أحيت الجزائر مجددًا وككل مرة الحديث عن الاتحاد المغاربي الذي يعتبر في نظر شعوب المنطقة المغاربية "الحلم المؤجل"، وأعلنت منذ أيام على لسان المتحدث الرسمي باسم الحكومة ووزير الاتصال الجزائري عمار بلحيمر، أنها تسعى لإحياء هذا المشروع الذي لم يتمكن بعد مرور ثلاثين عامًا على تأسيسه من تحقيق الاندماج المطلوب.

مساعٍ جديدة

اعتبر وزير الاتصال والناطق الرسمي باسم الحكومة الجزائرية، عمار بلحيمر، في تصريح أدلى به نهاية أغسطس/آب الماضي، لوكالة "سبوتنيك" الروسية، أن حلحلة الأزمة في ليبيا وعودة الأمن والاستقرار للمنطقة سيساهمان في تفعيل مشروع المغرب العربي، وذكر وزير الاتصال الجزائري أن عودة ليبيا إلى الساحة الدولية سيعطي دفعًا مشروعًا للاتحاد المغاربي الذي يعد من بين الأهداف المنشودة لبناء الجزائر الجديدة، بقيادة الرئيس عبد المجيد تبون، ما يلمح إلى وجود خطة لدى السلطة الجديدة بالجزائر لإحداث تقارب بين قادة الدول الخمسة (تونس، ليبيا، المغرب، الجزائر، موريتانيا).

فكرة إحياء الاتحاد المغاربي صدرت في نفس الفترة على لسان المنصف المرزوقي

وتطرق عمار بلحيمر للحديث عن أحد المعيقات الرئيسية التي تمنع تجسيد الاتحاد المغاربي على أرض الواقع والمتمثل في النزاع المغربي الجزائري الذي يعتبر من أطول النزاعات بين الدول المتجاورة في العالم، وأكد أن "الجزائر ترحب بأي مبادرة هدفها البناء ولم الشمل، وباعتماد أسلوب الحوار والطرق المشروعة بكل شفافية، مع احترام خصوصية كل بلد وسيادته، دون المساس بالمبادئ الأساسية للدبلوماسية الجزائرية المبنية على عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي بلد".

ووصف المغرب بالبلد "الجار" و"الشقيق" الذي تربطه مع الجزائر علاقات لها عمقها التاريخي والحضاري، وأن البلدين يملكان هدفًا مشتركًا من خلال الوصول إلى بناء صرح مغاربي موحد بتوفير جميع الشروط طالما أن الإرادة السياسية لقادة البلدين موجودة، ومصيرنا مشترك في ظل التحديات الراهنة، خاصة ما تعيشه المعمورة بسبب تداعيات الأزمة الصحية".

فكرة إحياء الاتحاد المغاربي صدرت في نفس الفترة على لسان المنصف المرزوقي، الرئيس التونسي الأسبق، الذي دعا شباب المنطقة المغاربية إلى حمل مشعل إعادة إحياء الاتحاد المغاربي المجمد، وبالنسبة للمرزوقي، فإن تفعيل اتحاد المغرب العربي يكتسي طابعًا ضروريًا واستعجاليًا بالنظر إلى التداعيات الوخيمة لاستمرار الجمود على جميع المستويات، وقال المرزوقي: "نحن الآن في مهب الرياح، لأن الدول الصغيرة ذات الحدود المغلقة لا يمكن أن تحقق النهضة ولا الحرية لنفسها".

ولا تعتبر هذه التصريحات سواء الآتية من الجزائر أو تونس الأولى من نوعها، حيث سبقتها تصريحات صدرت من الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة ونظيره التونسي الراحل الباجي قايد السبسي وحتى الملك محمد السادس، بمناسبة الاحتفال بذكرى ولادته التي تصادف يوم 17 من فبراير/شباط الماضي من كل سنة.

الصحراء الغربية حجر العثرة

فتحت الخطوة الجزائرية اليوم أسئلة عديدة في مقدمتها: الأسباب الحقيقية التي تقف وراء تنفيذ مشروع الوحدة المغاربية؟ ومدى قدرة الدبلوماسية الجزائرية على إعادة بعث المشروع وفق ما تحمله من تصورات واقتراحات لوضع الخلافات القائمة جانبًا؟ 

يستبعد الكاتب والمحلل السياسي الدكتور عمار بوحوش، في تصريح لـ"نون بوست" إمكانية تفعيل الوحدة بين دول المغرب العربي لعدة أسباب يذكر منها النزاع بين الجزائر والمغرب الذي أدى إلى غلق حدودهما المشتركة، دون أن ننسى الصراع القائم بشأن ملف الصحراء الغربية، ويشير المحلل السياسي أيضًا إلى الصراع القائم عن الزعامة والإملاءات الخارجية، فبعض الدول المنخرطة في الاتحاد لها ارتباط اقتصادي وإستراتيجي ببعض القوى الخارجية.

ويرى عمار بوحوش أن البلدان المغاربية مجبرة الآن على الوحدة أكثر من أي وقت سابق بالنظر إلى التكتلات الدولية التي فرضت نفسها على الساحة العالمية، ويستدل المتحدث بالساحة الليبية التي تشهد حربًا عالمية بالوكالة، في وقت لم تتمكن دول الجوار الليبي على غرار الجزائر وتونس والمغرب من فرض أنفسهم على الساحة الليبية رغم التفافهم حول نفس المقاربة السياسية ورفضهم للتدخل العسكري والتوقف عن تسليح المتخاصمين واحترام سيادة الشعب الليبي وعدم التدخل في شؤونه الداخلية، إضافة إلى التحديات الأمنية الأخرى التي تشهدها منطقة الساحل الإفريقي واستفحال ظاهرة الهجرة غير الشرعية، ويقول المحلل السياسي إن إعادة إحياء مشروع الاتحاد المغاربي يتطلب التضحية والتخلي عن التعنت من أجل تحقيق مصلحة الشعوب المغاربية.

رغم كل ما بدر من الجزائر منذ صعود تبون إلى السلطة وبروز مؤشرات توحي بتغير سلم الأولويات، فلا توجد حتى الآن أي مؤشرات توحي بفتح حوار مباشر وصريح بين الجارتين

ومنذ وصوله إلى سدة الحكم في ديسمبر/كانون الأول 2019، يحاول الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون كسر الجفاء القائم بين الرباط وبلاده بطريقه عقلانية مثلما أورده الكاتب والسياسي المغربي حسن أوريد، في مقال نشره في صحيفة القدس العربي، واستحضر أوريد ما قاله رئيس الجزائر في الحوار الذي أدلى به لـ"فرانس 24" في يوليو/تموز الماضي، حيث قال إنه لا يجب أن تؤثر الحملات الإعلامية الموسمية على الوشائج بين البلدين، وفي آخر مقابلة أجراها مع وسائل إعلام محلية بثت مساء الأحد، اغتنم تبون الفرصة ليؤكد أن "الجزائر لا تكن إلا مشاعر الود للأشقاء في المغرب، رغم أن بعض الأطراف هناك لا تتردد في التهجم على الجزائر"، وأكد بالمقابل تمسك الجزائر بتعاملها المبدئي مع القضية الصحراوية على أنها تصفية استعمار وفق مبدأ الحق في تقرير المصير، وهو المبدأ نفسه الذي اعترف به الملك الحسن الثاني رحمه الله.

ورغم كل ما بدر من الجزائر منذ صعود تبون إلى السلطة وبروز مؤشرات توحي بتغير سلم الأولويات، فلا توجد حتى الآن أي مؤشرات توحي بفتح حوار مباشر وصريح بين الجارتين، حتى إن العاهل المغربي الملك محمد السادس، لمح في كلمة ألقاها في اختتام قمة الاتحاد الإفريقي في أديس ابابا، المنعقدة في 27 من يونيو/حزيران 2019، غداة موافقة المنظمة على إعادة عضوية بلاده بعد 33 عامًا على خروجها منها، إلى إمكانية حل الاتحاد المغاربي بسبب عجزه عن تحقيق ما حققته التجمعات الإفريقية المجاورة، وقال: "بينما تشهد المجموعة الاقتصادية لشرق إفريقيا تطورًا ملحوظًا في إقامة مشاريع اندماجية طموح، تفتح دول المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا مجالًا حقيقيًا لضمان حرية تنقل الأشخاص والممتلكات ورؤوس الأموال، فإن التعاون الاقتصادي بين الدول المغاربية يبقى ضعيفًا جدًا".

وأضاف ملك المغرب أن "الاتحاد المغاربي سينحل بسبب عجزه المزمن عن الاستجابة للطموحات التي حددتها معاهدة مراكش التأسيسية منذ 28 سنة خلت".

المحامي والمحلل السياسي الجزائري إسماعيل خلف الله قال لـ"نون بوست" إن البيت المغاربي يبنى على عمودين أساسيين وهما الجزائر والمغرب وما دامت مشكلة الصحراء الغربية قائمة فلن يبعث الاتحاد المغاربي ويتحقق حلم شعوب المنطقة المغاربية، ويصف هذا الملف بأنه "الحجر" الذي يقف أمام أي مبادرة مغاربية حاليًّا.

ويرى أن المغرب تقحم دائمًا الجزائر على أساس أنها طرف في هذه القضية، بينما تقول الجزائر إن الملف في عهدة الأمم المتحدة.

وإضافة إلى النزاع القائم بين المغرب والجزائر، يذكر المحلل السياسي الجزائري إسماعيل خلف الله، المشاكل الأخرى التي تعاني منها بقية دول الاتحاد المغاربي على غرار ليبيا، ويقول إنها غائبة اليوم وتعيش أزمة أمنية وسياسية، فضلًا عن المشهد السياسي في كل من تونس وموريتاينا، وإلى جانب هذه الأسباب يذكر إسماعيل خلف الله، الإملاءات الخارجية، ويقول في هذا السياق إن بعض الدول الأوروبية تسعى لبقاء هذه الفرقة والتشرذم لأن الوحدة المغاربية تشكل خطرًا كبيرًا بالنسبة للاتحاد الأوروبي خاصة إذا توافر مبدأ الاستقلالية الاقتصادية.