هل تعلم ما البلد الذي يفرض على مواطنيه رسومًا للدخول إليه؟! 100 دولار، هي التكلفة التي يجب على السوري دفعها حال أراد الدخول إلى دولته، ليست مزحة أو نوعًا من التندر أو السخرية السياسية، الأمر أصبح حديث الشارع السوري، بل تحولت إلى أزمة إنسانية كبيرة نتج عنها ضحايا.

جمع المال من المواطنين بشتى الطرق أصبح هدفًا لنظام بشار الأسد، إثر اشتداد خناق العقوبات عليه، فأصبح السوري مطالبًا بتكاليف يدفعها دون وجه حق، وكل تلك "الأتاوات" المفروضة، لا تقابلها خدمات في بلد أصبح 80% من سكانه تحت خط الفقر بحسب الإحصاءات الأخيرة للأمم المتحدة، فما قصة الـ100 دولار؟!

الدفع للدخول والخروج

أصدر رئيس الوزراء السوري حسين عرنوس في شهر يوليو/تموز الماضي، قرارًا فرض فيه على المواطنين السوريين، تصريف 100 دولار، وفي القرار "يتوجب على القادمين إلى سوريا من المواطنين أو من في حكمهم تصريف المبلغ إلى الليرة السورية وفقًا لنشرة أسعار صرف الجمارك والطيران، على أن يستثنى من التصريف الذين لم يبلغوا الـ18 من العمر، وسائقو الشاحنات والسيارات العامة".

الأيام الأخيرة كان الدولار الواحد يساوي 2200 ليرة تقريبًا، أي أن الـ100 دولار تساوي 220000 ليرة سورية، إلا أن النظام حدد سعر الصرف على قيمة الليرة في البنك المركزي التي تصل لنصف السعر الحقيقي، وبذلك تساوي الـ100 دولار، 125000 ليرة فقط، وهنا يضمن النظام من خلال قراره جزءًا كبيرًا من تصريف الأموال المفروضة إجباريًا على المواطنين.

ليس ذلك فقط، بل فرضت حكومة الأسد في يوليو/تموز أيضًا، على الذين يريدون مغادرة البلاد، تحليلًا بقيمة 100 دولار، وهذا التحليل من أجل فيروس كورونا، وقالت الحكومة: "مسحات فيروس كورونا خاصة بالراغبين في السفر حصرًا عن طريق مطار بيروت، وتشمل الأعمار كافة، بمن فيهم الأطفال"، وسخر السوريون من هذا القرار إذ إنهم اعتبروا أن "مسحة فحص كورونا بـ100 دولار، فكم يبلغ العلاج إذن".

تعنت رسمي

رغم حالة الاستياء الشعبي الكبيرة والحالة الإنسانية الكارثية التي لحقت بالمواطنين العائدين إلى سوريا، فإن النظام السوري لم يبد أي اكتراث لهذه الحالة، حيث قال مدير إدارة الهجرة والجوازات لدى نظام الأسد، اللواء ناجي النمير: "القادمون إلى سوريا ولا يملكون مبلغ الـ100 دولار المطلوب تصريفها على الحدود، لن يسمح لهم بالدخول إلى الأراضي السورية"، موضحًا أن "على كل مواطن يرغب بالدخول إلى سوريا تصريف مبلغ مئة دولار أو ما يعادلها بالعملات الأجنبية".

تصريحات النمير أثارت جدلًا كبيرًا، إذ إنه قال "من لا يملك هذا المبلغ يجب أن يعود من حيث أتى"، مضيفًا "في هذه الحالة يجب أن يطلب المواطن من أحد أقربائه أو أصدقائه أن يحضر له المبلغ المطلوب ليتم السماح له بالدخول، وإلا فإنه سوف يعاد إلى الجانب اللبناني"، مشيرًا إلى أن "الجانب اللبناني بدوره لا يسمح بدخول من أعيد من الحدود السورية، وبذلك يصبح هذا الشخص عالقًا على الحدود".

صورة

كان وزير المالية لدى حكومة النظام، مأمون حمدان، قد صرّح عقب صدور القرار الشهر الماضي، أن "القرار يعتبر خدمةً للمواطن، ويزيد من واردات مصرف سوريا المركزي ويدعم الليرة السورية، ويسعى إلى الحد من نشاط السوق السوداء خارج الحدود"، معتبرًا أن "القرار ليس مشكلة كبيرة"، وفي تصريحاته قال حمدان: "من غير المعقول أن السوري في الخارج أو الذي يسافر إلى الخارج لا يملك مبلغ الـ100 دولار، لأن القادر على السفر لديه الأموال اللازمة لذلك"، بالمجمل فإن هذه التصريحات لا تراعي أحقية أن يدخل المواطن ويخرج إلى وطنه بسلاسة دون أي معوقات تُذكر من أي طرف كان، ولا يجب السؤال هل المواطن يملك أم لا يملك.

أتى وزير المالية المعين حديثًا كنان ياغي، ليؤكد نهج سلفه قائلًا: "لم يصدر أي قرار رسمي بشأن إلغاء فرض تصريف السوريين القادمين ومن في حكمهم إلى البلاد مبلغ 100 دولار على الحدود".

كارثة إنسانية

هذه القرارات المجحفة أدت إلى بداية ظهور كارثة إنسانية على الحدود السورية اللبنانية، حيث يوجد عشرات من السوريين العالقين على الحدود، ولا يتمكنون من الدخول إلى سوريا بسبب شرط الـ100 دولار، كما أنهم لا يستطيعون الرجوع إلى لبنان، بقرار حكومي لبناني، وتداول ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي صورًا تُبين تجمع الناس في نقطة "المصنع" على الحدود بين البلدين.

وبحسب "تليفزيون سوريا"، فإن "غالبية العالقين من العاملين السوريين المياومين (يتقاضون أجورهم يومًا بيوم) في مدن وبلدات لبنان، ومعظمهم مع عائلاتهم، لا يملكون تسعيرة الدخول إلى الأراضي السورية"، ويساهم النظام بشكل أساس بخلق هذه الأزمة، فمدير إدارة الهجرة والجوازت السوري قال: "في حال لم يمتلك المواطنون العالقون على الحدود مبلغ 100 دولار فبإمكانهم الاتصال بأقاربهم وذويهم ليجلبوا لهم ذلك المبلغ ونحن سنتعهد بأكلهم وشربهم ونومهم ريثما يأتي المبلغ".

خرق للدستور

المادة 38 من الدستور السوري، تقر بأنه "لا يجوز إبعاد المواطن من وطنه أو منعه من العودة إليه، ولكل مواطن حق التنقل في أراضي الدولة أو مغادرتها إلا إذا منع بقرار من القضاء"، وتعتبر هذه القرارات الإدارية بفرض أموال على الدخول أو الخروج من البلاد مخلة بالدستور كما أوضح المحامي عارف الشعال في منشور له على "فيسبوك"، حيث قال: "من مستلزمات احترام المادة 38 من الدستور التي تحظر منع المواطن من العودة لوطنه، عدم وضع عراقيل إدارية بوجه هذه العودة، كافتراض أنه يملك مبلغ 100 دولار وإلزامه بتصريفه بالسعر الجمركي الرسمي! ناهيك بأن هكذا قرار يعتبر اعتداءً على حق ملكية مال منقول بإكراه المالك على استعماله والتصرف فيه خلافًا لإرادته! فضلًا عن أن هكذا قرار يعدُّ من قبيل فرض رسم غير مباشر لا يجوز فرضه إلا بقانون".

قرارات مشابهة

يحاول النظام السوري تحصيل المال من الشعب بشتى السبل، فإلى جانب القرارات المفروضة على السوريين الذين يريدون دخول البلاد، فقد أقر برلمان النظام عام 2017 تعديلات على الرسوم القنصلية، ويحدد الرسم القنصلي عند منح أو تجديد جواز أو وثيقة سفر للمواطنين من الموجودين خارج البلاد بشكل فوري ومستعجل بمبلغ 800 دولار، ويحدد الرسم القنصلي عند منح أو تجديد جواز أو وثيقة سفر، بشكل طبيعي ضمن نظام الدور بمبلغ 400 دولار أمريكي.

وفي بدايات عام 2020 أصدر بشار الأسد مرسومين تشريعيين، يشدادن العقوبة على كل من يتعامل بغير الليرة السورية في أي عمل تجاري بالإضافة إلى تجريم من ينشر أخبارًا وهمية عن أسعار الصرف، ونص المرسوم على أن العقوبة هي الأشغال الشاقة لمدة لا تقل عن سبع سنوات وغرامة مالية بما يعادل مثلي قيمة المدفوعات أو المبلغ المتعامل به أو المسدد أو الخدمات أو السلع المعروضة.

بهذا الصدد انتشرت طرفة بين السوريين على وسائل التواصل الاجتماعي، وتنتقد الوضع القائم، تقول: اثنين التقوا بالسجن وعم يتسايروا، الأول سأل التاني: ليش جابوك، قله: مسكوني عالحدود ما معي مية دولار، وأنت ليش جابوك، قله: مسكوني بالحميدية معي مية دولار".

تعمل هذه القرارات على منع المواطن السوري من التفكير في العودة لبلاده، ويأتي ذلك امتدادًا لسياسة التهجير التي ينتهجها بشار الأسد وقواته على أبناء البلاد، وعلى الرغم من أن الكثير من المواطنين السوريين يرفضون فكرة العودة في ظل حكم الأسد، فإن العوائل التي ضاقت بها السبل في بلدان اللجوء ولم تعتد تحتمل المصاريف القاسية والحياة البائسة عندما تُفكر بالعودة إلى بلادها تجد العديد من السدود التي تمنعها عن تحقيق ذلك، فتقع بين سندان الغربة ومطرقة أتاوات النظام.

ويطرح الباحث السوري عباس شريفة تساؤلًا مهمًا هنا: "عجب القوات الروسية والميليشيات الإيرانية والعراقية الطائفية وعناصر حزب إيران اللبناني، كمان بيدفعوا دخولية مئة دولار أمريكي على سوريا، أم أن القانون يخص فقط من هو سوري!".