يعيش الاقتصاد الجزائري منذ عقدين من الزمن في دوامة من الأزمات الهيكلية دمرت تقريبًا أغلب القطاعات في ظل غياب نظرة مستقبلية وهشاشة الإطار المؤسساتي خاصة في القطاع العام، وترسم المؤشرات المعلنة مؤخرًا صورًا مثيرة عن وضع التوازنات المالية المقلق، في الوقت الذي تُكافح فيه البلاد من أجل تحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي بعد الاضطرابات الذي شهدتها البلاد في 2019 التي أثرت في قطاع واسع من النشاطات الاقتصادية وأطالت من عمر حالة الركود، كذلك الحد من تداعيات جائحة كوفيد 19 التي زادت الطين بلة، حيث منيت الشركات المملوكة للدولة بخسائر تبلغ نحو مليار يورو.

آخر الأرقام بيّنت أن اقتصاد الجزائري انكمش بنسبة 3.9% في الربع الأول من العام الحالي، بعد نمو بنسبة 1.3% في نفس الفترة من عام 2019، ويعود ذلك أساسًا إلى إجراءات العزل العام التي اتخذتها السلطات جراء تفشي فيروس كورونا، وإلى أداء قطاع النفط والغاز الحيوي والذي عرف انكماشًا بدوره بنسبة 13.4% في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2020، أي ما يقرب من ضعف الانكماش الذي بلغ 7.1% قبل عام، وفقا للديوان الوطني للإحصائيات.

ويسهم النفط والغاز بـ60% من ميزانية الجزائر البلد العضو بمنظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) والمصدر للغاز، وكذلك بنسبة 93% من إجمالي عائدات التصدير، وهو ما يعني أن أي انخفاض حاد في أسعار النفط العالمية على شاكلة الفترة الممتدة بين عامي 2014 و2019، سيؤثر تلقائيًا وبشكل كبير على التوازنات المالية للبلد وسيعمق انخفاض الاستهلاك وتراجع الاستثمار.

المؤشرات التي كشفتها مؤسسات محلية، دعمتها التوقعات الأخيرة لصندوق النقد الدولي الذي أكّد أنّ الاقتصاد الجزائري سينكمش بنحو -5.2%، ليعاود النمّو من جديد في سنة 2021 بقرابة 6% مستفيدًا من حالة التعافي الاقتصادي وكذا التحسن في أسعار النفط.

في أرقام

- وصل عجز الميزانية إلى 19.97 %من الناتج المحلي الإجمالي في سنة 2020  مقارنة بـ9.32% (2019).

- من المتوقع أن يصل هذا العجز في سنة 2021 إلى 15.03%.

- بلغت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي 60.97% بعد أن كانت 46.26% في سنة 2019

- من المتوقع أن يصل هذا العجز إلى 65.83% في سنة 2021.

- من المتوقع أن يصل معدل البطالة خلال سنة 2020 إلى نحو 15.1 %.

- بلغ عجز الميزان التجاري الجزائري 1.5 مليار دولار أميركي خلال الربع الأول لسنة 2020 مقابل 1.19 مليار دولار في 2019 بارتفاع بلغ 26.21%.

الأسباب

- اعتماد شبه كلي على المحروقات في تحصيل العملة الصعبة.

- استيراد الجزائر لأكثر من 80% من غذائها ودوائها وموادها الأولية التي تستخدم في التصنيع (نحو 50 مليار دولار سنويًا).

- ضعف الدولة في التحصيل الضريبي الذي يزداد سنوياً ويقدر بحوالي 16000 مليار دينار جزائري أي أكثر من 100 مليار دولار.

- استمرار الدولة في الدعم الاجتماعي المفتوح لكل الشعب الجزائري على الرغم من وجود طبقة كبيرة من الأثرياء والمليارديرات الذي يستفيدون من دعم الدولة ولا يدفعون أي مقابل لذلك.

- البيروقراطية والفساد المعشش والمتأصل في مفاصل الدولة والذي وازدهر خلال العشريتين السابقتين.

- وجود قوى خارجية وإقليمية من مصلحتها إبقاء الاقتصاد الجزائري ضعيفًا وسوقًا كبيرًا لمنتجاتها وعلى رأسهم فرنسا، وذلك رغم دعوات السلطات الجديدة إلى إعادة النظر في الاتفاقيات الثنائية التي تجمع بينهما على غرار التبادل الحر.

 

خطر الاستدانة

خبراء ومراقبون حذّروا من أنّ تأخر السلطات الجزائرية في اتخاذ قرارات عاجلة وإجراء إصلاحات سيدخل الاقتصاد حتما مرحلة انكماش طويل الأمد وفي مرحلة ثانية سيجبرها على اللجوء إلى الاستدانة الخارجية، وهو سيناريو يُحاول الحكام الجدد للجزائر تفاديه خاصة وأنّ الجزائريين يحتفظون بذكريات مؤلمة جراء لجوئها عام 1994 إلى صندوق النقد الدولي.

يعرف عن المؤسسات المالية الدولية المقرضة شروطها المجحفة وإجراءاتها القاسية التي تُطالب بها الدول المعنية وعلى رأسها دهس سيادة الدولة وإلغاء الجانب الاجتماعي في منوال التنمية المستدام، كما يُعرف أيضًا عن الدول في مثل وضعية الجزائر وخاصة العربية، عدم إحسانها التصرف في مثل هذه القروض، فإذا غابت السرقة والاختلاسات حضر استهلاك الأموال في تزيين عيوب الحكم وفي تغطية نفقات التسيير وأجور الموظفين بنسبة تزيد عن 70% من القيمة الإجمالية للقرض مما يجعلها "تُدمن على الاستدانة" وبالتالي التخلي عن مشروعها في إرساء منظومة اقتصادية متطورة ومستقلة في آن واحد.

في غضون ذلك، ورغم أنّ مشكلة القروض الخارجية تلقي بظلالها على المؤسسات الكبرى الجزائرية، إلاّ أنّ غياب الرؤية الشاملة لإرساء منوال تنموي حقيقي، دفعت ببعض المسؤولين إلى دراسة إلغاء قاعدة الاستثمار 51/49، وهو ما يعني تسليم القلب الاقتصادي النابض للجزائر إلى الأجانب والإبقاء على الفجوة التجارية وتوسيعها مع العمالقة الأوروبيين والأمريكيين وكذلك الصينيين، فالبلد الإفريقي لا يملك ما يؤهله لمنافسة هذه الأقطاب، لذلك فإنّ أي خطوة في فتح الاستثمار على مصرعيه أمام الخارج يتطلب دراسات شاملة وجدية تضمن للبلاد وسائل النهوض والتنمية وتحصيل التكنولوجيا وتنويع مصادر الإنتاج ورافعاته.

الصيرفة الإسلامية بديلًا

لمواجهة الأزمة المتعددة الأبعاد، أعدت الحكومة الجزائرية خطة لإنعاش الاقتصاد، وقررت في بداية مايو (أيار) الماضي خفض ميزانية تسيير الدولة إلى النصف، كما أقرت في قانون المالية التكميلي لسنة 2020، انخفاضًا لإيرادات الميزانية إلى نحو 38 مليار يورو، مقابل 44 مليار يورو كانت متوقعة في الميزانية الأصلية، إضافة إلى إرجاء مشروعات استثمارية، لكن يبدو أنّ هذه الخطوات كانت غير كافية لإعادة التوازنات المالية، لذلك التجأت الجزائر إلى الصيرفة الإسلامية كحل لتوفير السيولة وإحداث ديناميكية للحد من حالة الركود.

في إجراء تستهدف من خلاله تحسين استقطاب الأموال والودائع اعتقاداً أن العامل الديني هو أحد الحواجز التي تجعل من نسبة الودائع ضعيفة في الجزائر، طرح البنك الوطني (المركزي) منذ أيام في الأسواق، 9 منتجات مالية وافقت عليها وزارة الشؤون الدينية، وذلك بعد أن كان المصرفي البركة والسلام (البحرين) المختصين في الصيرفة الإسلامية يعملان على تقديم الخدمة حصرًا منذ سنوات.

الحكومة تُرجح أن تُمكنها الصيرفة الإسلامية من استقطاب جزء هام من الأموال المتداولة في السوق الموازية وتمويل الاقتصاد، بعيدا عن القنوات الرسمية، حيث تقدر قيمة السوق الموازية في الجزائر بأكثر من 40 مليار دولار، وفق بيانات رسمية، فيما يرى مراقبون أن الرقم يتجاوز 60 مليار دولار، كما تُفكر السلطات إصدار سندات قروض إسلامية أسمتها "صكوك"، وذلك بعد أن أنشأت مطلع العام الجاري سلطة مرجعية هي "الهيئة الشرعية الوطنية للإفتاء للصناعة المالية الإسلامية"، لتشرف على القطاع وتمنح شهادة مطابقة للشريعة الإسلامية.

في مقابل ذلك، صحيح أنّ الصيرفة الإسلامية تُعد آلية قادرة على تحسين المعروض من المنتجات، وتوفير الحلول المالية للمواطنين الذين لهم حواجز عقائدية، لكنه على المستوى العام أي من منظور مالية الدولة لن يحل بصفة كافية مشكلة ضعف الودائع التي يُمكن إرجاعها إلى أسباب أخرى منها البيروقراطية الإدارية الثقيلة التي تنخر بنوك القطاع العام وتعمل ضد مقتضيات المردودية والنجاعة الاقتصادية.

حلول أخرى

- التوجه نحو تحصيل الجباية الغير محصلة منذ فترة طويلة والمقدرة ما بين 12000 و16000 مليار دينار جزائري.

- استرجاع أموال البنوك الغير مسددة والغير مستردة للبنوك والمقدرة بنحو 8000 مليار دينار جزائري.

- تخفيض معدلات الفائدة، مع استقطاب الأموال المتداولة في القطاع غير الرسمي.

- سن إجراءات الجريئة والقوية لمنع المناولة في قطاع مكاتب الدراسات التي كانت تهضم أموال كبيرة بالعملة الصعب.

- تقنين الاستيراد والاقتصار فقط على استراد المواد الغذائية والمواد الغير منتجة محليا لحماية المنتج الجزائري وتقليص فاتورة الاستيراد.

- إرساء نظام اقتصادي جديد يعتمد على سواعد وعقول الجزائريين.

- الاعتماد على الفلاحة وصناعة نوعية واستغلال ثروات البلاد غير المستغلة.

- الاعتماد على موارد البلاد غير البترول.

 

إلى ذلك، يُمكن القول إنّ الجزائر التي يرتكز اقتصادها بشكل حصري تقريبًا على استغلال احتياطيات النفط والغاز تعيش حالة ما يُسمى بالمتلازمة الهولاندية وهو "مرض اقتصادي" يصيب معظم البلدان المنتجة للنفط، مثل فنزويلا التي لديها 12.2 مليار برميل من النفط القابل للاستغلال، ومثل الجزائر التي تعد من بين أكبر عشرين مصدرًا عالميا للذهب الأسود، وبالتالي فإنّ عدم تشغيل رافعات النمو الأخرى (صناعة فلاحة سياحة) سيحول دون خروجها من الأزمة الاقتصادية المعقدة ومن ردم الفجوة بينها وبين شركائها وخاصة منهم الأوروبيين.

أخيرًا، يقف الاقتصاد الجزائري الآن جدار صلب لا تنفع معه الحلول الترقيعية أو الظرفية، فهو يحتاج إلى إجراءات أكثر صرامة من حكومة مدفوعة بقرار سياسي لإعداد أرضية ملائمة مؤلفة من نوعية مؤسساتية قوية ومبادئ الحوكمة الرشيدة التي ستقود بدورها إلى تجسيد كل الإصلاحات الاقتصادية على أرض الواقع من أجل خلق استثمارات ذات نجاعة.