شهدت منطقة شرق المتوسط خلال الأيام القليلة الماضية ارتفاعًا غير مسبوق في وتيرة التصعيد العسكري، وحضورًا متزايدًا للقوى الدولية والإقليمية، التي تدين معظمها بالعداء لتركيا خلال الوقت الحاليّ على الأقل، وسط إصرار تركي على الدفاع عما تسميه أنقرة "حقوقها المشروعة"، ورفض منطق الكثرة الاستعماري.

وحيث إن فكرة التوتر نفسها لم تكن جديدة على هذه المنطقة الملتهبة بنيران النفط والغاز وصراعات الترسيم البحرية وخلافات التفسيرات للقوانين الدولية، لكن ما طرأ كان زيادة التوتر، كمًا ونوعًا، حتى إن تركيا أعلنت "أكبر مناورات عسكرية في تاريخها"، فقد شب على سطح المتوسط وبات ملحًا التساؤل عن المسؤول عن عسكرة البحر المتزايدة بشكل ملحوظ مؤخرًا.

وساطة محتملة

تاريخيًا، تقول تركيا إن منطق الوقوف الأوروبي بجانب التفسيرات اليونانية والقبرصية لمسألة ترسيم الحدود البحرية في حوض شرق المتوسط، يعود إلى عام 2003، وهو العام الذي أسفر عن عدد من الأحداث المهمة، من بينها الترسيم البحري بين القاهرة ونيقوسيا، بينما تقول اليونان إن أنقرة قدحت شرارة التصعيد في شرق المتوسط، عندما وقعت اتفاقها البحري مع حكومة طرابلس نهاية عام 2019.

ادعاء أمام ادعاء، وتفسير أمام تفسير، وبتنحية بعض هذه الخلافات جانبًا، سنجد، في ظرف تاريخي قريب أخبارًا متداولة، بحلول الـ22 من يوليو/تموز الماضي، عن نجاح إحدى الدول الأوروبية (ألمانيا) في تحقيق اختراق دبلوماسي مهم في شرق المتوسط، منع حربًا محتملةً بين الجارتين المدججتين بالسلاح والخلافات، وفتح الباب أمام إمكانية الجلوس على طاولة التفاوض معًا.

وبالرجوع إلى متن هذه الأخبار القادمة من برلين، سنجد أن هذه الفترة شهدت تصعيدًا عسكريًا بين أثينا وأنقرة، على خلفية قيام الأخيرة بأنشطة استكشافية وبحثية بالقرب من جزيرة كاستيلوريزو، ما أدى إلى رفع درجة التأهب اليوناني، سياسيًا وعسكريًا، مع أنباء عن تحرك الجانب التركي لمواجهة السلوك اليوناني، بـ15 مجموعة بحرية صغيرة قادمة من قاعدة "أوكساز" العسكرية.

موقف اليونان تجاه تركيا، رغم موازين القوة التي تصب في صالح الأخيرة، أكثر عدائيةً بشكل واضح

تحرك وتحرك مضاد، تنقيب تركي بالقرب من جزيرة تقول إنها لا تبعد عن حدودها البحرية سوى أمتار قليلة، ومع ذلك، فهي تتبع إلى اليونان وفق تفاهمات تاريخية معقدة، واقتراب عسكري متبادل، إلى درجة قد يصعب خلالها العودة إلى المستويات السياسية قبل أي قرار ميداني. هنا، تدخلت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، عبر تنسيق عالي المستوى مع الجانب التركي، لوقف أنشطة التنقيب مؤقتًا والتمهيد لعملية سياسية بشأن تقاسم الثروات بشكل عادل وقانوني في هذه المنطقة.

تحركات يونانية أحادية

احتفت بعض المصادر الصحفية الألمانية بالاختراق الدبلوماسي الذي حققته أنغيلا ميركل، وسط مقولات عن حاجة الاتحاد الأوروبي في هذه الآونة لكل جهد ممكن لا يقود إلى التوتر، وقد استجابت تركيا بالفعل إلى المطلب الألماني بتعليق أنشطة التنقيب بالقرب من الجزر اليونانية، فيما اشترطت اليونان إيقاف تركيا لـ"الخطاب التصعيدي"، واتفق الجميع على إطلاق عملية سياسية تبدأ نهاية أغسطس/آب الماضي.

وفي غضون هذه الاستعدادات الإيجابية، حركت اليونان ورقتها القديمة بالاتفاق على ترسيم الحدود البحرية وتعيين المناطق الاقتصادية الخالصة مع مصر، في الـ7 من أغسطس/آب الماضي، وهو ما مثل ضربةً قاصمة للجهود الألمانية والتفاهمات المنتظرة، ومنعطفًا فارقًا في ملف شرق المتوسط. 

ما يعزز القطع بأن اليونان هي من دفعت تجاه توقيع هذا الاتفاق بحضور نيكوس دندياس وزير الخارجية وسامح شكري، وزير الخارجية المصري، وليس مصر، أن اليونان، كما أكد وزير خارجيتها السابق تنازلت عن جزء من حدودها البحرية - وتفسيراتها - لمصر، مقابل إنجاز الاتفاق في هذا الوقت، وهو ما قوبل برضا مصر، خاصة في ظل عدائها المبدئي لتركيا من جهة، واتهامها بخسارة مساحات بحرية واسعة بعدم اعترافها بالاتفاق التركي الليبي من جهة أخرى، بالإضافة إلى تركيز تركيا على مهاجمة اليونان بعد هذا الاتفاق، مع تبني خطاب أقل حدة تجاه مصر.

بعد هذا التوقيع المبدئي، صار موقف اليونان تجاه تركيا، رغم موازين القوة التي تصب في صالح الأخيرة، أكثر عدائيةً بشكل واضح، على مستوى الخطاب والسلوك، فقد صرح وزير الخارجية اليوناني خلال لقائه بنظيره المصري، أن الاتفاق التركي الليبي الذي وقع نهاية العام الماضي "محله سلة المهملات"، كما أغلقت اليونان أحد المعابر الحدودية التجارية المُهمة بين البلدين من طرف واحد، وهو معبر "إيسالا".

وبحلول الـ13 من أغسطس/آب، كانت اليونان قد بدأت في الاستعانة بالفرنسيين، خصم تركيا اللدود في كثير من الملفات، عبر مناورات مشتركة، أسفرت عن وجود عسكري يقال إنه مؤقت لباريس في منطقة شرق المتوسط، بمقاتلتي رافال وحاملة مروحيات وفرقاطة، بعد مشاركتهم في مناورات بحرية وجوية مع اليونان في جزيرة كريت.

جاءت هذه الخطوات، التوقيع على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع مصر ثم تكثيف الوجود العسكري الفرنسي في بؤرة الصراع، بعد توقيع اليونان وإيطاليا أيضًا اتفاقية ترسيم الحدود البحرية في الـ11 من يوليو/تموز الماضي، التي كان عنوانها الرسمي: حل مشكلات عمرها 40 عامًا وإمكانية السلام بين أطراف هذا الصراع وعرقلة الاتفاق التركي الليبي، كما قال نيكوس دندياس خلال التوقيع، في إشارة مبطنة إلى جهود عزل تركيا، بحجة عدم قدرتها على الانخراط في مفاوضات سلمية فعالة مثل باقي دول الحوض. 

خطورة التصعيد

أعلنت تركيا، ردًا على الخطوات اليونانية، عودة سفينة المسح الزلزالي "أوروتش رئيس" للتنقيب في مناطق أوسع من المرات السابقة في شرق المتوسط حتى الـ23 من أغسطس/آب. تمتلك تركيا سفينتين تساندان هذه السفينة في الكشف عن الثروات البحرية هما "أتامان" و"جنكيز خان"، مع توفير الحماية العسكرية اللازمة لهم جميعًا، في مناطق قال عنها الثلاثي: مصر واليونان وقبرص، إنها تتقاطع مع نقاط تابعة لهم بموجب اتفاقيات ترسيم الحدود البحرية الموقعة بينهم جميعًا.

زادت اليونان من رسائلها التصعيدية ضد تركيا خلال الساعات الأخيرة، عبر الاتفاق المبدئي على الحصول على سرب مقاتلات "رافال" من خصم تركيا

يرتكز الموقف التركي بخصوص توسيع رقعة مساحة التنقيب على عدم الاعتراف بقانون البحار المقر دوليًا عام 1982 من جهة، شأنها في ذلك شأن سوريا ودولة الاحتلال ودول كبرى مثل الولايات المتحدة، بالإضافة إلى تعارض فكرة تسبب الترسيمات البحرية الثنائية في ضرر نوعي بدولة ثالثة مع القانون الدولي بشكل عام، وسرعان ما تحول استمرار نشاط السفن التركية في التنقيب إلى هدف بحد ذاته، بغض النظر عن نتيجة عمليات البحث، بعد إعلان اليونان استقدام خصم إقليمي جديد لتركيا إلى بؤرة الصراع في سترة عسكرية: الإمارات.

ما يزيد القلق خلال التصعيد الأخير، هو فشل الوساطة الألمانية في تحجيم عسكرة شرق المتوسط، أو اتخاذ أي موقف جاد ضد اليونان بعد إفشالها للمفاوضات المرتقبة عبر توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع مصر، ثم إقرارها برلمانيًا في خطوة تالية، وذلك رغم قبول أنقرة بالوساطة الألمانية في شرق المتوسط، وتبنيها عمليًا طرحًا ألمانيًا في الملف الليبي بتحويل "سرت" إلى منطقة منزوعة السلاح. 

كما زادت اليونان من رسائلها التصعيدية ضد تركيا خلال الساعات الأخيرة، عبر الاتفاق المبدئي على الحصول على سرب مقاتلات "رافال" من خصم تركيا الذي يقول إنه يرسم خطًا أحمر لها في شرق المتوسط، فرنسا، كانت معدة للتصدير لمصر، ولكن مصر ستتنازل عنها طواعيةً إلى اليونان نكايةً في تركيا، بالإضافة إلى مضيها قدمًا في "عسكرة الجزر منزوعة السلاح"، حسبما أظهرت مقاطع حديثة إنزال جنود يونانيين إلى إحدى الجزر التي تبعد عن الشاطئ التركي ميلًا واحدًا فقط. 

نظريًا، تظل احتمالات الحوار والاحتكام إلى القانون الدولي قائمة، لكن هذه المعطيات الحاليّة، من زيادة الفاعلين الإقليميين في هذا الحوض الضيق وفشل الوساطة الألمانية واتجاه الولايات المتحدة، إحدى الدول التي كانت مرشحة لامتصاص التوتر، إلى تسليح قبرص الرومية، مع تزايد حالات الاحتكاك العسكري، قد تؤدي إلى مزيد من التعقيد وتسريع ما حاول الجميع تأخيره لمدد طويلة سابقة: الحرب، كما قال نائب الرئيس التركي.