بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب توصل الاحتلال الإسرائيلي ومملكة البحرين إلى اتفاق "تاريخي" لإقامة علاقات كاملة بينهما، وهي "الدولة العربية الثانية التي تبرم اتفاق سلام مع "إسرائيل" في 30 يوما"، تصبح المنامة الدول العربية الرابعة في الشرق الأوسط، بعد مصر والأردن والإمارات، التي تعترف بـ"دولة" "إسرائيل" منذ تأسيسها عام 1948، فيما تُدار الأعناق في الوقت الراهن إلى السعودية، إذ تُظهر الإشارات السياسية والاجتماعية بشكل جلي أن الرياض سوف تسير على خطى أبو ظبي والبحرين في اتجاه إقامة علاقات شاملة مع الكيان.

 

رغم التحاق البحرين رسميًا بالإمارات وإعلان عمان دعمها الكامل لهذه الخطوة، إلاّ أنّ أبو ظبي والمنامة لن تكونا آخر عاصمتين خليجيتين تنخرطان في ترسيم العلاقات مع تل أبيب والقائمة من قبل بشكل سرّي، فالسعودية وإن ربط حكامها كما جاء على لسان وزير خارجيتها الأمير فيصل بن فرحان، التطبيع مع "إسرائيل" بـ”مبادرات السلام العربية وقرارات الشرعية الدولية”، ستكون موضع جهد أميركي خاص (زيارات واتصالات) لإقناعها بإقامة علاقات طبيعية مع الاحتلال، وهو ما سيقوم به كوشنر والوفد المرافق له خلال زيارته المرتقبة للمملكة.

أهمية المملكة

لا شك أن تطبيع كل من الإمارات والبحرين وعمان التي لن تتأخر كثيرًا عن اللحاق بجارتيها، لا يمكن أن يقاس بتطبيع المملكة السعودية، فهذه الدول ومهما بلغت من الإمكانيات والقوة فهي تبقى دولاً هامشية ذات فعل سياسي ظرفي ومحدود خارج مجالها الجغرافي، ولا تتمتع بعمق إستراتيجي ولا بمكانة وازنة على المستويين الإقليمي والدولي، رغم الجبلة والضوضاء الذين يفتعلهما محمد بن زايد في دول عدة بالمنطقة لنصرة الثورات المضادة.

هذه نقطة تدركها جيدّا واشنطن وتل أبيب، فبوابة التطبيع الشامل لن تُفتح على مصرعيها إلا عبر انخراط السعودية في هذا المسار وأن الإمارات وحدها لا يمكنها فرض هذه الأجندات عربيًا، وهو طرح أكده في وقت سابق غاريد كوشنر مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بالقول: "تطبيع العلاقات بين الاحتلال الإسرائيلي والسعودية أمر حتمي"، أي أنّه ضرورة قصوى.

إسقاط جامعة الدول العربية قرارًا فلسطينيًا يدين التطبيع بين الإمارات والاحتلال الإسرائيلي، خلال اجتماع مجلس الجامعة على مستوى وزراء الخارجية، لا يمكن عزله عن سياق دور الرياض المفصلي، فمن المعلوم أن الرياض لها اليد الطويلة داخل أروقة الجامعة تتحكم في القرارات وصياغة البيانات، مستخدمةً سلطانها المادي والمعنوي على كثير من الدول ذات وزن إقليمي كمصر والأردن، بمعنى أن واشنطن تعوّل على الرياض في تعطيل أي مشروع قرار يضرب مسار التطبيع وفي تذليل العقبات التي يمكن أن تحول دونه.

المفاوضات السرية التي جرت في وقت سابق مع الإمارات، وبمشاركة ومعرفة كل من السعودية والبحرين ومصر، والرئيس الفلسطيني محمود عباس، بهدف إنهاء المعارضة الفلسطينية لإقامة علاقات والتطبيع مع "إسرائيل"، تُدلل أيضًا على موقع الرياض المركزي في مشروع التطبيع تحت قيادة ترامب، فوفقًا لدبلوماسيين دوليين مدعومين من السعودية شاركوا في هذه الخطوة، فقد عرض على القيادة الفلسطينية استثمارات ضخمة في البنية التحتية، وفتح قنوات تجارية مباشرة، وبيع النفط والغاز بأسعار منخفضة للغاية، وإنشاء مناطق صناعية متطورة، وتوظيف عشرات الآلاف من المهندسين والأكاديميين الفلسطينيين في الشركات الخليجية وغيرها".

لذلك يُمكن اعتبار الخطوة الإماراتية تأتي في سياق إزالة الحرج عن النظام السعودي حتى يُعلن هو الآخر تطبيعه العلني، وأنّ إقدام حكام أبو ظبي على هذه الحركة لا يُمكن بحال من الأحوال دون تنسيق وتفاهمات مع الرياض التي أصبحت تشترك معها في عدد من الملفات ضمن تحالف أُقيم بين البلدين لتوحيد الجهود والتحركات في مواجهة ملفات الحساسة من أهمها الحرب في اليمن وحصار قطر، ممّا يعني ضرورةً أنّ النظام السعودي أراد من خلال تطبيع الإمارات قياس ردود الفعل على هذه الخطوة عربيًا على الجانب الرسمي وجس نبض الشارع على المستوى الشعبي.

ضغط أمريكي

ما من شك أن الولايات المتحدة الأمريكية تمارس نفوذًا كبيرًا لإرغام حكام المملكة على التطبيع العلني وذلك بالنظر إلى دعم الرئيس دونالد ترامب الثابت لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والأخير بحسب الصحف الغربية، بحاجة للدعم الإسرائيلي والأميركي من أجل تثبيت أركان حكمه والجلوس على كرسي العرش.

ويُمكن استنتاج حجم الضغط الأمريكي على الرياض من خلال تصريحات المسؤولين الأمريكيين التي تأتي أحيانًا في صيغة الأمر، كالتصريح الأخير لدونالد ترامب والتي أعلن فيها عن بدء حوار مع السعودية، بشأن تطبيع العلاقات مع الاحتلال الإسرائيلي، وجاء فيها أيضًا: "تحدثت إلى ملك السعودية بدأنا للتو الحوار.. وسترونهم ينضمون"، أو من خلال تصريحات أخرى على شاكلة:" تطبيع العلاقات السعودية الإسرائيلية أمر حتمي"، أي حان دوركم.

وأحيانًا أخرى عبر الترغيب والتخويف، كتأكيد جاريد كوشنر على أنّ "تطبيع العلاقات بين السعودية و"إسرائيل" سيكون أمرًا مفيدًا جدا للأعمال السعودية، وسيكون مفيدًا جدا لقطاع الدفاع السعودي"، وهي ثنائية كثيرًا ما اعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع الرياض المتخوفة من صعود قوى إقليمية تنافسها في المنطقة.

ومن هذه الزاوية، فإنّ المملكة ترى في التمترس وراء القيادة الأمريكية والتقارب مع تل أبيب فرصة للتخلص من الخطر الداهم الذي تمثله إيران لحدودها (حرب اليمن) وأمنها الإقليمي، فتلك القوى من منظورها هي القادرة على كبح جماح "المد الفارسي" وأطماعه في الشرق الأوسط، وكذلك الحال بالنسبة للإمارات والبحرين.

لذلك، فإنّ الأمير "الجامح" لم يخف نيته التقارب مع الاحتلال الإسرائيلي منذ توليه ولاية العهد بل أقام علاقات ودية "للغاية" قبل عامين خلف الأبواب المغلقة، حيث أوردت صحيفة (نوي تسورشر تسايتونج) السويسرية، أنّ ابن سلمان أكّد للمنظمات اليهودية في نيويورك، أن الفلسطينيين سيفوتون الكثير من فرص السلام، وأن الوقت قد حان لقبول خطة الرئيس الأمريكي للشرق الأوسط، وهو إعلان صريح لانصياعه لخطط ترامب في المنطقة.

من المؤكد أيضًا، أن التطبيع الإماراتي الإسرائيلي سيفسح المجال لتوسيع مجال علاقات الرياض بتل أبيب وذلك بالاستثمار أولًا في العداء المشترك تجاه إيران، إلى جانب المحاولات السعودية لجذب استثمارات أجنبية لتمويل رؤية 2030 التي يتبناها ابن سلمان، وهو ما أشرنا إليه آنفًا في تصريح كوشنر "سيكون أمرًا مفيدًا جدًا للأعمال السعودية".

النظام السعودي وخاصة ولي العهد يدرك جيدًا أنّ مدينة "نيوم" لن ترى النور إلاّ بعد توقيع السلام وتطبيع العلاقات والتنسيق مع الاحتلال، وأنّ جعلها منطقة جذب سياحي عالمي يتطلب تمويلات خيالية وتكنولوجيا متطورة لا تمتلكها السعودية وتتوفر في الولايات المتحدة وحليفتها "إسرائيل" التي باعت في وقت سابق أجهزة تجسس ومراقبة لدول خليجية، فيما يعمل الأمريكيون في المقابل على استثمار عدم رغبة الدول الأوروبية في بيع تكنولوجيا عسكرية متطورة للرياض لأسباب حقوقية، من أجل التحكم في خيوط اللعبة وإكراهها على التطبيع العلني.

يُعدّل الأمريكيون أوتار حساباتهم السياسية ويطوعون الأزمات لصالحهم، فهم يدركون جيدًا أنّ الانتعاش الاقتصادي الذي وعد به ولي العهد لا يزال أمامه فترة طويلة بسبب جائحة كوفيد-19 والانخفاض الحاد في أسعار النفط الذي أعقبها وتراجع العائدات إضافة للتكلفة الباهظة لحرب اليمن وفاتورة تدخلها في مشروع ضرب الثورات العربية، وهو أمر أثر بشدة على الاقتصاد السعودي وسيدفعها لتقديم فروض الطاعة للخروج من دوامة الأزمات.

ويبدو أنّ السعوديين فهموا الدرس واستخلصوا الحقيقة التالية: أن لا مجال لإحداث نقلة نوعية وطفرة حداثية إلاّ عبر حني الظهر، حيث نقل مارك شناير وهو حاخام أميركي له علاقات وثيقة بالخليج، عن نائب وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان قوله: "إن "إسرائيل" جزء لا يتجزأ من تحقيق رؤية 2030".

مؤشرات التطبيع

المراقب للموقف الرسمي وكذلك الشعبي في المملكة السعودية، سيقف حتمًا على حقيقة وجود مؤشرات قوية تمهد لعملية تطبيع محتملة في الأيام المقبلة، وتظهر أساسًا في صمت الرياض وعدم استنكارها لاتفاق تطبيع العلاقات بين الإمارات و"إسرائيل" الذي أعلنه الجانبان في 13 أغسطس، واكتفاءها ببيان جاف تؤكد فيه الالتزام بخطة السلام العربية للوصول إلى حل للصراع، إضافة إلى إلغاءها حظرًا على الرحلات الجوية الإسرائيلية من استخدام مجالها الجوي.

 

كما أنّ تغطية وسائل الإعلام السعودية لخبر تطبيع الإمارات الرسمي مع الاحتلال تبيّن بشكل جلي استساغة وقبول النظام السعودي لهذا الإعلان، والتمهيد لاقتفاء نفس الأثر وإعلان تطبيع الرياض مع تل أبيب قريبًا، حيث وروّجت وسائل الإعلام وكتاب بارزون لاتفاق تطبيع أبو ظبي مع الاحتلال، دون إبراز أو التطرق إلى أي موقف رسمي لحكام المملكة، بل عملوا على فتح جبهات أخرى على منصات السوشيال ميديا واتهام قطر وتركيا بقيادة التطبيع العربي، إضافة إلى الترويج لفكرة أنّ فلسطين لم تعد القضية الجامعة لعرب وأن أهلها باعوا أرضهم لليهود، وذلك قصد توجيه الرأي العام ضمن استراتيجية سيكولوجية الجماهير.

في السياق ذاته، وكعادة ملوك وأمراء المملكة حين يقف بهم الحال أو يعسر عليهم أمر يستنجدون بالشيوخ والدعاة قصد تمهيد الطريق لتنفيذ رؤاهم وأجندتهم، وطبعًا لا يُمكن الحديث عن رجال الدين المغضوب عليهم والمغيبون في السجون قهرًا لمجرد معارضتهم أو نقدهم لسياسية ابن سلمان الجديدة.

ومن أبرز رجال الدين المستعملين من قبل النظام السعودي، عبدالرحمان السديس، الذي قال في مقطع فيديو متداول: "من التنبيهات المفيدة في مسائل العقيدة عدم الفهم الصحيح في باب الولاء والبراء ووجود اللبس فيه بين الاعتقاد القلبي وحسن التعامل في العلاقات الفردية والدولية"، مضيفًا في خطبة الجمعة: "العقيدة الصحيحة ووجوب طاعة الإمام خلافًا لمن وصفهم بـ "الخوارج المارقين والأحزاب الضالة وجماعات العنف المسلحة"، وهي إشارات رأى فيها مغردون وسياسيون عرب، تمهيدًا لتطبيع قريب بين السعودية و"إسرائيل".

خطبة السديس وصفت بأنها تتماهى إلى حد بعيد مع توجهات ومواقف الحكام الجدد للمملكة (مدح سابقا علاقة ترامب ببن سلمان) ومحاولتهم فرض التطبيع مع الكيان الصهيوني والانسياق في مشروع تصفية القضية الأم، بعد أن كان سابقًا يُلهب من فوق المنبر الجماهير ببكائه ودعاءه بالتسديد لإخوانه الفلسطينيين.

مواقف السديس وغيره من شيوخ السعودية فتح مجددًا باب النقاش بشأن استخدام الدين في الحياة السياسية في المملكة، حيث يرى نشطاء ومراقبون سياسيون أن خطبة الجمعة في السعودية كانت ولا تزال مرآة لما يحدث خلف الكواليس وفي الغرف السرّية للقصور.

مؤشرات التطبيع المحتمل بدأت في المملكة مبكرًا، حيث كان الشروع في انفتاح اجتماعي واقتصادي الذي أقره عمل بن سلمان بالقوة رغم معارضة رجال الدين والمنتقدين، وتمثل في السماح للنساء بقيادة السيارة والسفر إلى الخارج بشكل مستقل، بالإضافة إلى ذلك فتح دور سينما وسمح بإقامة حفلات موسيقية مختلطة إضافة إلى الأعمال الدرامية التي بُثت وحملت إشارات للتطبيع والتعايش مع الكيان المحتل، أولى الخطوات نحو تغيير ملامح السياسة في السعودية، والتي تطورت لاحقًا إلى حد الإشادة الشعبية بزيارة المدون محمد سعود إلى الاحتلال.

يدرك ابن سلمان أنّ ركائز حكمه غير صلبة محليًا ودوليًا خاصة بعد مقتل الصحفي جمال خاشقجي، وأنّ خطوة التطبيع مع الاحتلال قد تُساعده على الاستيلاء على الحكم من أبيه، كما يُدرك الشعب العربي أنّ تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة والتي تؤكد أنّ "دولاً أخرى تنتظر وتريد الدخول في عملية التطبيع خلال فترة قصيرة من الوقت نسبياً"، لا يُفهم منها سوى أنّ: خجل بعض حكام العرب من إعلان تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني الغاصب، كخجل المومسات مع الزبون رقم ألف، بالكاد يظهر لثوان.

ختامًا.. البحرين اشتهرت بين المغردين بـ"جزيرة الريتوت"، في إشارة إلى تبعتيها العمياء للقرارات السعودية التي عادة ما تتبعها بلا تفكير ولا تغيير، وهو تعبير أطلقه أولًا الصحفي القطري عبد الله العذبة، لكن يبدو هذه المرة، أن الرياض بحاجة لمن ينشر التغريدة، لتقوم هي بالريتويت، وقد فعلتها أبو ظبي والمنامة، وربما بعد ساعات أو أيام تلحق بهما عمان، فلا يبقى في الميدان إلا حيدان كما يقال، فهل ضغط الرياض، على زر "ReTweet"؟