كتب الروائي المصري الشهير نجيب محفوظ عام 1977 سلسلة رواياته الأشهر والأكثر حضورًا حتى يومنا هذا، التي جاءت تحت عنوان "ملحمة الحرافيش"، حيث جسدت هَبّة أبناء الطبقة المعدمة من الشعب المصري ضد ظلم الحاكم وبلطجة القائمين على شؤون المنطقة في هذا الوقت، وتعود تقريبًا إلى فترة الاحتلال الإنجليزي لمصر (1822-1922).

الرواية التي استعرضت قرابة عشر قصص لأجيال متعاقبة سكنت إحدى المناطق الشعبية المصرية وكانت شاهدة على حجم الظلم والطغيان وأكل حقوق الناس بالباطل واستعبادهم من "الفتوات" الموالين للحكومة الموالية للإنجليز حينها، وفي الوقت الذي يزداد فيه الضغط على الكادحين من المصريين كان معدل الاحتقان يتصاعد.

وأمام الضغوط المتزايدة وتجاهل أنات وصراخ المعدمين من الحرافيش (مصطلح يطلق على الفقراء من معدومي الدخل)، إذ بهم ينتفضون فجأة ضد هذا الظلم، متخلصين من جلاديهم، في ملحمة صارت نموذجًا ودرسًا معبرًا لكل من يظلم أو يمارس التنكيل بالفقراء من أبناء الشعب.

ورغم البعد الزمني بين الواقع الحاليّ والعصر الذي ظهرت فيه تلك الملاحم، فإن الأجواء تبدو متشابهة إلى حد كبير، فالتنكيل بمحدودي ومتوسطي الدخل بات منهجًا رسميًا، فآلاف المصريين أصبحوا بين غمضة عين وانتباهتها في الشارع، لا مأوى لهم، بعدما هدمت بيوتهم على مرأى ومسمع منهم من السلطات الأمنية والتنفيذية استجابة لقانون التصالح الجديد الذي يخير المواطن بين دفع مبالغ طائلة أو إزالة بيته الذي يسكنه.

سابقة هي الأولى من نوعها

على مدار العقود الطويلة التي عاشها المصريون تحت وطأة عشرات الأنظمة الاستعمارية لم تشهد البلاد حالة من الجدل كالتي تشهدها اليوم بسبب القانون المثير للجدل، قانون التصالح في مخالفات البناء، هذا القانون الذي لو تم تطبيقه وفق اللائحة المعمول بها فإن ما يقرب من 3 ملايين أسرة سيصبحون على أرصفة الشوارع والطرقات.

القانون الذي يحمل رقم 17 لسنة 2019 والمعدل يناير 2020 ويقر فرض مبالغ مالية على المنازل التي لم تحصل على ترخيص بناء، أو الإزالة لمن لم يقو على الدفع، بات يمثل كابوسًا يؤرق مضاجع الملايين من المصريين، ممن تحولت حياتهم إلى جحيم قلقًا على مستقبلهم وأبنائهم أمام مشاهد الهدم والإزالة اليومية التي تشهدها عشرات العقارات والبنايات التي يقطنها مواطنون دون أن تحرك فيمن يقوم بالهدم صراخ الأطفال وعويل النساء وقهر الرجال وهم يرون "شقا عمرهم" ينهار بقرار يعاني من عوار دستوري بحسب الخبراء.

الحكومة المصرية التي تعاني من أزمات اقتصادية طاحنة جراء السياسات المتبعة خلال العقود الأخيرة، التي تعززت الأعوام السبع الماضية على وجه التحديد، حيث قفزت بمعدل الديون الخارجية لتصل إلى 112 مليار دولار، فيما تجاوزت الديون الداخلية حاجز الـ18.7 مليار دولار، وجدت في هذا القانون الذي يعاني من الغموض في كثير من بنوده، القشة التي ربما تنقذها من وضعها الحرج الذي يضع إنجازاتها التي تصرح بها ليل نهار على المحك.

وأمام معضلة عدم دستورية هذا القانون ورفض الشعب الخضوع له لجأت السلطات إلى كل أشكال الترهيب والترغيب في آن واحد، مسخرة آلتها الإعلامية والتنفيذية لحث المواطنين على التقدم للتصالح حتى ولو لم تصدر اللائحة التنفيذية النهائية ودون تشكيل اللجان المعنية بإتمام الإجراءات.

وخلال الأيام الماضية صعّدت الدولة من وتيرة تهديداتها، إلى الحد الذي لوح فيه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بنزول الجيش لتنفيذ قرارات الإزالة حال امتناع المواطنين، وهو التحذير الذي يؤكد إصرار النظام على المضي قدمًا في هذا المشروع رغم الاعتراضات عليه، حتى لو أودى بالملايين من الشعب في العراء.

يذكر أنه ورغم عدم وجود إحصاء رسمي لعدد البنايات المخالفة في مصر، فإن بعض الخبراء ذهبوا إلى أن العدد يتجاوز حاجز الـ3 ملايين و240 ألف عقار، معظمها تم خلال السنوات العشرة الأخيرة، إلا أن العقارات التي تقع تحت طائلة القانون بوضعيته تلك تتجاوز هذا الحاجز الزمني ببعيد.

صرخات لم يسمعها أحد

في الوقت الذي ترفع فيه حكومات العالم العناء نسبيًا عن كاهل مواطنيها منذ تفشي أزمة كورونا وما كان لها من تداعيات كارثية على الحالة المعيشية لمعظم سكان العالم، كان للحكومة المصرية رأي آخر، مزيد من الضغط، كثير من الابتزاز، وهو ما يجسده إصرارها على تحصيل المبالغ الطائلة من المواطنين بسبب هذا القانون رغم الحالة الاقتصادية الصعبة التي تحياها الدولة لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل.

مشاهد الأطفال وهم يبكون ذكرياتهم المهدمة أمام أعينهم، وأصوات النساء الممزوجة بالألم والحسرة على أحلامهن التي تحولت في غمضة عين إلى كابوس، وصمت الرجال الذي يعكس حجم ما هم فيه من قهر، كل هذا لم يحرك ساكنًا في ضمير المسؤولين الذي بات من الواضح أن لاهم لهم إلا جمع المزيد من الأموال لإنقاذ العجز وسداد الديون المتراكمة، حتى ولو على حساب الغلابة من أبناء الشعب.

"كده كده ميت.. اللي هيقرب من بيتي يا أموته يا أموت نفسي"... بهذه الكلمات الممزوجة بعبرات الحسرة والألم استهل حسن (50 عامًا) حديثه معبرًا عن الحالة التي وصل إليها منذ الحديث عن إزالة بيته بدعوى أنه مخالف للقانون، رغم بنائه منذ ما يقرب من 15 عامًا، مضيفًا أن ما يحدث سابقة لم تعرفها مصر حتى أيام الاحتلال.

حسن الذي يعمل مهندس برمجة في إحدى الشركات الخاصة استعرض في حديثه حيثيات عدم دستورية هذا القانون التي على رأسها عدم التطبيق بأثر رجعي، لافتًا إلى أن ما يحدث ليس إلا محاولة للتغطية على فشل الحكومة التي أرهقت موازنة الدولة وحملتها فوق طاقتها، ولم تجد إلا المواطن الغلبان لتعويض خسائرها على حد قوله.

وأضاف أنه ليس ضد تطبيق القانون، وليس ضد تقنين الوضعية القانونية لمنزله، لكن في الوقت ذاته لا بد من مراعاة ظروف الناس وقدراتهم المادية، إذ إنه ليس من المنطقي - حسب تعبيره - أن يدفع مواطن ما يقرب من 155 ألف جنيه (10 آلاف دولار) بسبب منزل مكون من طابقين، وضع فيه "تحويشة" عمره، وما عاد لديه من متسع مادي للدفع.

أما عيد (45 عامًا) فيرى أنه لو هناك نية حقيقية لمعالجة وضع غير قانوني فمن باب أولى معاقبة المسؤولين المتورطين في تلك المخالفات، متسائلًا: كيف تم بناء كل تلك الأبراج الشاهقة التي تحتاج لأشهر عدة؟ وكيف دخلتها المرافق من مياه وكهرباء وغاز طبيعي وخلافه؟ ولماذا تسدد رسوم شهرية في الأحياء التابعة لها على مرأى ومسمع من الجميع؟ لماذا لم يتحرك أحد وقتها إن كانت مخالفة بالفعل؟

وعن استفاقة الحكومة حاليًّا أشار إلى أن الهدف واضح وهو جمع أكبر قدر من الأموال، المبلغ الذي من المتوقع أن يتجاوز الـ300 مليار جنيه (19.3 مليار دولار) حسب ما يعتقد أمين سر لجنة الإسكان بمجلس النواب (البرلمان)، بصرف النظر عن تداعيات هذه الخطوة على التماسك المجتمعي، وما ينجم عنها من ضحايا ربما يكونون نواة لبرميل بارود من المتوقع انفجاره في أي وقت.

ثورة حرافيش جديدة؟

تعاني الخرطة المجتمعية المصرية من أزمات حادة جراء اتساع الهوة بين الطبقة العالية والدنيا، حيث قفزت معدلات الفقر لتصل إلى 35% وفق إحصاءات رسمية، فيما تتوقع دراسة حديثة زيادة هذا الرقم ما يقرب من 50% بسبب تداعيات كورونا بحسب معهد التخطيط القومي التابع للحكومة المصرية.

الدراسة وضعت عددًا من السيناريوهات للأزمة المعيشية للمصريين، كاشفة عن احتمالية أن تتسبب كورونا في زيادة عدد المتعطلين، بجانب تفاقم مشكلة العمالة العائدة من الخارج بشكل ملحوظ، لافتة إلى أنه وفي بعض التقديرات قد يصل عدد العمالة العائدة من الخارج إلى مليون شخص، أو ما يمثل نحو 3% من قوة العمل في مصر.

وبحسب تلك المعطيات توقعت الدراسة ارتفاع معدل البطالة ليصل إلى 16%، وعليه من المتوقع أن ترتفع معدلات الفقر في البلاد بنسبة 12.5 مليون شخص في العام المالي المقبل مقارنة بما كانت عليه العام الماضي، لتصل النسبة الإجمالية التقريبية  إلى 44.7%، هذا في الوقت الذي يذهب فيه آخرون إلى أن العدد أكبر من ذلك.

الضغط يولد الانفجار، هكذا يحذر خبراء علم الاجتماع السياسي، لافتين إلى أنه ورغم القبضة الأمنية المحكمة التي تمسك بها السلطات الحاكمة الآن على مقاليد الأمور، فإن الوضع قد يخرج عن السيطرة حال الوصول إلى مرحلة يجد فيها المواطن أنه لا مكان له داخل بلده، ما قد يدفعه إلى الانتقام عبر أشكال عدة، في مقدمتها الثورة على النظام حتى لو كان من أشد المؤيدين له في السابق.

التعامل مع المواطن على أنه ضيف أجنبي يجب أن يدفع مقابل لكل خدمة تقدم له، شعور مؤلم بالنسبة لكثيرين يرون أن حق الشعب على حكومته أن توفر له الحد الأدنى من الحياة الكريمة، وهو ما زاد من معدلات الاحتقان في الأونة الأخيرة، الأمر الذي توثقه منصات السوشيال ميديا يومًا تلو الآخر.

إصرار النظام على المضي قدمًا في تجريد المواطنين من كل ما يمتلكونه ومشاركتهم فيما تبقى من ثرواتهم، في مواجهة قفزات جنونية في نسب الغضب الشعبي ورفض واضح ومقنع لممارسات الدولة في حلب الشعب لعلاج أخطاء سياساتها، كل هذا أرضية خصبة لتفجيرات مجتمعية ربما تغير ملامح الخريطة.. فهل تتراجع الحكومة قبل فوات الأوان أم تشهد مصر ثورة حرافيش جديدة؟