احتجاجات ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعد زيارته لواشنطن لتوقيع اتفاقية "التطبيع'' العربية مع الإمارات والبحرين.

ترجمة وتحرير نون بوست

لعل تحطيم القانون والعدالة الدوليين يعتبر من أبرز نتائج "التطبيع" العربي الإسرائيلي، الأمر الذي لن يؤثر على وضع الفلسطينيين فحسب، بل ستكون له تبعات على منطقة الشرق الأوسط بأكملها. قد يخلق التطبيع على المدى القصير وهما خاطئا بالتوازن الإقليمي، ولكن على المدى المتوسط، ​​سيؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار مع تداعيات خارج المنطقة، بما في ذلك أوروبا.

من المؤكد أن الفلسطينيين سيعانون بشكل مباشر وعميق من اتفاقيات السلام التي وقعتها الإمارات العربية المتحدة والبحرين. مع العلم أن هاتان الدولتان لا يعتبران أبطال العالم في مسائل متعلقة بحقوق الإنسان، بل إنهما يزعزعان بلا هوادة استقرار المنطقة في حربهما ضد الإسلام السياسي، مهما كان معتدلا. ولعل "إسرائيل" أيضا لا تتخلف عن الركب بشأن هذه المسألة.

صحيح أن "إسرائيل" تحافظ على هيكل ديمقراطي وأن استطلاعات الرأي تحدد من يحكم البلاد. في المقابل، تسمح "إسرائيل" لنفسها بإبرام المعاهدات والاتفاقيات لفرض فصل عنصري واضح في الأراضي المحتلة بدعم غير مشروط من الولايات المتحدة واللامبالاة الأوروبية المستمرة. 

في هذا الإطار، أصبح من الواضح بشكل متزايد أن الرئيس محمود عباس كان ينبغي أن يستقيل منذ سنوات عديدة. منذ وفاة ياسر عرفات قبل خمسة عقود، سمح عباس ل"إسرائيل" بالتلاعب بالفلسطينيين بدلا من جعل الدولة اليهودية مسؤولة عن قضية الاحتلال. بالنسبة ل"إسرائيل"، يُعد هذا الوضع مريحا للغاية حيث يدير عباس الاحتلال ويسمح بمواصلة توسيع استعمار الأراضي الفلسطينية.

في الحقيقة، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نبرر استمرار عباس في منصب الرئيس بشكل وهمي ومواصلة خداعه لشعبه سنة بعد أخرى. خاصة حين يتضح أن عباس قاد الفلسطينيين إلى طريق مسدود من خلال الوعد بحل الدولتين، الأمر الذي صدقه هو وأربعة مسؤولين فقط من بروكسل الذين يتعاونون مع "إسرائيل" بقدر ما يتعاون عباس نفسه مع قدرته الهائلة على كتابة بلاغات سخيفة وغير مجدية. 

بات من المؤكد أن تطبيع الإمارات والبحرين مع "إسرائيل" سيتبعه عاجلا وليس آجلا تطبيع المملكة العربية السعودية ودول عربية أخرى، إنه أمر لا مفر منه في السياق الدولي الحالي. على الأرجح، يعمل الرئيس دونالد ترامب على ترك مسألة تطبيع المملكة العربية السعودية مع "إسرائيل" إلى وقت لاحق باعتباره انقلابا آخر قبل الانتخابات المقرر تنظيمها في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر القادم.

في حال اعتبرنا أن "إسرائيل" مختصة في زعزعة استقرار كل شيء لا تريده مستقرا، فيمكن أن نقول الشيء نفسه بالنسبة للإمارات العربية المتحدة، بحيث يشترك رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والأمير محمد بن زايد في عدة أهداف في هذا المجال. في الواقع، لقد عمل الطرفان معا وبطريقة منسقة لعدة سنوات لخلق شرق أوسط مصطنع لهم بشكل واضح.

تعتبر إيران العدو المعلن بالنسبة لنتنياهو وبن زايد وأيضا للأمير السعودي محمد بن سلمان، لكنهم سلطوا أنظارهم في السنوات الأخيرة أيضا على رجب طيب أردوغان. ولعل كل الأمور تشير إلى أنهم لن يهدأوا حتى يعرقلوا مسار الرئيس التركي الذي تبنى الإسلام المعتدل غير المطاق بالنسبة إليهم. كما يتبنى بعض القادة الأوروبيين، مثل الفرنسي إيمانويل ماكرون، هذه الرؤية.

ما من شك أن دماء الفلسطينيين تعد بمثابة الحبر الأحمر للتطبيع الذي سوف توقعه الإمارات والبحرين اليوم في واشنطن، دون أن نستثني أيضا دماء اليمنيين والليبيين في الوقت الحالي. في الأثناء، لم تصدر القوانين الدولية وقرارات مجلس الأمن حول ما تقوم به الولايات المتحدة و"إسرائيل"، كما يقدر المستبدون في المنطقة بشدة القوة المفرطة لهاتين الدولتين اللتين لا تخضعان للمساءلة أمام أحد.

من ناحية أخرى، لن تتوقف مهزلة المفاوضات مع الفلسطينيين التي بدأت مع اتفاقات أوسلو سنة 1993 لأن عباس يفضل إستمرار تلك المهزلة على الاستقالة من السلطة. ويبلغ الرئيس الفلسطيني من العمر 84 سنة، وهو يصر على الحفاظ على علاقة جيدة مع "إسرائيل"، مع العلم أن ذلك يغذي يوميا نبذ العدالة والتخلي عن استعادة 22 بالمئة من أراضي فلسطين التاريخية المحتلة منذ حرب 1967.

عموما، أصبح النهب الذي تمارسه "إسرائيل" كل يوم عملة مشتركة تقبلها الآن دول الخليج العربية بشكل علني. لا تُنعت مقاومة الاحتلال الإسرائيلي الوحشي "بالإرهاب" في أوروبا المقفرة وغير المنطقية بشكل متزايد فحسب، بل تتبنى الدول العربية هذا الموقف وهي الدول التي تخلت عن العدالة في بحثها عن السلطة وحماية كل شيء بما في ذلك الفساد.

ربما لا يوجد صراع آخر في العالم حيث يدعي المعتدون "الدفاع عن النفس" لتبرير التجاوزات التي يرتكبونها يوميا، ولا يوجد صراع آخر تُصنف فيه الأعمال المشروعة لمكافحة الاحتلال العسكري على أنها "إرهابية"، مع استخفاف يتعارض مع القانون ومفارقة تسامح المجتمع الدولي.

مع ذلك، من الصعب انتقاد الإمارات أو البحرين عند اعتبار أن السلطة الفلسطينية على خط المواجهة في التعاون مع "إسرائيل". إذا لم يتم حل السلطة الفلسطينية قريبا، فمن المحتمل أنه في وقت قصير جدا سيكون الضرر الذي سيلحق بالقضية الفلسطينية لا رجوع فيه تماما وستنتهي "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" بالإعلان عن سيادتها على جميع الأراضي المحتلة، وهو أمر حدث بالفعل.

المصدر: بوبليكو