كثيرا ما تعرضت مريم إلى التضييق بسبب حجابها

كثيرا ما تعرضت مريم إلى التضييق بسبب حجابها

كثيرا ما يستخدم المسؤولن الفرنسيون كلمات مثل "الديمقراطية" و"حقوق الإنسان" و"الحريات" و"حق الاختلاف"، حتى أن فرنسا خاضت العديد من الحروب خارج بلادها للترويج لهذه المبادئ بحسب زعمها، لكن هذه الادعاءات سقطت مرارًا عديدة.

إذ تمارس فرنسا "الديمقراطية" حسب الأهواء وحسب الشخص المقابل، فإن اطمأنت له عُمِل الشخص باحترام وتبجيل، وإن كان يختلف عنهم ويتبنى فكرا وعقيدة غير التي يتبنّون فسيكون الرفض والنبذ من نصيبه.

هذا ما حصل مع الطالبة المسلمة مريم بوجيتو (21 عاما) التي تترأس الاتحاد الوطني لطلبة فرنسا في جامعة السوربون بباريس، في البرلمان الفرنسي مؤخرا، وقد كان "عيبها" وفق دعاة الديمقراطية ارتداء الحجاب الإسلامي.

تعطيل جلسة نقاش مع الشباب

مرة أخرى، تقع الطالبة المحجبة مريم بوجيتو ضحية للإسلاموفوبيا لدى الطبقة السياسية الفرنسية، حيث غادر برلمانيون يمينيون وجمهوريون أمس الخميس اجتماعا في البرلمان الفرنسي؛ رفضا لوجودها وهي مرتدية حجابها خلال جلسة عمل في الجمعية الوطنية حول تداعيات فيروس كورونا على الشباب.

من بين أولئك الذين غادروا غرفة قصر بوربون، عضو حزب الجمهورية إلى الأمام الحاكم في فرنسا آن كريستين لانغ، التي أكدت بأنها ترفض وجود محجبة في اجتماع للبرلمان قلب الديمقراطية، وأضافت: "بصفتي مدافعة عن حقوق المرأة والقيم العلمانية، لا يمكنني قبول شخص يرتدي الحجاب في الاجتماع".

يحدث أن تزور وفود أجنبية الجمعية العامة الفرنسية، وتكون ضمن هذه الوفود نساء محجبات ولا يتم منعهن من الدخول إلى المجلس تحت أي ذريعة

تترأس الفتاة المسلمة مريم بوجيتو، الاتحاد الوطني لطلبة فرنسا في جامعة السوربون بباريس، المسمى اختصارا بـ "أوناف"، وقد أثار ذلك انتقادا كبيرا لهذه المنظمة الطلابية التي اختار أعضاؤها فتاة محجبة لقيادته والتحدّث باسمه.

بدوره قال النائب عن حزب "الجمهوريين"، بيير هنري دومون، قبل أن يقاطع الجلسة ويغادر القاعة، برفقة النائبين ماريان دوبوا وفريديريك ريس، إنه "عمل مجتمعي متعمد" و "انتهاك لـ " مبدأ العلمانية الذي يجب أن يلتزم به الجميع."

ويرى هؤلاء النواب أن الحجاب "غير متوافق" مع "قيمهم" وأن ذلك يمثل خطر لمبادئ العلمانية التي يؤمنون بها وحياد مؤسسات الدولة، كما يرون أن مريم تتعمد ارتداء الحجاب قصد التأثير على الشباب وحثهم على اعتناق الإسلام.

عدم احترام القانون

الغريب في الأمر أن ما قام به هؤلاء النواب الأربعة، يخالف قانون الجمعية العامة الفرنسية، فلا وجود لقاعدة تمنع الناس من حضور اجتماع الجمعية بملابس دينية، حيث تخصّ الإشارة الوحيدة الواردة في اللائحة الداخلية أعضاء المجلس فقط، ويجب أن "تظل ملابسهم محايدة" و"يحظر ارتداء أي رمز ديني ظاهر أو زي رسمي أو شعارات أو رسائل تجارية أو شعارات ذات طابع سياسي".

معنى ذلك، أنه لا يوجد معايير تمنع ارتداء الرموز الدينية في إطار العمل البرلماني للأشخاص الذين يأتون إلى هناك لحضور الاجتماعات أو المشاركة فيها، وهو ما ينطبق على الطالبة المسلمة مريم بوجيتو، فلكل شخص الحرية في ارتداء ما يحلو له.

يحدث أن تزور وفود أجنبية الجمعية العامة الفرنسية، وتكون ضمن هذه الوفود نساء محجبات ولا يتم منعهن من الدخول إلى المجلس تحت أي ذريعة. لكن هنا عوض أن يشجّعوا الشابة مريم على احترمها القانون الفرنسي وتطبيقه، عبّر هؤلاء النواب عن عنصريتهم ومواقفهم الانفصالية ورفضهم للأخر لمجرّد ارتداءه زيا مختلفًا عن معتقداتهم.

ما أتى به هؤلاء تمييز مخجل، وازدراء للعلمانية التي يدعون الإيمان بها، والتي تتطلب حيادية الدولة وليس المواطنين، فقد نصت المادة الأولى من القانون المؤرّخ في 9 كانون الأول/ديسمبر 1905 على أن الجمهورية تضمن حرية المعتقد وحرية العبادة والرموز الدينية.

نفاق "العلمانية" الفرنسية

ما حدث في البرلمان الفرنسي، يوم أمس الخميس، يؤكّد المساحة الشاسعة التي تفصل القيم والمبادئ التي يتبناها المسؤولين الفرنسيين في إطارها النظري، وبين ما يتم تطبيقه حقيقة، وما يجد المجتمع انعكاساته في التفاصيل المعاشة.

إذ دائما ما يؤكّدون احترامهم للآخر وحق الاختلاف، لكن هذا يبقى مجرّد كلام نظري والواقع عكس ذلك، ففي فرنسا، بلد تقدس شعار الحرية والمساواة والإخاء، يواجه الحجاب الإسلامي رفضا قويا، فهناك من يعتبره تحديا سافرا للعلمانية الفرنسية، وهناك آخرون يعتبرونه شكلا من أشكال الاضطهاد للنساء ورمزا للتخلف.

ولا تهدأ عاصمة التنوير الأوروبي، فرنسا، عن تضييق الخناق على المسلمات المحجبات، سواء في أماكن العمل، والمصالح الحكومية، والمؤسسات التعليمية، فضلا عن الأماكن العامة، وهو ما يتناقض مع قيم الحرية والمساواة التي ترفعها فرنسا منذ ثورتها.

هؤلاء المسؤولين والقانون التي سنّوه والتي يريدون تدعيمها بقوانين أخرى، فضحت "علمانية" فرنسا وجعلت مشاهد إيذاء المحجبات تصل إلى الشوارع اليومية

سبق أن شنّ سياسيون ودعاة حقوق المرأة الذين يعتبرون أنفسهم حماة الجمهورية حملة شرسة ضدّ سلسلة متاجر ديكاتلون الفرنسية المتخصصة في المعدات الرياضية، بسبب تسويقها للحجاب الرياضي، وطالبوا بمقاطعة تلك الملابس الرياضية على الشبكات الاجتماعية وفي الصحافة.

مريم نفسها سبق لها أن تعرضت لمضايقات بسبب حجابها، فقبل سنتين ظهرت مريم مرتدية حجابها في مقابلة على القناة التلفزيونية الفرنسية "أم6"، للحديث عن رؤية نقابتها الطلابية حول مشروع إصلاح طلابي طرحته الحكومة، لكن ذلك لم يرق للعديد من المسؤولين الفرنسيين.

 

حتى وزير الداخلية الفرنسي حينها جيرار كولومب عبّر عن صدمته حيال رؤيته لفتاة ترتدي الحجاب على شاشة التلفاز الفرنسي، حيث قال إنه "أمر صادم"، معتبرا الفتاة مختلفة عن المجتمع الفرنسي، مضيفا "هذا الأمر يؤكد أنه من اللازم علينا أن نظهر النموذج الذي نسعى إليه.."

ضمن سعيها الكبير للتضييق على المحجبات، سنّت فرنسا العديد من القوانين المنافية لقيمها العلمانية ففي عام 2004 طرحت وزارة التربية الوطنية بفرنسا مشروع قانون منع الملابس ذات النزعة الدينية في المدارس، وهو ما أدى بدوره إلى منع الحجاب في المدارس الفرنسية.

في سنة 2010، أَقرّ مجلس الشيوخ الفرنسي قرارا بمنع النقاب في الأماكن العامة، ونص القانون على تغريم النساء اللواتي يرتدين النقاب بغرامة مالية، لتعلن وزيرة العدل الفرنسية حينها ميشيل أليو ماري "إن القانون يعيد تأكيد قيم المساواة والكرامة لكل الأفراد، وسيحول دون أن تكون المرأة عضوا لا وجه له في مجتمع عرقي أكبر".

بعد ذلك بـ 3 سنوات، اقترح المجلس الأعلى للاندماج في فرنسا حظر ارتداء الحجاب في جامعات البلاد، لكن هذا القانون لم يتم تفعليه حتى اليوم، وهو ما تزامن حينها مع تصريح رئيس وزراء فرنسا الرامي إلى منع الحجاب بالكلية في الشارع الفرنسي.

جعلت هذه القوانين والتضييقات السياسية هذه الفئة من النساء يواجهن صعوبات كبيرة فيما يتعلق بالاندماج المجتمعي والانخراط مع مواطني البلد المضيف، عدا عن أنها جعلتهن عرضة للتعليقات والجدالات الهادفة وغير الهادفة، ما أدى في نهاية المطاف إلى تأطيرهم وحصرهم في شكلهم الخارجي ومعتقداتهم الدينية.