سبق أن طُرد دحلان من فلسطين

سبق أن طُرد دحلان من فلسطين

يبدو أن الإدارة الأمريكية لن تتوقف عند حد إقناع الإماراتيين والبحرينيين بالتطبيع مع الكيان الصهيوني، فها هي الآن تقنع دولًا أخرى للالتحاق بقطار التطبيع على رأسهم المملكة العربية السعودية، ليس هذا فحسب، فالأمريكان يسعون أيضًا إلى استبدال رجل المهام المشبوهة في المنطقة العربية محمد دحلان بالرئيس محمود عباس.

تسريبات ثم نفي

المساعي الأمريكية لاستبدال دحلان بعباس، كشفها السفير الأمريكي في "إسرائيل" ديفيد فريدمان، حيث قال إن واشنطن تفكر في استبدال القيادي المفصول من فتح محمد دحلان بالرئيس الفلسطيني، وفق صحيفة إسرائيلية.

ونقلت صحيفة "إسرائيل اليوم" المقربة من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، عن فريدمان، قوله إن واشنطن تدرس إمكانية تعيين دحلان المقيم في الإمارات رئيسًا لفلسطين بدلًا من عباس، موضحًا "نحن نفكر في ذلك، لكن ليست لدينا رغبة في هندسة القيادة الفلسطينية".

في ذات التصريح، وجه فريدمان انتقادات للسلطة الفلسطينية قائلًا: "يتشبثون بشكاوى قديمة جدًا وغير ذات صلة، إنهم بحاجة للانضمام إلى القرن الحادي والعشرين، فهم في الجانب الخطأ من التاريخ في الوقت الحاليّ".

تأمل الإدارة الأمريكية من خلال بث هذا التصريح إلى الضغط على عباس حتى يعدل موقفه من صفقة القرن وما يحيط بها من قرارات

مضيفًا "قيادة الشعب الفلسطيني لا تخدمه كما ينبغي. وأعتقد أن الناس في يهودا والسامرة - الاسم التوراتي للضفة الغربية - يريدون حياة أفضل، والشعب الفلسطيني بحاجة إلى فهم أنه من الممكن أن يحقق مثل هذا الهدف".

ولم يسبق لمسؤول أمريكي رفيع المستوى أن أدلى بمثل هذا التصريح بشكل علني، علمًا بأن فريدمان من المقربين جدًا من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو أول دبلوماسي يتولى مسؤولية السفارة الأمريكية بعد نقلها من تل أبيب إلى القدس.

لكن بعد ساعات من انتشار الخبر وإثارة الجدل في الأوساط العامة، عدلت الصحيفة الإسرائيلية الخبر وجعلت كلام السفير الأمريكي نافيًا لوجود نية لاستبدال القيادي المفصول محمد دحلان بعباس.

ولم توضح الصحيفة الإسرائيلية سبب التعديل، وعما إذا كان بناءً على طلب السفير الأمريكي أم لكونه تصويبًا لخطأ وقعت فيه، فيما عملت السفارة الأمريكية في "إسرائيل" على ترويج "التصريح المُعدل" وتوزيعه على الصحفيين.

رجل المهام المشبوهة

قبل الحديث عن هدف الإسرائيليين والأمريكيين من نشر مثل هذا التصريح وتعديله فيما بعد، دعونا نقدم سيرة بسيطة عن محمد دحلان الذي دائمًا ما يرتبط اسمه بالكثير من الملفات السوداء والشائكة في المنطقة بأكملها وتدور حوله بشكل مستمر علامات الاستفهام بالأدوار التي يؤديها، وكذلك الجهات التي يخدمها وينفذ مخططاتها بكل دقة.

يطلق عليه بعض الفلسطينيين "الثعلب" لشدة مكره وتعدد أدواره المشبوهة، ففي فلسطين المحتلة، خلق الكثير من الأزمات والخلافات الداخلية مع جميع الفصائل وعلى رأسهم حركة حماس، وصلت إلى حد الاشتباك المسلح مع الحركة، الأمر الذي دفعه للهرب من القطاع تجاه مصر خوفًا على حياته.

عمل دحلان على بث الفوضى في الدول العربية
عمل دحلان على بث الفوضى في الدول العربية

ليس هذا فحسب، فقد أثار مشاكل عديدة وافتعل الأزمات في الضفة الغربية أيضًا وبين قيادات حركة فتح التي ينتمي لها، بل ذهبت أصابع الاتهام لأبعد من ذلك حين خرجت قيادات فتحاوية كبيرة تتهمه بالضلوع المباشر في التسبب بوفاة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. 

أما خارج فلسطين، فحدث ولا حرج، حتى إن تحقيق لصحيفة لوموند الفرنسية وصفه بأنه "قلب المؤامرات السياسية والمالية في الشرق الأوسط"، كاشفًا دوره في تخريب الثورات العربية ومحاصرة الإسلاميين، مشيرًا إلى أنه يحظى في كل تحركاته بدعم سخي ورعاية كريمة من صديقه الحميم ولي عهد الإمارات محمد بن زايد.

أسندت لدحلان مهمة مواجهة صعود الإخوان المسلمين الفائزين في الانتخابات التي جرت في مصر وتونس بعد انتفاضات عام 2011، كما استخدم رجل الإمارات علاقاته في ليبيا لخدمة حليف أبو ظبي المتمرد خليفة حفتر في مواجهة حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا.

رفض فلسطيني للتطبيع العربي الإسرائيلي
رفض فلسطيني للتطبيع العربي الإسرائيلي

كما ينشط دحلان كذلك في سوريا، حيث ساهم في مارس/آذار 2016 في بعث "تيار الغد" بقيادة الرئيس السابق للائتلاف السوري المعارض أحمد الجربا، ويضم التيار مليشيا مسلحة موجودة في مناطق الشرق السوري.

كما ينشط أيضًا في لبنان، خاصة في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، ولديه قوة مالية ضاربة عبر منظمة غير حكومية، وقد تبنى مليشيات منشقة عن حركة فتح على غرار مجموعة محمد عيسى في مخيم عين الحلوة، المعروفة سابقًا باسم "لينو"، وهي مجموعة دخلت في مواجهات عسكرية مع مجموعات نظامية من حركة فتح بين عامي 2011 و2013.

الضغط على السلطة الفلسطينية

نعود الآن للحديث عن هدف الأمريكيين والإسرائيليين من بث هذا التصريح ومن ثم تعديله بعد انتشاره بكثافة. الواضح أن لهم أهدافًا عدةً في ذلك، من بينها الضغط على السلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس حتى تقبل بالخطوات الأمريكية بخصوص القضية الفلسطينية دون احتجاج.

وكان الناطق الرسمي باسم الرئاسة الفلسطينية نبيل أبو ردينة، قد قال في تصريح نقلته وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية "وفا": "سياسة التهديد والضغوط المستمرة ومحاولات الابتزاز الأمريكية للرئيس والقيادة، سيكون مصيرها الفشل".

مشيرًا إلى أن "السلام لن يكون بأي ثمن، والتطبيع والضم الإسرائيلي لأراض في الضفة الغربية مرفوض تمامًا"، مؤكدًا أن الشعب الفلسطيني وحده من يقرر قيادته وفق الأسس الديموقراطية، وليس عبر التهديد والوعيد.

يفهم من كل هذا أن الإدارة الأمريكية تأمل أن يكف عباس عن معارضة خططها أو أن يحل محله شخص يؤدي دورًا داعمًا لها ضمن رؤيتها في المنطقة

تأمل الإدارة الأمريكية من خلال بث هذا التصريح إلى الضغط على عباس حتى يعدل موقفه من صفقة القرن وما يحيط بها من قرارات كقرار الضم، ودفعه إلى إجراء تغييرات على موقفه الرافض للخطوات الأمريكية.

مكافأة دحلان على خدماته

فضلًا عن ذلك، يُفهم من هذا التسريب سعي الأمريكان وأصدقائهم العرب لمكافأة "الثعلب" محمد دحلان على ما قدمه من خدمات لهم في سبيل تقسيم الفلسطينيين وبث الفرقة بين مختلف الفصائل هناك وتوتير الوضع في المنطقة.

وتتهم القيادات الفلسطينية محمد دحلان بمساعدة صديقه ولي العهد الإماراتي محمد بن زايد في التفاوض على اتفاقٍ لتطبيع العلاقات بين الإمارات و"إسرائيل"، وفقًا لصحيفة لوفيغارو الفرنسية، وكان فلسطينيون غاضبون قد أحرقوا في مظاهرات بالضفة الغربية، دمية تمثل دحلان مع صورة محمد بن زايد، احتجاجًا على التطبيع مع الإسرائيليين.

يتهم دحلان بتقريب وجهات النظر الإسرائيلية الإماراتية
يتهم دحلان بتقريب وجهات النظر الإسرائيلية الإماراتية

مطلع الأسبوع الماضي وقع كيان الاحتلال الإسرائيلي اتفاقيتي تطبيع مع دولتي الإمارات والبحرين في واشنطن، وهو ما رفضته القيادة والفصائل الفلسطينية المختلفة بشدة، واعتبرته "خيانة" للقضية الفلسطينية، فيما خرجت العديد من الشعوب العربية للتنديد به.

وتأمل دول عربية عدة غير الإمارات، كالبحرين والسعودية ومصر، أن يتولى دحلان زمام الأمور في فلسطين حتى يتسنى لهم التطبيع مع الإسرائيليين بصفة كلية دون أن يجدوا اعتراضًا من السلطة الفلسطينية.

يفهم من كل هذا أن الإدارة الأمريكية تأمل أن يكف عباس عن معارضة خططها أو أن يحل محله شخص يؤدي دورًا داعمًا لها ضمن رؤيتها في المنطقة، التي تقوم على توسيع دائرة تطبيع العلاقات الإسرائيلية العربية عقب توقيع اتفاق الإمارات والبحرين مع "إسرائيل".