لا تيأس إيران من محاولة صنع أذرع لها في كل بلدان المنطقة، فالعقلية الإيرانية أصبحت على ثقة تامة في قدرتها على إعادة إنتاج كل ما يتعرض للتلف في مواضع وأماكن أخرى، فقط كل ما تحتاجه هو النبتة الشيعية والعوامل المغذية للطائفية وكفى.

وربما هذا سر صعود نجم لواء زينبيون الباكستاني الذي استحوذ على هالة إعلامية كبرى لدرجة أن الجيش الإيراني أدرج علمه إلى جانب مليشياته الأخرى في غياب ‏سياسي ودبلوماسي باكستاني يستدعي تفكيك الظاهرة والحديث عن سياقاتها وما الذي يمكن أن تنتهي إليه.

لواء زينبيون

لواء عسكري شيعي باكستاني، تتألف صفوفه من الشيعة الباكستانيين الذين يعيشون في إيران والهزارة الذين ما زلوا في باكستان، بجانب أطياف أخرى من شيعة باراتشينار وبختونخوا، ويشرف على تشكيله وتمويله وتدريبه الحرس الثوري الإيراني الذي يعمل تحت إمرته، وكان يحارب في الخطوط الأمامية بسوريا.

تعود بذور العلاقات الشيعية الإيرانية الباكستانية على هذا المستوى إلى وقت اندلاع الثورة الإيرانية التي حركت عواطف الكثير من شيعة باكستان، وهو ما اتضح بعد تأسيس جماعة "نفاذ فقه الجعفري" أو ما تُعرف حاليًّا باسم "تحريك الجعفرية"، بعد أسابيع قليلة من الثورة الإيرانية في مدينة بكهر الباكستانية.

بذل عارف الحسيني - تلميذ الخميني - وأحد أهم علماء الدين الباكستانيين وقائد النهضة الجعفرية، الذي تتلمذ في حوزات النجف الأشرف وقم على يد كبار العلماء، جهودًا كبرى في تصدير أيديولوجية إيران التوسعية إلى باكستان وتنظيم العناصر الشيعية المختلفة والتوحيد بينهم لإنشاء شبكات موالية لإيران. 

photo

وفاة الحسيني عام 1988 على يد مجهولين، لم تنه مجهود الرجل، فقد استطاع خلال هذه السنوات القليلة إرساء جذور الفكر لتعبئة وإنشاء العديد من الأذرع الموالية لإيران بشكل كامل على رأسهم لواء "زينبيون" الذي خرج من باكستان ولواء "فاطميون" من أفغانستان، وبالفعل تم استخدامهما بعد سنوات طويلة من الإعداد للأغراض التي دشنوا من أجلها، وأرسل اللواءان منذ عام إلى سوريا للقتال ضد الثوار السوريين إلى جانب حزب الله.

تذرع الجهاديون الباكستانيون الذين دخلوا إلى الصراع السوري في وقت متأخر نسبيًا عام 2013 عن باقي المكونات الإيرانية، بالهجوم الصاروخي الذي شنته المليشيات السلفية على مرقد زينب في دمشق، وبعض المنشآت الشيعية الأخرى للمشاركة في الحرب السورية، وتخفيفًا للصدام مع الأجهزة الأمنية الباكستانية، زعموا أن الدفاع عن المراقد الشيعية هو الدافع الرئيسي لتشكيل لواء زينبيون.

لكن تفاصيل التجنيد والهدف الأساسي منه قد يكون مختلفًا بشكل كبير، ولأسباب أخرى نشرت بعضها منها إحدى الوكالات الآسيوية التي أكدت أن الحرس الثوري الإيراني وفر تدريبًا لمقاتلي زينبيون في 9 معسكرات تدريب داخل إيران، وقدم على إثرها عدة مزايا منها إقامة دائمة وراتب شهري قدره 1200 دولار، ودفع كل النفقات اللازمة لأطفال المقاتلين حال مقتلهم.

أكدت الوكالة أن إيران تستقطب أبناء الفقراء تحديدًا ومعهم بعض أبناء الطبقة الوسطى، وخاصة من لديهم شعور كبير بالاغتراب في باكستان، بما يمكنها من تقديم نفسها دائمًا كحام وحيد للشيعة في جميع أنحاء العالم، وما يستعدي تجنيد الشيعة لأنفسهم وبذل الغالي والرخيص حماية للمصالح الإيرانية سواء كانت روحية أم ثقافية أم مادية. 

ما يثير الغرابة عدم تقدم باكستان بأي احتجاج دبلوماسي عبر القنوات الرسمية على الكثير من التصرفات

نعود لسوريا، مع طول القتال واستعادة بشار الأسد للكثير من توازنه على الأرض، أجبر مقاتلو لواء زينبيون على العودة إلى بلادهم، ورغم نشاط المخابرات الباكستانية في القبض على بعضٍ منهم، فإن العناصر المدربة عسكريًا ومخابراتيًا بشكل جيد للغاية، نجحوا في التسلل عبر المعابر الحدودية بين باكستان وإيران بتسهيلات كبيرة من الأجهزة المخابراتية الإيرانية، وبعد العودة أصبح نشاطهم الأساسي ينحصر في استكمال ما بدأه الإمام الحسيني واستقطاب شبكة جديدة من الشباب الباكستاني للقتال بين صفوف اللواء. 

صمت باكستان

تعلم باكستان جيدًا ملامح المشروع الإيراني على أراضيها، ورغم ذلك لم تحظُر إسلام أباد المنظمات المُتورطة في تجنيد الشباب الباكستانيين في لواء زينبيون، وحتى الآن لا تتخذ موقفًا واضحًا منهم، خاصة بعد أن رفع الجيش الإيراني علم اللواء الباكستاني إلى جانب مليشياته الأخرى بعد مقتل قاسم سليماني في العراق أوائل هذا العام.

ما يثير الغرابة عدم تقدم باكستان بأي احتجاج دبلوماسي عبر القنوات الرسمية على هذا التصرف الذي ينتهك سيادتها، لكن بعض التحليلات تحاول فك ألغاز الموقف الرسمي الباكستاني، وتشير إلى تخبط باكستان في تبني موقف رسمي من الثورة السورية، وهذا ما يثير تعاطفًا داخل مراكز صنع القرار، وبعض الأجنحة تشير بالصمت إلى تسريب المقاتلين لأراضيها عبر شماعة طائفية لإنقاذ سوريا من بشار.  

photo

ما يزيد هذه الشكوك، هو صمت وسائل الإعلام الباكستانية التي تنحاز لإيران في كل قضية تكون طرفًا فيها، وربما هذا هو سبب عدم التعريض إعلاميًا بلواء زينبيون أو بحث حالته رغم نشاطه الطائفي الواسع في البلاد، الذي لا يمكن أن يستمر دون إيجاد شبكات واسعة ومتعددة من تجنيد وتدريب وتمويل للمقاتلين وعائلاتهم، وهي أزمة لباكستان لو استمر تجاهل النشاط الإيراني على هذا النحو. 

هذا التجاهل يستمر أيضًا، رغم إعلان وزارة الخزانة الأمريكية في يناير من العام الماضي، فرض عقوبات على لواء زينبيون كجزء من جهود لإغلاق الشبكات العسكرية التي يستخدمها النظام الإيراني لتصدير الاضطرابات في جميع أنحاء العالم، وكما هو معتاد لم تهتم إيران ولا أذرعها بالعقوبات، والدليل توسع عمل لواء زينبيون في تجنيد المزيد من الشيعة الباكستانيين لتحصين المصالح الجيوسياسية والإستراتيجية لإيران.  

وقد يكون من الإنصاف الحديث عن مشاكل باكستان في مواجهة ما يحدث، بداية من صعوبة كشف عمليات التجنيد وإستراتيجياتها التي تتغير من وقت لآخر في سرية تامة وبطرق مجهولة من تدبير مخابرات طهران، فضلًا عن الضغوط الإيرانية على الحكومة الباكستانية لتبسيط التجارة الثنائية والعلاقات الأخرى التي يمكن أن تفيد مصالحها المالية ما يجعلها تتجاهل المشكلة ولا تضيق عليها، لا سيما أن باكستان هي الأخرى تخضع لعقوبات أمريكية مربكة لاقتصادها. 

يحاول الحرس الثوري العمل بقوة لربط مصير المكوّن الشيعي الباكستاني بطهران، حتى تصبح إيران دائمًا المركز والمرجعية الأعلى بعيدًا عن ولاءات الوطن

كما تعجز باكستان حتى الآن عن إيجاد إستراتيجية قوية تفرض من خلالها سيطرة شاملة على حدودها مع إيران سهلة الاختراق، ما يخلق المزيد من التحديات الأمنية لباكستان في المستقبل، فمن دون السيطرة على التحركات غير الشرعية على الحدود الباكستانية الإيرانية، سيكون من الصعب للغاية إيقاف نقل هؤلاء المقاتلين من باكستان إلى إيران، لا سيما أن ضبط الحدود من الجانبيين مسؤولية مشتركة دائمًا بين البلدين، وهو ما تتقاعس عنه إيران وفقًا لمصالحها. 

الزينبيون البديل الواقعي لحزب الله    

ترصد العديد من الدراسات سر توسع دائرة الحشد الشيعي داخل باكستان، وتؤكد أنه يحقق لإيران أهدافًا مركزيةً، بعيدًا عن قصة خلافة حزب الله التي تترد حاليًّا في الأوساط الإعلامية العالمية، فهناك دائمًا رغبة في تثبيت النفوذ الإيراني وتوسيعه داخل الطائفة الشيعية الباكستانية.

يحاول الحرس الثوري العمل بقوة لربط مصير المكوّن الشيعي الباكستاني بطهران، حتى تصبح إيران دائمًا المركز والمرجعية الأعلى بعيدًا عن ولاءات الوطن، وربط هؤلاء جميعًا بولاية الفقيه، وما تمثله من انتماء يتجاوز الجغرافية البلدانية، ويمنح الأولوية للمذهب ومقتضياته السياسية.

تمكن هذه الإستراتيجية إيران من الاستمرار في شن حربها الإقليمية الشاملة التي تخوضها في عدة بلدان بالشرق الأوسط لمد نفوذها، لا سيما أن تدويل أزمة لبنان، أضعفت بشدة من حزب الله وتأثيره، وأصبح هناك سيناريوهات عدة، بعضها يتوقع تفكيكك الحزب أو إضعافه على أقل تقدير على المدى القريب، إذا استمر الضغط قائمًا من الداخل والخارج، ولهذا تعي إيران هذه الإشكالية، ما يدفعها إلى التقارب مع شيعة العالم وتذويب الاختلافات الفقهية لتنصهر مع الوقت مع نموذجها، لإعادة إنتاج الحزب اللبناني في ثياب أخرى.  

photo

هذه المعطيات تؤكد أن إشراك لواء زينبيون في الحرب السورية، لم يكن يهدف للدفاع عن المراقد الشيعية فقط أو نظام بشار الأسد، لكنه كان يستهدف في المقام الأول إعادة التموضع داخل المشهد الباكستاني، لا سيما أن الشيعة تشكل نحو 20% من السكان البالغ عددهم 180 مليونًا، وهناك توترات طائفية بعضها يتجاوز إلى العنف المسلح، وهي بيئة خصبة للوجود الإيراني، ودائمًا ما تستخدم هذه الظروف للوجود، فالتطاحن الديني وارتخاء قبضة الدولة، المدخل الأساسي لاحتماء الطائفية. 

يمكن القول إن إيران دخلت إلى المعترك الباكستاني وفي جعبتها خبرة تمتد إلى نحو 3 عقود من الزمان في كيفية إقناع الشيعة بحمل السلاح ضد دولهم في سبيل حماية المصالح الطائفية والمادية، وهي في النهاية مصالح إيران، حدث ذلك مع حزب الله ومنظمة بدر العراقية التي كان لها دور فعال في الحرب العراقية الإيرانية لصالح الأخيرة، وبالتالي فالزينبيون دخلوا في حسابات الإستراتيجية الإيرانية للعمل بنظام الحرب بالوكالة لحماية المجال الحيوي الجديد لطهران وسينفذ هذا السيناريو، إلا لو ارتأت باكستان حاجة وطنية لوقف المخطط، ودفعت ثمنًا مناسبًا لذلك.