في الـ26 من أغسطس/آب الحالي، بدأت روسيا في إجراء الاختبارات السريرية (المرحلة الثانية) لعقارها الذي ادعت أنه فعال تمامًا في القضاء على فيروس كوفيد 19 المستجد، وأقدمت روسيا على خطوة إعلان فعالية اللقاح رغم أنه لم يُجرب إلا على عشرات الأشخاص فقط، وتعتبر الخطوة في الأوساط العلمية والطبية متعجلةً للغاية كونها قفزًا على بروتوكولات البحث العلمي، كما أنها تعتبر لدى العديدين خطوةً ضمن السباق الروسي الأمريكي ذي الجذور العميقة في التاريخ الحديث.

في المقابل يجد ترامب نفسه في وضع حرج، حيث صاحبت إدارته للأزمة الصحية عدد من الأخطاء التي سيكون لها أثر بالغ في حملته الانتخابية المقبلة.

ترامب.. الاستيعاب ببطء

في الأسابيع والأشهر الأولى من الجائحة العالمية كوفيد 19 مثل رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب صورة غاية في الاستهزاء بالجائحة التي أرهبت العالم، ونظير ذلك قابلته الأجهزة الإعلامية الناقمة عليه بحملة انتقادات واسعة، جراء عدم جديته وتقليله من مخاطر الفيروس المستجد، وربما يعود ذلك لطبيعة شخصية الرئيس الأمريكي ومخاوفه المتعاظمة تجاه التمدد المناوئ له ولأطروحاته السياسية.

تعاطت الوسائل الإعلامية مع هذا التقليل مقاربة مع طبيعة شخصية الرئيس الأمريكي ذات النزعات الشعبوية، لكن يبدو أن الأمر يخفي أبعد من ذلك، فربما لن يقبل الرئيس الأمريكي أن يصدر كل هذا الخوف والهلع في العالم جراء حدث تنسب نشأته لعدوه اللدود "الصين"، مذكرًا إياه بهلعه الشخصي من الدولة التي أضحت خطرًا ماثلًا عليه وعلى أمريكا في عدد من الجوانب السياسية والشخصية بالنسبة لترامب ودولته.

بعد مرور عدة أشهر من الجائحة، وبعدما أطلق ترامب عددًا من المزاعم التي فندتها مواقع إعلامية وصحفية، بدأ الرئيس الأمريكي أكثر استيعابًا لوقع الجائحة، فبعد أن ظهر في عددٍ من المرات غير متقيدٍ بالإجراءات الاحترازية، مستهزأً في مرة بضرورة الفحص الشخصي الدوري له، ومتحدثًا في أخرى عن فعالية الكورلوكين المفندة طبيًا، بدا ترامب مؤخرًا أكثر جدية في التعاطي مع الجائحة، بلغ ذروة انفعاله النفسي في الفيديو الشهير المتداول: "Ask China" في رده بشكلٍ فظ على صحفية وضعته مباشرة أمام مخاوفه وهي تسأله لماذا تمثل لك الجائحة تنافسًا عالميًا.

وبعد أن كانت معظم الأنظار تتجه للولايات المتحدة الأمريكية في انتظار خلاص من هذه الجائحة التي أرعبت العالم أكثر من ثمانية أشهر، بانتظارها لنتائج عقار الريديسيفير الذي أثبت فعالية محدودة حتى الآن، أطل بوتين بملامحه الماكرة ليعلن للعالم أن "الشفاء بيد روسيا" في مفاجأة أربكت العالم وأثارت اللغط في عدد من الجوانب.

ماذا تقول روسيا عن اللقاح؟

ضمن ما أسمته "محاربة الحملة الإعلامية المضللة"، أطلقت روسيا في وقت متأخر نهاية الأسبوع الماضي، موقعًا إلكترونيًا متعدد اللغات خاص باللقاح الجديد، تشرح فيه عددًا من المسائل الموضحة لطريقة عمله، وبحسب الموقع، فإن اللقاح يستخدم طريقة مبتكرة وهي تصنيع لقاحات عبر تقنية "النواقل"، مستشهدًا بفعالية الطريقة وأمانها حسب لقاحات أخرى أنتجتها جهات روسية.

كما أن بوتين زعم عبر وسائل إعلامية أن ابنته أخذت جرعات من اللقاح، مؤكدًا أنها لم تصب بأي أذى سوى ارتفاع طفيف في درجات الحرارة ومن ثم عادت لطبيعتها، ويذكر الموقع، ضمن محاولة ترويجه للقاح الجديد، أن أكثر من 20 دولة طلبت مسبقًا اللقاح حتى قبل إجازته وتصنيعه.

في المقابل أشار إيان جونز، أستاذ علم الفيروسات بجامعة ريدينغ البريطانية، إلى أن وجود "لقاح ضعيف أسوأ من عدم وجود لقاح من الأساس"، مشيرًا بذلك إلى الخطورة المتوقعة في حال فشل اللقاح في القضاء تمامًا على الفيروس المستجد، مما قد ينتج سلالة أشد فتكًا وتهديدًا للمناعة البشرية، كما حذرت أربع دول على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية من استخدام اللقاح الروسي، بالإضافة إلى كل من إسبانيا وفرنسا وألمانيا.

روسيا: نخلط العلم لاستعادة أمجادنا.. لن نخفي ذلك

رغم أن الذاكرة العلمية الروسية، شهدت منتصف القرن الماضي في خمسينياته، واحدة من أبرز التجارب التي أضحت تمثيلًا لخطورة خلط العلم بالأيدولوجيا والسياسة، فيما عُرف بالليسينكووية، فإنها لم تتوان أن تطلق على اللقاح المزعوم مسمى "Sputnik V" تيمنًا بتفوق الاتحاد السوفيتي آنذاك في إطلاق أول قمر صناعي "Sputnik 1" إلى الفضاء من كوكب الأرض، متفوقًا في ذلك الوقت على الولايات المتحدة التي كانت تسعى جاهدة لتحظى بالأسبقية.

ورغم الدلالة السياسية الأيدولوجية الواضحة للمسمى، لم تمنع ذاكرة روسيا صاحبة التجربة الشهيرة لأبحاث عالم زراعي يدعى تروفيم ليسينكو، الذي قربه ودعمه الحزب الشيوعي آنذاك في أبحاثه العلمية ذات الطابع الأيدولوجي المناوئ للكشوفات العلمية الغربية وقتها، الذي بسبب مزاعمه وافتراضاته غير العلمية، وأبحاث تدعي "تربية" النباتات لتنبت في فصول غير فصولها، ففي الثلاثينيات من القرن الماضي جاع ومات الآلاف بسبب تصديقهم وتبني حكومات عدد من دول الاتحاد السوفييتي، بالإضافة للصين صاحبة التوجه الشيوعي، لنظريات ليسينكو التي أثبتت فشلها بعد تطبيقها من دون إجراء التجارب اللازمة لتأكيد الفرضيات المزعومة.

ورغم أن اللقاح الذي أعلنه بوتين في الـ11 من أغسطس/آب الحاليّ، كان لتوه قد اجتاز المرحلة الأولى من المراحل السريرية لتطوير اللقاحات، التي لا تعتبر كافية لاعتماده، اعتبر بوتين ذلك كافيًا للقول في إعلانه عن اللقاح: "حسب علمي أعلم أنه اليوم صباحًا لأول مرة في العالم تم تسجيل لقاح مضاد لفيروس كورونا"، حيث لا تعتبر المرحلة السريرية الثانية، بحسب البروتوكولات العلمية العالمية، كافية لاعتماد أي لقاح للتعاطي الآدمي، نسبة لأن مجمل المراحل الاختبارية السريرية تبلغ 3 مراحل، تليها مرحلة الترخيص والمقارِنة بالبدائل المطروحة من ذات المرحلة الأخيرة، للتأكيد بأنه الأفضل والأقل ضررًا بالإنسان.

قذف بوتين بإعلانه هذا للعالم، عقب الكشف عن نتائج مخيبة كانت الأوساط العلمية والطبية تعلق عليها آمالًا كبيرة في عقار ريمديسيفير في الأمريكي الذي لم يثبت فعالية كاملة حتى الآن، وبالإضافة إلى تأخر إعلان نتائج لأكثر الأبحاث التي كانت تنال مصداقية علمية، المتمثلة في تجارب إنتاج لقاح في جامعة أوكسفورد ببريطانيا.

تضامن خفي مع الصين

مثل الإعلان خواتيم العام الماضي عن أن الفيروس المستجد منشأه الصين فرصة إعلامية سياسية لنظام دعاية المرشح لدورة ثانية في رئاسته للولايات المتحدة الأمريكية، ليخلق مزاجًا شعبيًا يوظفه في خلق حالة عداء نفسي مع التنين الشرقي، الذي يعتبر أكثر الفزاعات التي ظل يلوح بها مؤخرًا ضمن السباق الانتخابي، للدرجة التي قال فيها إن فوز منافسه الديمقراطي جون بايدن يعني أن يتعلم الأمريكيون الصينية، في إشارة إلى تساهل منافسه مع سياسات واقتصادات الصين.

في المقابل لم تعر الآلة الإعلامية الصينية الأمر انتباهًا لتصريحات ترامب منذ كشف الجائحة التي أراد أن يوظفها لصالحه ولصالح صراع الولايات المتحدة مع الصين، لكنها شرعت من توها في تقديم مساعدات لمختلف دول العالم، فسيرت منذ وقت مبكر مجموعة من الإعانات الطبية وفرق من الكوادر الطبية لعددٍ من البلدان، مع التركيز على الدول الإفريقية التي تعد إحدى المناطق الإستراتيجية لتمدد النفوذ الصيني الاقتصادي.

ورغم ذلك، يبدو إعلان بوتين عن عقار فعال يشبه هدية من السماء للصين، فهو، ولو مؤقتًا، يسحب البساط من تحت أقدام الولايات المتحدة التي كانت تطمح لأن تمثل دور مصحح الأخطاء الصينية.