بعد أكثر من شهر على الانقلاب الذي قاده عسكريون في مالي ضد الرئيس السابق إبراهيم بوبكر كايتا، أعلن المجلس العسكري الحاكم أخيرًا تعيين رئيسًا انتقاليًا في الجارة الجنوبية للجزائر، وذلك بعد أقل من 24 ساعة من الزيارة التي قام بها وزير الخارجية صبري بوقادوم إلى بماكو للمساهمة في التقدم ولو بخطوة واحدة نحو الحل الذي قد يعيد المدنيين إلى السلطة، مثلما تشدد الجزائر الرافضة للوصول إلى الحكم بطريقة غير دستورية.

ومع تعدد المبادرات واللاعبين في منطقة الساحل ومالي، تتزايد المهمة صعوبة على الجزائر المنشغلة بوضعها الداخلي والأزمة في ليبيا، فكيف ستستطيع إدارة الرئيس عبد المجيد تبون إعادة الوضع ببماكو إلى الطريق الصحيح؟ وهل هي قادرة على مواجهة القطب الذي تدعمه فرنسا ممثلًا في المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا؟

تحرك متواصل

يوم الإثنين الماضي، أُعلن في مالي تعيين وزير الدفاع السابق با نداو رئيسًا انتقاليًا، من طرف لجنة شكلها المجلس العسكري الذي يتولى إدارة البلاد منذ الإطاحة بالرئيس إبراهيم بوبكر كيتا في 18 من أغسطس الماضي، وحسب رئيس المجلس العسكري العقيد عاصيمي غويتا الذي سيتولى منصب نائب الرئيس، فإن الرئيس الانتقالي الجديد سيتولى تسيير شؤون الدولة لأشهر حتى التوصل إلى صيغة تعطي إدارة البلاد لمدنيين.

وكان با نداو قد تولى منصب وزير دفاع في نظام الرئيس المنقلب عليه بوبكر كايتا، غير أنه اعتزل الحكم منذ مغادرته منصبه في 2014.

جاء هذا الإعلان بعد ساعات من عودة وزير الخارجية الجزائري إلى بماكو التي زارها في 28 من أغسطس/آب الماضي، كأول مسؤول أجنبي بدرجة وزير خارجية يحل بالبلاد عقب الانقلاب العسكري، واستطاعت الجزائر بفضل علاقتها الجيدة مع كل الأطراف في مالي، خاصة القبائل بشمال البلاد بمكوناته العربية والأزوادية، إضافة إلى بقائها على مسافة واحدة من  كل الأحزاب السياسية، تجميع وجهات النظر لإعداد ورقة طريق للخروج من الأزمة التي تعصف بالبلاد.

لا تصف وكالة الأنباء الرسمية ما حدث في مالي بالانقلاب، إنما التغيير غير الدستوري، في إشارة إلى رضا الجزائر عن الخطوات التي تحدث

حرص بوقادوم على إجراء لقاءات مع جميع الفاعلين المحليين والأجنبيين، فقد أجرى محادثات مع وفد من اللجنة الوطنية لإنقاذ الشعب ضم رئيس اللجنة أسيمي غويتا ونائبه مالك دياو والناطق الرسمي للجنة إسماعيل واق، كما التقى قائد حركة 5 يونيو الإمام محمود ديكو ورئيس حزب التوافق من أجل تطوير مالي حسيني أميون غيندو وسيدي إبراهيم ولد سيداتي رئيس وفد تنسيقية حركات الأزواد بلجنة متابعة اتفاق الجزائر التي ترأسها الجزائر، ورئيس بعثة الأمم المتحدة المتكاملة متعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي (مينوسما) صلاح النظيف، ورئيس بعثة الاتحاد الإفريقي في مالي والساحل بيير بويويا، وممثل المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) وممثل الاتحاد الأوروبي وممثلين عن الدول الأعضاء الدائمين الخمس لمجلس الأمن.

وكان ظاهرًا من التحركات الحثيثة للخارجية الجزائرية التي بحثت الملف مع دول عديدة كفرنسا وتركيا عندما زار بوقادوم أنقرة أنها لم تكن لتسمح بتكرار ما حدث في السنوات الماضية، عندما تركت المجال للفرنسيين الذين تدخلوا عسكريًا في مالي في يناير 2013.

وقالت وكالة الأنباء الجزائرية لسان حال الحكومة إن "بوادر انفراج الأزمة بدأت تلوح في الأفق في مالي بفضل جهود الدبلوماسية الجزائرية"، مشيرة إلى أن تعيين نداو رئيسًا للبلاد جاء مباشرة في ختام زيارة وزير الخارجية صبري بوقادم لمالي.

وحسب وكالة الأنباء الرسمية، فإن اللجنة العسكرية في مالي "استجابت للمقترحات التي تقدمت بها الجزائر التي حرصت على مبدأ العودة إلى الحياة الدستورية القاضية بالإسراع بتعيين رئيس دولة ورئيس حكومة مدنيين"، ولا تصف وكالة الأنباء الرسمية ما حدث في مالي بـ"الانقلاب"، إنما بـ"التغيير غير الدستوري"، في إشارة إلى رضا الجزائر عن الخطوات التي تحدث في جارتها الجنوبية.

تمسك

قد يكون لأول مرة، تعبر الدبلوماسية الجزائرية بوضوح عن موقفها مما يحدث في مالي، والإعلان صراحة أنها لن تترك لأي طرف رسم خيوط اللعبة السياسية في بماكو، على عكس لغة التلميح والتشفير التي كانت تنتهجها سابقًا.

قال الرئيس عبد المجيد تبون في مقابلة مع وسائل إعلام محلية: "الجزائر تتابع عن كثب ما يجري في مالي وتتواصل معها بشكل مستمر"، معربًا عن أمله في "أن تكون الفترة الانتقالية مقلصة إلى أدنى حد وأن يكون على رأس الدولة شخصية مدنية حتى نشارك في إيجاد الحل بهذه الدولة".

أشارت الخارجية إلى أنها ستواصل متابعة تطور الوضع في مالي عن كثب 

وينظر في الجزائر على أن تعيين با نداو قد يتطابق مع مطالبها، بالنظر إلى أن الأخير استلم هذا المنصب وهو في مرحلة التقاعد، لذلك يمكن تصنيفه في خانة المدنيين، لكن في الوقت ذاته يلقى قبولًا من المؤسسة العسكرية كونه وزير دفاع سابق.

وأكدت وزارة الخارجية الجزائرية أنها تترقب باهتمام بعد تعيين با نداو رئيسًا للفترة الانتقالية والعقيد عصيمي غويتا نائبًا للرئيس تفعيل باقي مؤسسات المرحلة الانتقالية لضمان انتقال هادئ للفترة الانتقالية نحو تنظيم انتخابات تكرس العودة إلى النظام الدستوري في مالي البلد الشقيق والجار، وأشارت الخارجية إلى أنها "ستواصل متابعة تطور الوضع في مالي عن كثب"، ما يعني أنها لن تسمح بأن يؤخذ منها دور البلد الجار الوسيط الذي يلجأ له الماليون كلما اشتد بينهم الخلاف.

انزعاج

يظهر من خطاب مسؤولي الجزائر أنها منزعجة من بعض التحركات التي تريد قلب قواعد اللعبة لتصب خارج مصلحتها، وفي مقدمتها مجموعة "أكواس"، وقال الرئيس تبون إن الجزائر لم تتحادث ولم تتشاور مع أي طرف دولي خارجي بخصوص المسألة المالية، وأن 90% من الحل المالي جزائري، وأضاف "نؤكد أنه ليس هناك حل بشمال مالي إلا الرجوع للاتفاق الذي احتضنته الجزائر وكذا الشرعية الدستورية بهذا البلد".

وجددت الجزائر التأكيد على هذا الموقف، فقد أشارت وزارة الخارجية إلى أن بلادها بذلت جهودًا كبيرة من أجل استقرار مالي من خلال التوقيع سنة 2015 على اتفاق السلم والمصالحة في مالي، المنبثق عن مسار الجزائر، وكذا من أجل الحفاظ على الاستقرار في هذا البلد خلال الأشهر الأخيرة، ما يعني أنها لن تسمح لأي طرف بأن يضعها على الجانب ويؤدي دور الوساطة في مالي.

تتكون المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا "إيكواس" من دول بنين وبوركينا فاسو والرأس الأخضر وغامبيا وغانا وغينيا وغينيا بيساو وساحل العاج وليبيريا والنيجر ونيجيريا والسنغال وسيراليون وتوغو، إضافة إلى مالي التي تم تعليق عضويتها بعد انقلاب 18 من أغسطس/آب الأخير.

تملك الجزائر ورقة رابحة تتمثل في تمسك جميع الأطراف باتفاقية الجزائر 2015

ويظهر من هذه التركيبة أن أغلب الدول الأعضاء من البلدان التي تحسب على الجانب الفرنسي، فثمانية أعضاء من إيكواس وهم بنين وبوركينا فاسو وغينيا بيساو وساحل العاج ومالي والنيجر والسنغال وتوغو ما زالوا حتى اليوم يستخدمون عملة "فرنك سفا" التي أنشأتها باريس في 1945 وربطتها بعملتها السابقة الفرنك، كما تضم المجموعة تجمع دول الساحل الذي يتكون من مالي وموريتانيا والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد، وهو التكتل الذي أنشأته باريس لوأد لجنة الأركان العملياتية المشتركة لدول الساحل التي كانت تضم الجزائر ومالي وليبيا وموريتانيا والنيجر.

وتملك الجزائر ورقة رابحة تتمثل في تمسك جميع الأطراف باتفاقية الجزائر 2015، حتى ولو لم يلتزم بها البعض ميدانيًا، خاصة من جانب حكومة بماكو.

ورحبت في هذا الإطار الجزائر بـ"تمسك كل الأطراف المالية بالتطبيق الفعلي لاتفاق الجزائر وتجدد التزامها، بصفتها قائدةً للوساطة الدولية ورئيسة لجنة متابعة تطبيق الاتفاق، بالعمل على مواصلة تطبيق الاتفاق كسبيل وحيد لتمكين مالي من الحفاظ على استقرارها الدائم ورفع التحديات المتعددة التي تواجهها".

وجود أجنبي

غير أن الجهود الجزائرية لإيجاد حل حقيقي في مالي لا تجد طريقًا مفروشًا بالورود، خاصة ما تعلق بجانبه الأمني، فالاقتتال الطائفي وسط البلاد بين طائفة "الفولاني" وعرقية "الدونزو"، وخطر الجماعات الإرهابية بالشمال وحتى بالحدود الجنوبية يعطي مبررًا للقوات الأجنبية ولفرنسا بالبقاء هناك وتحريك الأوضاع كما تشاء، ولا تأبه باريس مطلقًا بالاحتجاجات المتكررة التي ينظمها الآلاف في مالي للمطالبة برحيل القوات الفرنسية النشطة ضمن قوة برخان.

وأمس الثلاثاء بمناسبة الذكرى الستين للاستقلال عن الاستعمار الفرنسي الموافق 22 من سبتمبر/أيلول من كل عام، شهدت العاصمة بماكو احتجاجات عارمة تنادي برحيل الجيش الفرنسي من مالي.

لكن ما يخيف الجزائر أيضًا رغم رضاها المبدئي على مسار العودة إلى الدستورية في مالي، هو دعوة رئيس المجموعة العسكري العقيد عصمي غويتا مواطنيه إلى دعم القوات الأجنبية الموجودة في بلاده التي وصفها بـ"الشريكة"، وذكر خاصة قوات عملية "برخان" الفرنسية وقوات حفظ السلام الأممية (مينوسما)، كأنه يوجه رسالة للمحتجين مفادها أنه لم يسمع احتجاجاتهم، ومعلوم أن قوة برخان تضم 5100 جندي، وهي أكبر كتيبة للجيش الفرنسي خارج البلاد.

والأكيد أن الحكم على نجاح الجهود الجزائرية في مالي سابق لأوانه في الوقت الحاليّ، بالنظر لوجود لاعبين آخرين غير فرنسا في المنطقة كالولايات المتحدة الأمريكية، إضافة إلى الوافد الجديد روسيا الذي حملت أعلامه في احتجاجات الثلاثاء بشكل لافت يثير أسئلة عديدة، خاصة أن صحيفة "أتلايار" الإسبانية كشفت قبل أسابيع أن قادة الجيش الذين قادوا الانقلاب العسكري في مالي تلقوا تدريبات عسكرية في روسيا مطلع العام الحاليّ.