يعزف العراقيون منذ عقود عن إيداع أموالهم في المصارف الحكومية والأهلية، ما جعل الجزء الأعظم من الكتلة النقدية بالدينار العراقي خارج النظام المصرفي في وضع يكاد يكون فريدًا في العالم، ومع اشتداد الأزمة المالية العالمية وتأثر العراق بها إثر جائحة كورونا وانهيار أسعار النفط، شهدت الحكومة العراقية عجزًا ماليًا كبيرًا في توفير النفقات العامة والرواتب ما اضطرها للاقتراض من المصارف. 

غير أنه وبعد سماح البرلمان للحكومة بالاقتراض الداخلي والخارجي، واجهت الحكومة معضلة أخرى تتمثل بنقص السيولة المتاحة في المصارف، ليدعو البنك المركزي على إثرها العراقيين إلى إيداع أموالهم في البنوك بدل الاحتفاظ بها في منازلهم.

الأسطر التالية لـ"نون بوست" تناقش واقع النظام المصرفي العراق من حيث ثقة العراقيين به وأهم المشكلات التي يعانيها، فضلًا عن قراءة مدى فاعلية النظام المصرفي.

النظام المصرفي في العراق

مر النظام المصرفي العراقي بعدة مراحل بدءًا من عام 1867، فكان أقدم مصرف عُرِف في العراق هو البنك العثماني ثم بنك الشاه نشاه الإيراني والبنك الشرقي البريطاني، ثم بدأت بعدها مرحلة الصيرفة العراقية الوطنية عام 1935 التي شهدت إنشاء المصرف الصناعي الزراعي الذي انشطر بعد عام 1940 إلى مصرفين هما: المصرف الزراعي والصناعي. 

بعد ذلك وتحديدًا عام 1941 أنشئ مصرف الرافدين كمصرف حكومي تجاري وحيد، ثم البنك المركزي العراقي عام 1947، ثم جاء المصرف العقاري عام 1948 والمصرف التعاوني ومصرف الرهون والعديد من المصارف العراقية الخاصة.

أما اليوم فيشير الموقع الرسمي للبنك المركزي العراقي إلى أن عدد المصارف المحلية والأجنبية العاملة في البلاد يبلغ 78 مصرفًا، بينها 7 حكومية و45 مصرفًا أهليًا، فضلًا عن 17 فرعًا لمصارف أجنبية عاملة في البلاد.

شرَّع العراق عام 2004 قانون المصارف رقم (94)، واستنادًا إلى منهجية اقتصاد السوق تم تحرير سعر الفائدة وإلغاء خطط الائتمان وفتح باب العمل للمصارف الأجنبية سواء عن طريق المشاركة في المصارف المحلية أم فتح فروع لها، فضلًا عن تسهيل القانون لتحويل الأموال وإطلاق حرية التحويل الخارجي باستثناء ما له علاقة بمتطلبات قانوني مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب.

ورغم كل ذلك، إلا أن عدد مرتفع من العراقيين لا يمتلكون حسابًا مصرفيًا، لأسباب عدة لعل أبرزها عدم وثوق المواطنين بالمصارف فضلًا عن عدم تشجيع الدولة على التعامل معها، فلا يزال العراقيون يتعاملون بالعملة الورقية في جميع عمليات البيع والشراء والادخار وغير ذلك. 

مشكلات النظام المصرفي

عراقيل عدة تعترض تطور النظام المصرفي في العراق، إذ وبحسب عضو اللجنة المالية النيابية أحمد حمه رشيد فإن البنية التحتية للنظام المصرفي تفتقر للمصداقية من العراقيين، بمعنى أن هذه المصارف لم تستطع مشاركة العراقيين في التنمية الاقتصادية لبلادهم.

ويشير رشيد إلى أن العراق لا يزال عاجزًا عن إقرار تشريع قانوني يضمن الودائع في البنوك الحكومية والأهلية رغم أن مشروع القانون عُرض على الدورة البرلمانية السابقة بين عامي 2014 و2018 دون تمكن البرلمان من إقراره، وهو ما تسبب بحسب رشيد في أن تكون الكتلة النقدية العراقية المودعة في البنوك ضئيلة مقارنة بحجم الكتلة النقدية ككل. 

ويكشف رشيد أن حجم الكتلة النقدية الصادرة عن البنك المركزي تقدر بـ80 تريليون دينار عراقي، بمعدل تداول يصل إلى 40 تريليون دينار عراقي، وأن أقل من 20 تريليون دينار فقط هو ما تضمه البنوك في البلاد، بما يعني أن معدل الاكتناز في البلاد يصل إلى أكثر من 75% من حجم الكتلة النقدية ككل. 

ولعل عزوف العراقيين عن التعامل مع المصارف لم يأت من فراغ أو من غياب التشريعات الضامنة بالدرجة الأساس، إذ كيف للعراقي أن يتعامل مع السوق المحلية من خلال المصارف ولا توجد في جميع أنحاء البلاد أسواقًا توفر خدمة البيع عن طريق الدفع الإلكتروني او ما يعرف عالميًا بـ(BOS) الذي يُمكِّن المحال التجارية من استلام الأموال من الزبائن عن طريق بطاقات الائتمان المصرفية. 

النظام المصرفي لا يمتلك القدرة على استقطاب المودعين والحفاظ على أموالهم، فضلًا عن التعامل الحسن معهم

وتبرز مشكلة أخرى لا تقل أهمية عن سابقاتها، إذ إن عدد وحدات السحب المالي عن طريق بطاقات الائتمان (ATM) تكاد تكون معدومة إلا بأعداد قليلة داخل المصارف الأهلية فقط، وبالتالي ما فائدة إصدار العراقيين لبطاقات ائتمان وهم يتعاملون مع الأسواق المحلية فقط. 

مشكلات داخلية

يكتنف العمل المصرفي في البلاد مشكلات جمة، فقد أوضحت دراسة لمركز الروابط للبحوث والدراسات الإستراتيجة أن البنك المركزي كشف مشكلة مهمة في القطاع المصرفي العراقي، وتتمثل بانخفاض الكتلة المصرفية التي من المفترض أن تكون مصرفًا لكل 10 آلاف شخص، فيما أن عدد المصارف في العراق أقل بكثير من ذلك، حيث يوجد مصرف لكل 32 ألف شخص، ما يعني التأخر كثيرًا عن اللحاق بالمعايير الدولية المتبعة.

أما الخبير المصرفي موفق حسن محمود فعزا من جانبه أسباب تخلف القطاع المصرفي العراقي بهيكليته الحاليّة إلى عوامل كثيرة من بينها الضعف والارتباك في عدد غير قليل من التعليمات التي يصدرها البنك المركزي العراقي بين الحين والآخر، ثم سحبها أو تعديلها بعد أيام من إصدارها، معتبرًا أن الأساليب الرقابية على المصارف لم تواكب تطور البنوك المركزية في الدول المتقدمة ولا في الدول المجاورة.

إضافة إلى افتقار النظام المصرفي لقواعد الحوكمة اللازمة لمراقبة أداء مجالس الإدارة، وظهور مجالس إدارة وإدارات مصرفية غير مهنية لا صلة لها ولا خبرة ولا معرفة بالعمل المصرفي، فضلًا عن افتقادها للمؤهلات الاقتصادية اللازمة. 

وهذا ما يشير إليه كذلك أستاذ الاقتصاد في الجامعة العراقية عبد الرحمن المشهداني الذي يؤكد من جانبه أن "النظام المصرفي لا يمتلك القدرة على استقطاب المودعين والحفاظ على أموالهم، فضلًا عن التعامل الحسن معهم، بما أدى منذ تسعينيات القرن الماضي إلى أن تلجأ جميع الحكومات إلى إيقاف سحوبات المودعين في فترة الأزمات". 

أي تنمية مستدامة في البلاد وأي استثمارات دولية تتطلب نظامًا مصرفيًا مرنًا وله شبكات علاقات مع مختلف المصارف في العالم

كما يشير إلى أن قانوني مكافحة غسيل الأموال والإرهاب - المعمول بهما في العراق - طُبقا بإجحاف، موضحًا أن فتح أي حساب مصرفي يتطلب إكمال تدوين استمارات معقدة وأسئلة عن مصدر الأموال و(من أين لك هذا؟) مع مطالبة المصرف للمودع بجلب كفيل يضمنه.

وعن عمل المصارف الأجنبية في البلاد وافتقار العراق للرصينة منها، أوضح المشهداني أن البنك المركزي يشترط على المصارف الأجنبية - التي تود الدخول للبلاد - أن لا يقل رأس مالها عن 50 مليون دولار، لافتًا إلى أن السماح للمصارف بدخول شراء الدولار من مزاد العملة للبنك المركزي مباشرة، جعل عملها مُنصَبًا على البحث عن الأرباح، فالبنك المركزي يبيع الدولار الواحد بـ1190 دينارًا للبنوك، فيما تجني المصارف أرباحًا طائلةً من بيعها الدولار في السوق السوداء بأسعار تفوق سعر شرائه بما يقرب من 40 دينارًا لكل دولار، خاصة إذا علمنا أن لكل مصرف الحق في شراء 5 ملايين دولار يوميًا من البنك المركزي العراقي.

مشكلات جمة يعاني منها النظام المصرفي في البلاد، وأي تنمية مستدامة في البلاد وأي استثمارات دولية تتطلب نظامًا مصرفيًا مرنًا وله شبكات علاقات مع مختلف المصارف في العالم، في الوقت الذي يبدو فيه أن المصارف العراقية بأكملها لا تمتلك مصارف مراسلة أو ما يعرف عالميًا بـ(Correspondent banks)، إذ إن أي تحويل مالي من العراق أو إليه غالبًا ما يتم ببطء شديد بسبب عدم وجود شبكات مالية للبنوك العاملة في العراق.