يعود الفضل في ابتكار وتطوير "علم البصريات" الحاليّ للعالم المسلم الحسن ابن الهيثم في القرن العاشر الميلادي، وتم ابتكار أول نظارة مساعدة للرؤية في منتصف القرن الثالث عشر في إيطاليا، ومنذ تلك الفترة إلى اليوم كان التطوير يشمل مظهر النظارات من حيث نوعية الإطار وتصميمه إلى نوع العدسة من حيث كونها مصنوعة من الزجاج أو البلاستيك مع بقاء المضمون على حاله.

لكن بعد 10 قرون من ابتكار ابن الهيثم للعدسات و8 قرون من ابتكار أول نظارة، طورت شركة "جوجل" وتحديدًا في 2013 أول نظارة فيها تحديث للمضمون، فبدلًا من أن تكون مساعدة للرؤية، تضمنت شاشة عرض رقمية، لتعلن "جوجل" من خلالها بدء عصر النظارات الذكية "Smart Glasses".

ما النظارات الذكية؟ ولماذا هذا الاهتمام بها؟

ببساطة تُعرف النظارات الذكية على أنها نظارات تملك قدرات حاسوب يمكن ارتداؤها، تزود مستخدمها بشتى المعلومات كما لو كان يستخدم حاسوبًا أو هاتفًا ذكيًا، كما تُعرف في بعض الأحيان بأنها نظارات قادرة على تغيير خصائصها البصرية في وقت التشغيل.

يجري تركيب المعلومات على العدسات التي تكون كشاشة عرض مدمجة، وتتمتع هذه الأنظمة بالقدرة على عكس الصور الرقمية المسقطة بالإضافة إلى السماح للمستخدم بالرؤية من خلالها، ومن خلال أذرع النظارة التي تكون مزودة بأجهزة دقيقة، تساعد العدسات الأمامية على العمل بكل مهام الهاتف الذكي. 

لا يحتاج استخدام بعضها إلى اليدين بل إلى الأوامر الصوتية، بينما يستخدم البعض الآخر أزرار اللمس. 

النظارات تجمع المعلومات من أجهزة استشعار داخلية أو خارجية، وقد تتحكم أو تسترجع البيانات من أدوات أو أجهزة حاسب أخرى عبر التقنيات اللاسلكية مثل Bluetooth وWifi. 

أيضًا يمكن للنظارات الذكية عرض المعلومات بصريًا أمام عينيك من خلال الأوامر الصوتية، تحصل على الإرشادات والإشعارات والإجابات عن أسئلتك في شكل صوتي، الإرسال والرد على الرسائل والمكالمات الهاتفية والتقاط الصور ومقاطع الفيديو، وغيرها من التطبيقات الأخرى التي يتم القيام بها على الهواتف الذكية.

يتمثل الغرض الأساسي من النظارات الذكية في وضع المحتوى الذي يتم إنشاؤه بواسطة الحاسب في مجال رؤية المستخدم، ويتضمن هذا المحتوى الواقع المعزز والواقع المختلط والواقع الافتراضي ومقاطع فيديو 360 درجة، وبدلًا من النظر إلى شاشة مستطيلة، سنرى كلمات وصور وكائنات وبيئات افتراضية بمجرد النظر من حولنا.

رغم مزايا النظارات الذكية، فإن العائق الأبرز في عدم انتشارها وشيوعها حالها حال الجوال عند بدء ابتكاره هو التكلفة الكبيرة لتصنيعها، فعلى سبيل المثال عند طرح أول نظارة من شركة "eSight" الأمريكية كانت تبلغ قيمتها في الأسواق 10 آلاف دولار، ثم انخفض سعرها إلى 600 دولار، وهو مبلغ كبير جدًا مقارنة بأسعار الجوالات من الفئة المتوسطة مثلًا.

استخدامات النظارة الذكية في المجال الأمني والصحي

بسبب التكلفة العالية اقتصر استخدام النظارات الذكية على مستوى المؤسسات والشركات أو لاستخدامات خاصة أكثر من استخدامها العام.

في عام 2018، استخدمت الشرطة الصينية في تشنغتشو وبكين النظارات الذكية لالتقاط الصور التي يتم مقارنتها بقاعدة بيانات الحكومة باستخدام التعرف على الوجه للتعرف على المشتبه بهم وتتبعهم.

كما تم استخدام النظارات الذكية لموجهي الطائرة دون طيار، إذ تسمح النظارة الذكية للموجه من طراز Moverio BT-300FPV برؤية ما تراه الطائرة دون طيار بالضبط، إذ تعرض شاشة شفافة مشاهدة موجز فيديو الطائرة دون طيار، وكذلك مراقبة إحصاءات الرحلة، كل ذلك مع إبقاء الطائرة دون طيار في الأفق. 

photo

في المجال الصحي تستخدم النظارات الذكية، في تتبع اللياقة البدنية لحساب الخطوات والمسافة المقطوعة والدقائق النشطة بشكل عام والسعرات الحرارية المحروقة. 

كما طورت بعض الشركات مثل eSight نظارات ذكية للمعاقين بصريًا تستخدم كاميرات عالية الدقة لتسجيل ونقل اللقطات في الوقت الفعلي إلى الشاشات داخل النظارات الموجودة في مكان قريب جدًا من أعين المستخدمين، فيسمح التصميم المدمج لنظارات eSight الذكية للمعاقين بصريًا بالرؤية.

أيضًا، تعاونت شركة هولندية ناشئة مع Google Glass لإنشاء مجموعة من النظارات التي تعمل بالذكاء الاصطناعي وتساعد المكفوفين وضعاف البصر على الرؤية.

تستخرج النظارات المعلومات المرئية من صور الأشخاص والممتلكات ووسائل النقل العام، ثم تنقلها للكفيف بصيغة صوتية، كما يمكنها قراءة نصوص من الكتب بأكثر من 60 لغة وتسمية الأصدقاء من خلال تحليل وجوههم ووصف البيئة المحيطة مثل لافتات القطارات ومخاطر الشوارع.

سباق الشركات نحو النظارات الذكية يهدد الهواتف الذكية

منذ أن أطلقت جوجل أول نسخة من النظارات الذكية عام 2013، والشركات تخوض سباقًا محمومًا للظفر بإطلاق أول نظارة تجمع بين المواصفات العالية والسعر المناسب والمظهر الأنيق.

وبما أن تلك النظارات سيرتديها الأشخاص دومًا، لذا استلزم الأمر أن تكون أنيقة ومناسبة للارتداء في المواقف الاجتماعية كافة وفي أي مكان يذهبون إليه، وإذا استطاعت إحدى تلك الشركات تحقيق النجاح في الوصول لتلك النظارات، فهذا يعني أنها ستصبح على القمة بحصد الأرباح العالية، وفيما يلي استقراء لمدى تقدم تلك الشركات في سعيها لإنتاج مثل هذه النظارات التي من المتوقع أن تحل محل الهواتف الذكية في المستقبل القريب:

جوجل Google

photo

تعمل جوجل حاليًّا على التركيز في إنتاج تطبيقات تدعم الواقع المعزز أكثر منطقيةً، وتعتمد على نظام التشغيل أندرويد، ويبدو أنها تستهدف إنشاء مكتبة من التطبيقات التي يمكن استخدامها في يوم ما في نظارات جوجل في الإصدارات الأكثر تطورًا.

ومن أشهر التطبيقات التي توليها جوجل اهتمامًا، خرائط جوجل، التي بها مميزات تراكم المعلومات، ما يجعلها أكثر فائدة عند استخدامها على النظارات، فتطبيق الخرائط من جوجل يعرض اتجاهات المشي ويحدد متى يمكن أن ينعطف الشخص بشكل دقيق، وصولًا إلى وجهته.

مايكروسوفت Microsoft

photo

عملت مايكروسوفت على إنتاج نظارة معدلة من النظارة الأصلية HoloLens2، وحاليًّا يجربها الجيش الأمريكي، تلك النسخة المعدلة التي أطلق عليها اسم IVAS، تستطيع تحديد أماكن الجنود الذين يرتدون تلك النظارة، وأيضًا تحديد أماكن الأعداء في شكل صورة طبقية، يتم تركيبها فوق المشهد الذي يراه الجندي، كما أن للنظارة المقدرة على تسجيل الأحداث بحيث يستطيع الجنود المتدربون استرجاع فترات تدريبهم لتقييم أدائهم في ساحة التدريب.

سناب شات Snap

photo

أعلنت شركة سناب المالكة لتطبيق سناب شات الشهير عن نظارتها الجديدة Spectacles 3، بسعر 380 دولارًا، ويستطيع من خلالها المستخدم أن يلتقط مقاطع فيديو للعالم المحيط من حوله، ثم يضيف تأثيرات الواقع المعزز AR لتلك المقاطع داخل تطبيق سناب شات. 

فيسبوك Facebook

photo

فيسبوك أيضًا لم تغب عن ذلك السباق المشتعل لإنتاج نظارات ذكية تدعم تقنية الواقع المعزز، فنقلًا عن شبكة CNBC، أبرمت فيسبوك شراكة مع شركة Luxottica، الشركة الأم للعلامة التجارية ريبان، لإنتاج وتطوير نظارات ذكية تدعم الواقع المعزز وتكون صغيرة الحجم.

ومن المنتظر أن ترى تلك النظارات النور بحلول عام 2023، وسيطلق عليها اسم Orion، وسيتم تصميمها لكي تكون قادرة على تلقي المكالمات والسماح للمستخدمين ببث مقاطع الفيديو لأصدقائهم. 

عززت فيسبوك نظارتها بمجموعة تطبيقات تناسب الواقع المعزز أطلق عليها اسم Spark AR، وهي تستخدم لإضافة تأثيرات داخل محادثات الفيديو، ويمكن لتلك الأدوات دمجها في نظارات فيسبوك الذكية، التي من المنتظر أن تكون صغيرة الحجم وجذابة لقاعدة المستخدمين الهائلة التي تضم 2.45 مليار مستخدم نشط شهريًا، لا سيما إن كان سعرها منخفضًا وفي متناول اليد.

آبل Apple

photo

تم الإعلان عن إطلاق نظارة آبل الذكية في 2020، لكنها ستكون في حجم كبير نوعًا ما، وتعمل على إصدار نسخة أحدث وأصغر حجمًا في 2023، الذي ينتظر أن يكون أكثر جاذبية وقابلية للارتداء في أي مكان، وليس داخل المنزل فقط.

تنتهج آبل ذات الإستراتيجية التي تنتهجها جوجل، في بناء مكتبة كبيرة من التطبيقات التي تستخدم تقنية الواقع المعزز، وأضافت تلك الميزة لأجهزتها المختلفة مثل الآيفون والآيباد، في محاولة لتعليم الناس المزيد عن هذه التكنولوجيا.

أمازون Amazon

photo

تتحفظ أمازون بشأن الحديث عن نظاراتها المدعمة بتقنية الواقع المعزز، لكنها أعلنت في سبتمبر الماضي عن نظارات Echo Frames التي تشبه إلى حد كبير النظارات العادية، لكنها تمتلك نظامًا صوتيًا يسمح لمرتديها بالتفاعل مع المساعد الصوتي الخاص بها أليكسا، تقوم Echo Frames بإخبار المستخدم عن آخر الأخبار وأحوال الطقس، وتسمح بإجراء المكالمات الهاتفية للأسماء المدرجة في قائمة الاتصال، وغير ذلك من مختلف المهام التي يمكن أن يؤديها Amazon Echo.

من المنتظر إضافة تقنيات الواقع المعزز التي تتيح للمستخدم مشاهدة مقاطع الفيديو والأفلام والبرامج التليفزيونية، وأيضًا إمكانية التسوق من موقع أمازون دون الحاجة لاستخدام الهاتف.

مخاوف الخصوصية والاختراق

أعرب بعض الخبراء التقنيين عن مخاوفهم من انتشار النظارات الذكية، ووضعوا لذلك بعض التخمينات الواردة الحدوث، فمثلًا قد تنتهك النظارات الذكية الخصوصية والسرية، للآخرين في الأماكن العامة وتسجيل الأشخاص دون إذن منهم. 

يشعر المدافعون عن الخصوصية بالقلق من أن الأشخاص الذين يرتدون هذه النظارات قد يتمكنون من التعرف على الغرباء في الأماكن العامة باستخدام التعرف على الوجه أو تسجيل المحادثات الخاصة وبثها خلسة.

وقد أثيرت مخاوف بشأن خصوصية وأمن مستخدمي Google Glass في حالة سرقة الجهاز أو فقده، وهي مشكلة أثارتها لجنة بالكونغرس الأمريكي، كجزء من ردها على اللجنة الحكومية.

من جانبها صرحت Google في أوائل شهر يوليو بأنها تعمل على نظام قفل وزيادة الوعي بقدرة المستخدمين على إعادة تعيين Google Glass عن بُعد من واجهة الويب في حالة فقدها. 

أثيرت أيضًا مخاوف التجسس وفقًا للتشريعات لبعض دول العالم، التي تحظر استخدام أدوات التجسس التي يمكنها تسجيل الفيديو أو الصوت أو التقاط الصور بطريقة غير واضحة. 

بالمحصلة، ما تزال فكرة النظارات الذكية عصية على التقبل على نطاق واسع من قبل المستخدمين، ولم تجد طريقها لانتشار يجعلها تنافس الهواتف أو حتى الساعات والسوارات الذكية، لكن الجهود التي تبذلها كبريات الشركات التكنولوجية قد تسفر عن ابتكار يغيّر حياتنا، كما غيرتها الهواتف الذكية.