شكل العراق حالة أرق في وسائل الإعلام الأمريكية، خصوصًا بعد الانسحاب الأمريكي من العراق عام 2011، إذ تنظر وسائل الإعلام الأمريكية إلى الحالة العراقية بأنها مستعصية على الحل، ومرد ذلك إلى كثرة المتغيرات الفاعلة في الساحة العراقية، منها ما هو جزء من هيكل النظام السياسي، ومنها ما هو قادم من خارج الحدود، وبما أن الإدارة الأمريكية تنظر إلى العراق كحالة وازنة مع الجانب الإيراني، فإنها لم تعد تنظر إلى العراق إلا بالإطار الذي يتعلق بمواجهة إيران في الشرق الأوسط.

أثبتت التحديات المعقدة التي عانى منها العراق خلال الفترة الماضية، وخصوصًا ما يتعلق بالحفاظ على السيادة الوطنية وإدارة لعبة التوازن بين إيران والولايات المتحدة وكبح جماح التهديدات المتصاعدة لتنظيم داعش والدور المقلق للفصائل الولائية المرتبطة بإيران، عظم هذه الأزمات، وقد شكلت أسباب رئيسة لحكومة مصطفى الكاظمي بالتوجه نحو الولايات المتحدة، من أجل تصحيح العديد منها، عبر الحصول على التزامات أمريكية واضحة بالدعم والمساعدة.

تنظر الولايات المتحدة أن نجاحها في التوصل إلى تفاهمات واضحة وعامة مع الجانب العراقي عبر زيارة الكاظمي لواشنطن الشهر الحاليّ، تمثل أهمية كبيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في التخلص من أحد الملفات المعقدة في السباق الرئاسي القادم، خصوصًا أن خصمه المرشح الديمقراطي جو بايدن، أعلن أكثر من مرة بأن الولايات المتحدة أخطأت في الحرب على العراق، وهذا ما يبدو توجهًا جديدًا لتكرار سيناريو الانسحاب مرة أخرى، كما فعل الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما عندما كان بايدن نائبًا له.

حاجات عراقية

يدرك العراق أنه لا بد من التوصل إلى حالة إستراتيجية مستقرة مع الولايات المتحدة، وهذا الاستقرار بدوره نابع من طبيعة الإشكالات الإستراتيجية التي عانت منها البيئة العراقية منذ بروز تهديدات تنظيم داعش في يونيو 2014، ومن ثم الصعود الكبير للفصائل المسلحة المقربة من إيران، وتصاعد التظاهرات الاحتجاجية في العراق، واغتيال قائد قوة القدس قاسم سليماني، والفشل السياسي والاقتصادي الكبير الذي صاحب التأخير في تشكيل الحكومة العراقية، بعد استقالة حكومة السيد عادل عبد المهدي في مطلع ديسمبر 2019، وعلى الرغم من نجاح الكاظمي في تشكيل حكومته في 6 من مايو 2020، فإن هذا التأخير سيلقي بظلاله على قدرة العراق السياسية على تجاوز الضغوط الحاليّة، قبل التوجه للانتخابات المبكرة التي أعلنها الكاظمي في يونيو/حزيران المقبل.

تُدرك الولايات المتحدة أن الحصول على التزامات مهمة وواسعة من الكاظمي، قد تشكل مدخلًا لدور أمريكي أكثر فاعلية في الساحة العراقية

إن النظرة الإستراتيجية المتعددة الخيارات والأبعاد، توحي للوهلة الأولى بأن مسارات الحوار العراقي الأمريكي لن تخلو من الموانع الإستراتيجية الحرجة، بعضها متوقع والآخر غير ذلك، ولهذا قد تشهد زيارة الكاظمي، حالة من تبادل الأفعال وردود الفعل، بين العراق والولايات المتحدة من جهة، والأطراف الإقليمية والدولية من جهة أخرى، بسبب مركزية الحالة العراقية في البيئتين الإقليمية والدولية، وعلى هذا الأساس فإن المرحلة المقبلة، ستكون حاسمة في تقرير المستقبل الذي سينتظر العلاقات العراقية الأمريكية.

فالمقاربات السياسية والإستراتيجية المعقدة التي تنتظر نتائج زيارة الكاظمي، ستكون واضحة في التحكم بمساراته، وعليه فإن الطرفين مطالبان بإيجاد حوافز نجاح من جهة وتقليل معوقات الفشل من جهة أخرى، إذا أراد العراق أن يحقق ضروراته الوطنية، والولايات المتحدة حماية مصالحها وأهدافها.

يحتاج العراق إلى إستراتيجية جديدة لبناء قوات عسكرية كبيرة وقوية، بما يكفي لمواجهة التحديات الأمنية النابعة من تنظيم داعش، ومن عدم حصر السلاح بيد الدولة، ومن ثم فإن زيارة الكاظمي لواشنطن، يمكن أن تشكل مدخلًا لإعادة تقييم العلاقات الأمنية بين العراق والولايات المتحدة، بحيث تؤدي الولايات المتحدة دورًا حاسمًا في إعادة بناء قدراته العسكرية والأمنية التي استُنزفت خلال الحرب ضد داعش، ولا شك في أن عملية تطوير القدرات العسكرية العراقية سيصيبها الشلل فيما لو قررت الولايات المتحدة الانسحاب في أي وقت من الأوقات، دون أن يكون هناك التزام إستراتيجي يربط علاقاتها بالعراق.

الولايات المتحدة أيضًا

تُدرك الولايات المتحدة بأن الحصول على التزامات مهمة وواسعة من الكاظمي، قد يشكل مدخلًا لدور أمريكي أكثر فاعلية في الساحة العراقية، خصوصًا الالتزامات المتعلقة بسلامة قواتها العسكرية الموجودة في العراق وتأمين المصالح الأمريكية من أي تهديدات مستقبلية قد تصدر عن إيران وحلفائها في العراق، والأكثر من ذلك كله، تُدرك الولايات المتحدة أهمية الضغط على العراق لإيجاد بديل لموارد الطاقة التي يحتاجها بدلًا من إيران، إذ إن استمرار استيراد العراق للطاقة من إيران، حجّم كثيرًا فاعلية سياسة العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران، وهو ما استغلته إيران وتحاول الإبقاء عليه خلال الفترة المقبلة.

كما أن التهديدات الجديدة التي فرضتها عودة هجمات تنظيم داعش في الآونة الأخيرة، جعلت الولايات المتحدة تفكر في التداعيات المستقبلية لهذه الهجمات، خصوصًا في ظل ظروف هيأت للتنظيم العودة مجددًا، فالوضع الصحي المعقد الذي يعيشه العراق اليوم، ويأتي مترافقًا مع أزمة اقتصادية نتيجة هبوط أسعار النفط، إلى جانب الصراعات الهيكلية التي يعيشها الحشد الشعبي (بين الفصائل الولائية وحشد العتبات)، جعلت البيئة العراقية الراهنة هشة أمنيًا، لذلك تتطلع الولايات المتحدة إلى التوصل لاتفاق جديد مع العراق عبر زيارة الكاظمي لواشنطن، أو إيجاد ترتيبات أمنية جديدة. 

وحتى لو تمخضت الزيارة المرتقبة للكاظمي عن وضع أسس حقيقية لعلاقات إستراتيجية متوازنة بين واشنطن وبغداد، فإن العراق سيظل مطالبًا بتحمل المسؤولية الأساسية عن إصلاح عمليته السياسية واقتصاده المتأزم ووضعه الأمني الهش، ويتعين عليه أن يدرك أن المساعدات الخارجية (الأمريكية والدولية) ستكون محدودة في عالم ما بعد كورونا، على اعتبار أن أغلب دول العالم ستركز على إنقاذ اقتصاداتها من الركود، بسبب تداعيات وتأثيرات وديناميات الجائحة، وهو ما يزيد من عدد كوابح النجاح التي يمكن أن تقف بوجه زيارة الكاظمي لواشنطن.