكمه بين عامي 1982 و1990 والتي أودى فيها بحياة أربعين ألف شخص.

العبرة ليست بصاحب الكلمة العليا اليوم، لكنها بمن يستطيع أن يبقي على قضيته متوهجة في صدور أنصارها مهما طال الزمن، موظفًا هذا التوهج إعلاميًا وسياسيًا وقضائيًا، بما يعيد الحق إلى أصحابه وينتصر للضحايا من جلاديهم، لاسيما وإن كانت تلك الجرائم تم توثيقها على مرأى ومسمع من الجميع.