انتهت فترة الحيرة وانتهى كثير من الغموض الذي أحاط بتشكيل حكومة السيد المشيشي في تونس، فقد ألف الرجل فريقًا وعرضه على البرلمان فحاز الثقة بسرعة وأدى اليمين أمام الرئيس واستلمت الحكومة مهامها. ستظل هناك لحظة غامضة هي محاولة الرئيس في الساعات الأخيرة تعطيل حكومة المشيشي وهو الذي كلف الرجل وأمره بمقاطعة الأحزاب والاعتماد فقط على التكنوقراط. في هذه المحاولة نكتشف أنه تمت إعادة توزيع كراسي الحكم وإن كان ظاهر الحكومة تكنوقراط، لذلك سنحاول قراءة مشهد جديد خارج خطاب الانتصارية للبعض وخارج صراخ الهزيمة للبعض الآخر. 

لا يمكن إلغاء الأحزاب كما يشتهي الرئيس

ما كان للحكومة أن تنال ثقة البرلمان لو لم يتم التواصل مع الأحزاب وعرضها عليهم بشكل غير رسمي، ولا نظن أن التواصل كان زيارات مجاملة وشرب قهوة بقدر ما نتوقع بناء تفاهمات سياسية قدم فيها المشيشي ضمانات سياسية للأحزاب. (النهضة والقلب)، ما محتوى هذه الضمانات؟ البعض قال تعديل تدريجي في الحكومة بحيث يعود وزراء من الأحزاب والبعض يقول توزيع المناصب الأدنى (ولاة ومعتمدين) بحسب الحجم الحزبي، لكن اليقين هو أن هوى الرئيس بإلغاء الأحزاب لم يقبل منه وعاد المكلف إلى بناء حزام سياسي من الأحزاب وإن لم يشركها في وزارته. 

بدعة تجاوز الأحزاب والحكم من دونها رغم ضرورة المرور بالبرلمان ردت على مبتدعها ويبدو أن هذا سيكون خطوة أخرى عملاقة نحو فشل مشروعه الشخصي في بناء ديمقراطية مجالسية مباشرة، لذلك بدا فاقدًا لصوابه السياسي وهو يستقبل الحكومة في جلسة أداء اليمين، سيتيقن مع تقدم الوقت وربما مع تحقيق الحكومة بعض النجاحات في وضع اقتصادي كارثي أن لا بديل عن ديمقراطية تمثيلية تلعب فيها الأحزاب دورًا أساسيًا، فقد دافعت الأحزاب بما تبقى لها من سلطة أمام تفرد الرئيس بتأويل الدستور عن الحد الأدنى السياسي القائم على سلطة تشريعية مستقلة عن التنفيذي عامة وعن الرئيس خاصة، لقد حمى البرلمان منطقة نفوذه في سلطات موزعة في نظام شبه برلماني شبه رئاسي.

العودة إلى حقيقة نتائج الانتخابات

شكل الحكومة التكنوقراطية لن تخفي عن المراقب ثقل الأحزاب الممثلة في البرلمان كما أفرزتها انتخابات 2019، لقد كان لتحالف النهضة مع القلب مع الائتلاف دور مهم جدًا في مرور الحكومة من المجال الضيق الذي أراد الرئيس حشرها فيه، وتراجع في الأثناء دور حزبي التيار وحركة الشعب اللذين كانا الصوت الأعلى في إسقاط نتائج انتخابات 2019 والحكم بغير حقيقة الصندوق لما رفضا بكل قوة مرور حكومة الجملي (النهضوية).

نتائج الانتخابات هي التي تسند الحكومة الآن وإن لم تكن ممثلة فيها بوزرائها

لقد تغيرت التحالفات خلال عملية التصويت على سحب الثقة من رئيس البرلمان ويبدو أن التحالف بين النهضة وقلب تونس ولد ليستمر هذه المرة ولكل حساباته، لكن الحزبين الكبيرين (نحو مئة مقعد) يشتركان بالرغبة في الحد من نفوذ الرئيس على السلطة التشريعية، وبذلك تحولا معًا إلى سور واقٍ من تغوّل الرئيس ودائرته الخاسرة في كل انتخابات وقد تسللت خلف الرئيس وكمنت للصندوق تحاول تهميش نتائجه.

هذا التحالف همش دوري التيار وحركة الشعب فوجدا نفسيهما بعد أن كانا عمود حكومة الفخفاخ في معارضة بلا دور حقيقي، فالوضع الاجتماعي لن يسمح بمزايدات كثيرة باسم الاجتماعي، فالورطة عامة والنقابة التي كانت طاقية إخفاء لكل مزايد بالاجتماعي تعيش أزمتها الخاصة ولن تكون قوية بقدر دفع أنصارها من الحزبين إلى رفع سقوف المطالب الاجتماعية رغم أنها ستكون حادةً وحارقةً.

من هذه الزاوية فإن نتائج الانتخابات هي التي تسند الحكومة الآن وإن لم تكن ممثلة فيها بوزرائها. عودة حقيقة الصندوق توسع دائرة فعل الحزبين الفائزين على الحكومة وعلى جملة التشريعات القادمة بما في ذلك ارتفاع حظوظ انتخاب محكمة دستورية وتعديل القانوني الانتخابي وفرض العتبة عند 3 أو 5% (حسب الاقتراحات) وفي هذه الحالة فإن نظام أكبر البقايا التي مرت منه الأحزاب الصغيرة سيكون الحاجز ضد برلمان مشتت في المستقبل، هذا فضلًا عن أن تمرير القانون سيتحول إلى نقطة قوة للحزبين الفائزين بما يسمح لهما بالتهديد الدائم بالذهاب إلى الانتخابات المسبقة المضمونة لهما. 

يظل الخطر كامنًا، فكلا الحزبين يخفض جناح الذل لما يسمى برأس المال الوطني

فضلًا عن ذلك كنا قد استشعرنا كمون اليسار وراء حزبي التيار والشعب مدفوعين جميعهم بالنقابة وسقوط حكومة الفخفاخ، وانتقال التيار والشعب إلى المعارضة يعني ضمنيًا فشل تسلل اليسار من خلفهم إلى الحكم، وبذلك تكتمل عملية تفتت قوة اليسار المتسلل في نفس منطق تفتت عنوانه الظاهر (الجبهة الشعبية)، فإذا عرض نفسه على انتخابات بلا نظام أكبر البقايا فنعتقد أنه سيكتب شهادة وفاته ليبقى أفرادًا بلا رابط تنظيمي فعال.

هل هي حكومة اليمين؟

هل يمكن القول إن تحالف النهضة والقلب ومن معهما من الحواشي هو تحالف يمين صرف وإن حكومة المشيشي ستتجه بالبلد يمينًا. المشاكل الاجتماعية المتراكمة أمام الحكومة التي ضاعفت أثرها جائحة كورونا لن تسمح بجنوح متطرف نحو اليمين. لقد دفع حزب النهضة بقانون الاقتصاد التشاركي غير الليبرالي وفرضه وكان حزب القروي (القلب) قد حصل رصيده من خطاب اجتماعي متجه إلى الفقراء وسيكون عليهما جهد جبار ليبررا انحرافًا يمينيًا تتخذه الحكومة المستندة عليهما.

لكن رغم ذلك يظل الخطر كامنًا، فكلا الحزبين يخفض جناح الذل لما يسمى برأس المال الوطني وهو تسمية مجازية لطبقة مافيا المال التي بناها بن علي ولم تفككها الثورة، وكثير من قدرات البلد الاقتصادية مرهونة بين يديها، وحكومة التكنوقراط ليست في خلاف معها بل لديها كثير من اللغو عن ليبرالية معدلة (أو معتدلة).

هنا وجب التيقظ والحذر لحماية الحد الأدنى من الخدمات العامة التي توفرها شركات عمومية تعاني صعوبات كبيرة ويتهددها التفويت كشركة الطيران والسكك الحديدية، ودون أن نستبق حكومة لم تبدأ العمل بعد ننتظر ونرى في وضع سياسي جديد أعيد فيه تحديد الأحجام والمواقع ويتغير فيه الخطاب نحو الحكم بحقيقة الصندوق دون مزايدات استئصالية، ذلك أن ما جرى في صائفة 2020 وخاصة بعد فشل سحب الثقة من زعيم النهضة (رئيس البرلمان) وخطاب الرئيس الأهوج جعل الرجل وحزبه عنصر التهدئة الأقدر في البلد ونقرأ في مواقع كثيرة مقارنة بين خطابه الهادئ التجميعي وخطاب الرئيس الذي يسمع في الخارج ويثير الاستغراب وقد يتحول إلى نكت سياسية على صعيد كوني.

تلك المئة يوم الأولى ثم نعيد النظر في التوقعات المتفائلة والمتشائمة في آن واحد.