‏توتر إقليمي ومخاوف دولية تتزايد من تنامي الخلاف بين ماليزيا والفلبين على ‏ولاية صباح، التي أضافت المزيد من قلق الحدود للأسرة الدولية، في ظل المطالبات التي تخرج من وقت لآخر من الفلبين، عبر خطاب استضعاف ومظلومية يراهما البعض يفقدا القضية الفلبينية معناها، خاصة في ظل الروايات المختلفة للوثائق التي تزعم الملكية بين البلدين.

من آخر أحداث.. ماذا يجري؟ 

كما هو الحال في آسيا، نزاعات الحدود دائمًا هي أكثر ما يطغى على خلافات دول القارة، والمطالع للأحداث سيجد أخبار الصراعات الثنائية دائمًا ما تأخذ طريقها إلى أهم عناوين وسائل الإعلام العالمية بانتظام، وخلال العام الأخير فقط، تصدرت أخبار الصدامات بين القوات الهندية والصينية بجبال الهيملايا في مايو الماضي، التي أدت لمقتل عشرات الجنود من الجانبين مؤشرات الأحداث، وما إن بدأت الحلول السلمية تظهر في الأفق، حتى تفجر توتر جديد بين الفلبين وماليزيا، وهو صراع متجدد على ولاية صباح.  

توتر المشهد مع تصريحات قبل أسبوع لوزير الخارجية الماليزي هشام الدين حسين، رفض فيها الجلوس للتفاوض مع الفلبين بشأن تجدد مطالبتها بولاية صباح الواقعة في جزر بورنيو شرقي ماليزيا، معتبرًا أن المطالبات غير مبررة ولا أساس لها.

photo

يرى حسين أنه لا يوجد سببًا موضوعيًا يمكن أن يجعل بلاده تتجاوب مع مطالب الفلبين بالسيادة على الولاية التي تعود ملكيتها لماليزيا، ويشدد على أن موقف حكومة بلاده ثابت: لا تفاوض مع الفلبين، رافضًا أدنى تجاوب مع مثل هذه المطالب. 

ما قصة صباح؟

حسب التعريفات الجغرافية المستقرة حاليًّا، صباح هي ثاني ولاية ماليزية من حيث المساحة، وتبلغ نحو 76 ألف كيلومتر مربع، وتقع في الشمال الشرقي من جزيرة بورنيو، يبلغ عدد سكانها وفق إحصاءات 2015 نحو 3.54 مليون نسمة، يسكنون بشكل رئيسي في المناطق الساحلية.

أغلب مناطق الولاية تدخل ضمن غابة كثيفة، تتكاثر فيها مزارع زيت النخيل، وتأوي حيوانات من سلالات مختلفة ونادرة، وتحدها البحار من ثلاث جهات، في الشمال بحر الصين الجنوبي والشمال الشرقي بحر سولو والجنوب الشرقي بحر سيليبس. 

تعوم صباح على نحو 1.5 مليار برميل من النفط و11 تريليون قدم مكعب من احتياطات الغاز، كما أنها موطن لبعض من أفضل مواقع الغوص في العالم في بحر سيليبس، ويعتبر نموها الاقتصادي نقطة مضيئة في الاقتصاد الماليزي، حيث سجلت عام 2017 أعلى معدل نمو في البلاد بأكثر من 8%. 

photo

تاريخيًا عرف النزاع الإقليمي بين ماليزيا والفلبين على معظم الجزء الشرقي من الولاية باسم نزاع الصباح، وتعود تفاصيل القضية إلى عام 1658، حيث منح سلطان برونيو ـ وهي جزيرة في جنوب شرق آسيا، تتداخل الآن في أراضي ثلاث دول هي بروناي وماليزيا وإندونيسيا ـ شمال شرق الجزيرة لسلطان سولو، وكانت منطقة حكم ذاتي إسلامي، تقع على الحدود الجنوبية لبحر سولو والحدود الشمالية لبحر سلبيس، مكافأة له على المساعدة في كبح التمرد ضد سلطة برونيو.

بعد نحو عقدين وتحديدًا عام 1878 أجر محمد جمال العالم سلطان بروناي منطقة صباح إلى شركة شمال بورنيو البريطانية، وبموجب بنود العقد أتاح السلطان للشركة احتلال النصف الشرقي من صباح إلى أجل غير مسمى مقابل دفع مبلغ من المال للسلطنة.

مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، تم تسليم صباح إلى الحكومة البريطانية، وأصبحت ضمن مستعمرات التاج، ولم تحصل على استقلالها إلا عام 1963 إثر تصويت تاريخي لشعبها بأغلبية ساحقة لصالح الانضمام إلى اتحاد ماليزيا الذي كان يتشكل حديثًا في استفتاء أجري لذلك. 

الفلبين من ناحيتها، حاولت دائمًا التأكيد أنها الوريث الشرعي لسلطنة سولو، ورفضت حكم الأمر الواقع وفقًا للعقد الموقع في عام 1878، واعتبرته مجرد عقد إيجار يمكن فسخه، في حين اعتبرته بريطانيا وماليزيا بمثابة بيع للأرض، وإن كانت ماليزيا تلتزم حتى الآن بدفع ما يقرب من 1000 دولار أمريكي إلى وريث عرش سلطنة سولو وفقًا للاتفاقية. 

تستند ماليزيا أيضًا إلى توقيع سلطات جزيرة سولو على وثيقة تنازل عن كل صلاحياتها السيادية على الولاية إلى إسبانيا، التي أبرمت بدورها اتفاقية عام 1885 مع بريطانيا وألمانيا، تتنازل إسبانيا بمقتضاها هي الأخرى عن أي سيادة لها في جزيرة برونيو، التي كانت تابعة لسلطة سولو، وهنا نقطة الخلاف، حيث ينكر الفلبينيون هذه التفاصيل ويجادلون بأن صباح لم يرد ذكرها في هذه الوثيقة أيضًا. 

كانت الولايات المتحدة قد انقلبت هي الأخرى على السلطان محمد جمال العالم، وجردته من جميع صلاحياته وتركت له لقلب السلطان فقط خلال احتلالها للفلبين بالكامل، قبل أن يتحدى الدستور الفلبيني الذي كتب بعد نحو عقدين من هذا التوقيت، وينص على سيادة البلاد على جميع المناطق التي كانت تابعة لها تاريخيًا، بما فيها سلطنة سولو التي ألغيت تمامًا.

العلاقات الفلبينية الماليزية

عام 2013 عرف العالم عن قرب أزمة العلاقات الفلبيينة الماليزية بعد اقتحام نحو 200 فلبيني مسلح من أنصار جمال الكرام الثالث ـ أحد المطالبين بعرش سلطنة سولو ـ لإحدى قرى صباح، ليظهر الخلاف من جديد، بعدما أعلنت القوة المسلحة ملكيتها للمقاطعة بكاملها باسم سلطان سولو جمال الثالث.

على مدار ثلاثة أسابيع، احتفظت الحكومة الماليزية بأقصى قدر ممكن من ضبط النفس وطالبت المسلحين بالعودة عن هذه الخطوة، وفي النهاية لم تجد مفرًا من الاشتباك المسلح مع المجموعة وأنهت احتلالها، وأدت الاشتباكات والعمليات العسكرية إلى مقتل أكثر من 60 شخصًا من بينهم 8 من الشرطة الماليزية.

أعلنت ماليزيا المجموعة المسلحة الفلبينية على الفور جماعة إرهابية، وسط تقارير عن ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان بسبب نزوح أكثر من 1500 شخص إلى الفلبين، للتضرر من الاشتباكات، وهو ما أنكرته الحكومة الماليزية. 

photo

يقول التاريخ إن العلاقات الرسمية بين الفلبين وماليزيا، تمتد إلى نحو نصف قرن من الزمان، ويشترك كل منهما في نفس ثقافة وتراث الملايو الذي يربط معهما بروناي وسنغافورة وإندونيسيا وجنوب تايلاند.

تجمع البلدين علاقات متقلبة، لكن مع كل أزمة تتدخل الثقافة المشتركة بينهما وترجح لغة العقل في إطار الآسيان ـ رابطة دول جنوب شرق آسيا ـ لا سيما أن كلاهما عضو مؤسس إلى جانب إندونيسيا وسنغافورة وتايلاند، ويشارك البلدان أيضًا في إجراءات حفظ الأمن المشتركة في بحر سولو الواقع بينهما. 

التوتر المزمن في العلاقة لم يمنع الرئيس الفلبيني الأسبق فرديناند ماركوس من الاعتراف بماليزيا التي تشكلت كدولة حديثة عام 1963 من عدة ممالك مستقلة، ما اعتبر ضمنيًا اعتراف بأن صباح جزء من البلد الحديث، قبل أن تتوتر العلاقات لاحقًا بسبب قانون فلبيني جمهوري صدر أواخر الستينيات واعتبر صباح ولاية فلبينية، وتبع ماركوس التصعيد بإصدر مرسوم جديد يفوض سلطان سولو ـ الرمزي ـ في المطالبة بحقوق الفلبين التاريخية على المناطق التي كانت تابعة لسلطنته.

الرفض القاطع والحاسم لهذه التحركات من ماليزيا، والضغط الشديد من اتحاد الآسيان، جعل ماركوس يتراجع عام 1977 خلال مؤتمر للاتحاد في العاصمة الماليزية كوالالمبور، وأعلن سحب بلاده ادعاءات المطالبة بصباح من أجل استقرار الآسيان، وفي نهاية الثمانينيات عزز من هذه الخطوة السلطان جمال الكرام، بإقرار تنازله عن المطالبة بصباح إلى الحكومة الفلبينية.

عادت العلاقات للتوتر مرة أخرى، بعد حكم للمحكمة العليا الفلبينية عام 2011، تؤكد فيه أن المطالبة بولاية صباح ستظل قائمة حتى يمكن تفعيلها في المستقبل، رغم حرص السلطة التنفيذية ممثلة في الرئيس الفلبيني بينينغو أكينو، عدم الإذعان للضغط الشعبي لإعادة القضية للحياة مرة أخرى، خشية من انهيار دبلوماسي مع ماليزيا، وحرصًا على الوضع المعيشي لـ800 ألف فلبيني في صباح، تتولى أمرهم الحكومة الماليزية. 

مستقبل العلاقة 

المطالبات المتقطعة بين وقت وآخر بإعادة جزيرة صباح، أصبحت قضية معقدة للغاية بين ماليزيا والفلبين، وهو ما يجعل الحل النهائي القابل للتطبيق غير متوقع في المستقبل القريب، لا سيما أن المطالبات القانونية التي تجري وفقًا لوثائق الملكية مطاطية يمكن تفسيرها بأكثر من شكل وفقًا لرواية كل طرف، بينما يغيب الحل السياسي والدبلوماسي. 

يمكن القول إن الوضع الحاليّ للجزيرة، يكشف إقامة الكثير من الفلبينيين بشكل مريح ومنتج داخل الاقتصاد والحكومة الماليزية الأكثر تقدمًا واستقرارًا، وهو ما يجعل أي تصور لاتفاق على حل نهائي ربما يقوم على تنظيم استفتاء أخير برعاية الأمم المتحدة، على سبيل المثال، وفق عملية سياسية أو دبلوماسية لن يكون إلا في صالح ماليزيا.

فلا يعقل أن يُفضل سكان الجزيرة الولاية السياسية للفلبين عن ماليزيا الأكثر حداثة وتقدمًا بقرون زمنية، فضلًا عن النفوذ الكبير لكوالامبور داخل الآسيان الذي رفض مرارًا وتكرارًا خطاب المظلومية الفلبيني، الذي يلعب دور الضحية دائمًا، في مقابل عقلانية ماليزية ترفض التصعيد والتفريط على حد سواء.