ترجمة وتحرير نون بوست

تحول الصراع القائم في شرق البحر المتوسط بين ​ تركيا واليونان إلى صراع بين تركيا ودول الخليج العربي. ويلعب الاحتلال الإسرائيلي الذي يسعى لتحقيق طموحاته المتمثلة بالظفر بمركز نقل للطاقة في المنطقة دورًا مهمًا في تفاقم الوضع الحالي.

إن الصراع الأيديولوجي بين تركيا والأنظمة الملكية في الخليج العربي آخذ في التفاقم منذ بداية الربيع العربي. وقد ساهم ازدهار الاقتصاد التركي وتبنيها أيديولوجيا مماثلة لأيديولوجية جماعة الإخوان المسلمين في تنمية آمال تركيا في احتلال دور قيادي في المنطقة.

يخدم هذا الصراع الاحتلال الإسرائيلي، إذ إنه يساعده على تعزيز علاقاته مع أوروبا وجيرانها العرب. ويمكن لخط أنابيب النفط العابر ل" إسرائيل" المعروف بخط أنابيب "إيلات عسقلان" الذي يبلغ طوله 254 كيلومترًا لعب دور مهم سواء في تعزيز هذه العلاقات أو تصعيد التوتر في شرق البحر المتوسط.  

شهدت العلاقات بين أنقرة والأنظمة الملكية في الخليج العربي نوعا من التصعيد على خلفية دعم الأتراك  للرئيس المصري السابق محمد مرسي والإخوان المسلمين، الذين وصلوا إلى السلطة بعد سقوط نظام حسني مبارك. في المقابل، يعتبر الملوك العرب الإسلام السياسي تهديدا حقيقيا لوجودهم.

لقد خدم الانقلاب الذي أطاح بالرئيس المصري محمد مرسي والزج به خلف القضبان والحرب الأهلية التي تتخبط فيها ليبيا منذ سنوات واكتشاف حقول غاز كبيرة في شرق البحر الأبيض المتوسط مصالح "إسرائيل". ومن غير المستبعد أن يؤدي التنكر للقضية الفلسطينية عن طريق تطبيع دول عربية على رأسها الإمارات والبحرين العلاقات مع تل أبيب إلى تشكيل تحالف مناهض لتركيا من شأنه صياغة الحياة السياسية في المنطقة خلال العقود المقبلة.

لم تبادر "إسرائيل" بإنشاء تحالف مناهض لتركيا، لكنها انضمت إلى التحالف الحالي المكون من فرنسا واليونان وقبرص ومصر والإمارات العربية المتحدة. إلى جانب تعزيز الأمن في المنطقة، تحاول هذه الدول تقوية الروابط السياسية والاقتصادية فيما بينها. وتحقيقا لهذا الهدف، استضافت القاهرة يوم 16 كانون الثاني/ يناير 2020 منتدى غاز شرق المتوسط، بحضور ممثلين عن مصر واليونان وقبرص و"إسرائيل" وإيطاليا والأردن وفلسطين.

يشير غياب تركيا عن هذا المنتدى إلى تبني المشاركين فيه نهجا معاديا لها. ومن المعلوم أن "إسرائيل" واليونان وقبرص تعمل أيضًا على إنشاء خط أنابيب غاز "إيست ميد" الذي سيربط المستهلكين الأوروبيين بحقول الغاز في شرق البحر المتوسط. وقد كانت فكرة استئناف استخدام خط أنابيب النفط الإسرائيلي "إيلات عسقلان" رصاصة أخرى أطلقت في خضم الحرب الأيديولوجية بين العرب وتركيا.

إن تطبيع العلاقات بين تل أبيب وبعض ممالك الخليج سيسمح باستخدام خط الأنابيب لتوفير إمدادات النفط، مما يقلل من آمال تركيا في أن تصبح مركزا للطاقة خاصة بعد اكتشاف حقول الغاز.

تعود البنية التحتية لخط الأنابيب "إيلات عسقلان" إلى سنة 1968 وقد شيدته "إسرائيل" بدعم من الشاه الإيراني. لكن بعد اندلاع الثورة الإسلامية في إيران سنة1979 قطعت إيران إمدادات النفط. وفي غضون أيام، انهارت أهمية "إسرائيل" كضامن أبدي لأمن الطاقة في أوروبا الغربية. في سنة 2003، أجريت تغييرات على المشروع مما سمح بتدفق النفط في كلا الاتجاهين، وانضم إليها شريكان مهمان جديدان، وهما أذربيجان وكازاخستان.

يريد التحالف المناهض لتركيا إعادة فتح خط أنابيب النفط "إيلات عسقلان"، الأمر الذي سيساهم في تزويد المشترين الأوروبيين بحاجاتهم من الطاقة والحفاظ على المصالح الاستراتيجية ل "إسرائيل" في نفس الوقت.

في المقابل، سيؤدي نقل النفط من الخليج العربي إلى أوروبا عبر خط الأنابيب هذا إلى تبديد آمال تركيا بأن تصبح مركزًا للطاقة. ومن المتوقع أن يحصل صاحب شركة خط أنابيب آسيا على حصة تتراوح بين 12 و17 في المئة من تجارة النفط التي تمر عبر قناة السويس. كما سيدر خط الأنابيب على الخزانة المصرية أرباحا كبيرة وذلك بفضل الرسوم المفروضة على نقل النفط.    

في تقرير لها، تطرقت مجلة "آسيا تايمز" إلى أن تحسين العلاقات بين "إسرائيل" ودول الخليج مهم لضمان أمنها. لكن من الضروري تعزيز الاستقرار في جميع أنحاء الشرق الأوسط وتطبيع العلاقات بين "إسرائيل" ومصر، لأنه دون ذلك سيظل استمرار هذه الدولة مهددا.

من المرجح أن يتغير الوضع مع استئناف استخدام خط الأنابيب الذي يربط بين ميناء إيلات ومحطة ناقلات النفط بعسقلان، مما يسمح للناقلات العملاقة باستلام البضائع في البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط.

حتى وقت قريب، ظل خط أنابيب النفط الصحراوي الذي يربط بين ميناء إيلات ومحطة ناقلات النفط بعسقلان يعمل في سرية نسبية لسببين: أولهما تفضيل عدد من الشركاء العرب إبقاء صفقاتهم التجارية وتعاونهم مع "إسرائيل" طي الكتمان نظراً للموقف السلبي تجاهها في العالم الإسلامي. أما الآن بعد تطبيع العلاقات مع الإمارات والبحرين، بدأ موقف بعض الدول من "إسرائيل" يتغير. كما أن إنشاء خط الأنابيب حتى قبل الثورة الإسلامية في ستينيات القرن الماضي نُفذ جزئيًا من قبل طهران.

إن كشف السرية عن خط أنابيب النفط الرابط بين إيلات وعسقلان يمكن أن يعزز موقف إيران في محكمة التحكيم الدولية. وقد سبق أن أمرت المحكمة في سويسرا "إسرائيل" بدفع تعويضات لطهران تقدر بحوالي 1.1 مليار دولار في سنة 2015.

على الرغم من مقاومة تركيا والفروق السياسية الأخرى، فإن الوضع الجيوسياسي الحالي في المنطقة وحالة البنية التحتية قد يؤدي إلى استئناف استغلال خط أنابيب النفط الرابط بين إيلات وعسقلان في أوروبا في المستقبل القريب جدا، مما سيزيد من التوترات في شرق البحر الأبيض المتوسط.

المصدر: إكسبرت