تظاهرات منددة بالتطبيع في السودان

يعاني المشهد السوداني من انقسام سياسي بشأن مسألة التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي في ظل الضغوط التي تمارسها الإمارات ومصر والسعودية لدفع السودان للحاق بالقطار المنطلق بقوة من أبو ظبي باتجاه تل أبيب مرورًا بالمنامة، فيما يتوقع آخرون التوقف عند محطات أخرى خلال الأونة القادمة.

وعاد هذا الملف للأضواء مرة أخرى منذ اللقاء المثير للجدل الذي جمع رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في مدينة عنتيبي الأوغندية، فبراير/شباط الماضي، وما أثير بشأن تداعياته ودوافعه خاصة بعد إعلان رئيس حكومة الاحتلال عن قرب الانتهاء من توقيع اتفاق مع الخرطوم.

تعمقت النقاشات أكثر وأكثر وفرضت نفسها مجددًا بقوة أشد عقب اللقاءات السودانية الإسرائيلية التي تمت في أبو ظبي، الأسبوع الماضي، بمباركة سعودية مصرية أمريكية، وهي الاجتماعات التي أحيطت بسياج من السرية والغموض فيما سربت وسائل الإعلام بعض تفاصيلها والتي تتمحور في محاولات إقناع جنرالات السودان بالانضمام للركب الإماراتي البحريني المدعوم سعوديًا.

الأيام الماضية شهدت تصاعدًا كبيرًا للتيار الرافض للتطبيع بصورة مغايرة تمامًا لما كان عليه الوضع إبان لقاء البرهان- نتنياهو في عنتيبي قبل سبعة أشهر

وتسابق إدارة الرئيس دونالد ترامب الزمن لجر دول عربية نحو مركب التطبيع الذي أقدمت عليه في الأسابيع الماضية، كورقة دعائية مثمرة يمكن الاستعانة بها في الماراثون الانتخابي المقرر له أن ينطلق نوفمبر القادم، تحقيقًا لحلم ترامب في الفوز بولاية ثانية عبر مغازلة اللوبي اليهودي في الداخل.

المأزق الاقتصادي السوداني والأوضاع المعيشية المتدنية هي سلاح الضغط الأبرز، الذي تشهره واشنطن وحلفاءها الداعمين للتطبيع، في وجه السلطات السودانية الحاكمة، والتي تعاني من انقسام بشأن هذا الملف، فيما يزخر الشارع بهتافات الرفض والتنديد بمثل تلك الضغوط.

الأيام الماضية شهدت تصاعدًا كبيرًا للتيار الرافض للتطبيع بصورة مغايرة تمامًا لما كان عليه الوضع إبان لقاء البرهان- نتنياهو في عنتيبي قبل سبعة أشهر، الأمر الذي ربما يمثل ضغطًا كبيرًا على التيار الداعم لخطوة التقارب مع دولة الاحتلال بدعوى المكاسب الاقتصادية المتوقعة حال الموافقة على هذه الخطوة.. فهل ينجح الشارع في فرض كلمته؟

انقسام سياسي

انقسمت الأحزاب السياسية السودانية حيال التقارب المزمع بين الخرطوم وتل أبيب واحتمالات الانجرار لحظيرة التطبيع إلى قسمين، الأول: التيار الرافض لهذه الخطوة ويتزعمه 5 أحزاب رئيسية داخل تحالف "الحرية والتغيير" على رأسها حزب "الأمة القومي" الذي هو صاحب الأغلبية في آخر انتخابات حرة وديمقراطية، وذلك رغم تقاربه الملاحظ مع الإمارات خلال العامين الماضيين.

هذا بجانب الأحزاب اليسارية التي تقف وبقوة ضد فكر التطبيع، في مقدمتها  "الشيوعي السوداني"، الذي يملك قاعدة جماهيرية كبيرة، ونفوذ سياسي قوي وفق تقديرات المتابعين للشأن السوداني، هذا بخلاف الأحزاب ذات التوجه القومي العروبي ومنها "البعث القومي الاشتراكي"، و"الناصري".

بينما تعاني الأحزاب من انقسامات حول التطبيع كان الشارع الأكثر اتساقا وتناغمًا، حيث تبني موقفًا شعبيًا رافضًا وبشدة لكل مساعي التوريط في هذا المسار

الأحزاب ذات التوجه الإسلامي كانت هي الأخرى على رأس التيار الرافض للتقارب مع "إسرائيل"، وهي الأحزاب التي قادت خلال الأيام الماضية العديد من التظاهرات الرافضة للتطبيع، والتي رفعت شعارات مناهضة لدولة الاحتلال ومحذرة من مغبة الخضوع للإملاءات الإماراتية والسعودية في هذا الشأن.

وفي الجهة المقابلة، فهناك تيارات وأحزاب داخل الائتلاف الحاكم تدعم جهود توقيع اتفاق مع تل أبيب، منها"الحزب الجمهوري" الذي دوما ما يجاهر بموقفه المؤيد، غير أن فقدان هذا الحزب للقاعدة الجماهيرية المؤثرة تجعل موقفه فاقدًا لحضوره وتأثيره الداخلي.

بن زايد والبرهان

رفض شعبي

وبينما تعاني الأحزاب من انقسامات حول التطبيع كان الشارع الأكثر اتساقًا وتناغمًا، حيث تبني موقفًا شعبيًا رافضًا وبشدة لكل مساعي التوريط في هذا المسار الذي يمثل حساسية مفرطة لدى رجل الشارع السوداني الذي رغم الأوضاع الصعبة التي يحياها لا زال يرى في "إسرائيل" العدو الأبرز بحسب رأي مواطنين.

رئيس الوزراء الأسبق الصادق المهدي، رئيس حزب "الأمة القومي" دشًن حملة شعبية لمناهضة التطبيع، وذلك خلال الندوة على عقدها الحزب بالخرطوم، السبت الماضي، تحت عنوان "مخاطر التطبيع مع العدو الصهيوني"، ودعا خلالها القوى السياسية والمدنية، واللجان الثورية، والتكوينات التقليدية القبلية، والصوفية، وسائر المنظمات الإسلامية لاتخاذ موقف شعبي موحد.

المهدي في الندوة الحزبية تعهد بتبيان الحقائق للمواطنين محذرًا من الانخداع بعبارات السلام الوهمية وعدم الانجرار وراء شعار "السلام مقابل السلام" الذي ترفعه العواصم الخليجية المطبعة، معتبرًا أن "التطبيع هو اسم دلع للاستسلام ولا صلة له بالسلام، فالآن لا تواجه أية دولة عربية "إسرائيل" مواجهة حربية، والمواجهة الموجودة هي مع قوى شعبية غير حكومية"، بحسب ما نقلت "الأناضول".

وعن دوافع الهرولة نحو توسعة رقعة هذا المشروع أضاف رئيس حزب الأمة أن: "مشروع التطبيع الحالي لا دخل له بالسلام، بل يمهد لحرب قادمة مع إيران، ويخدم الحظوظ الانتخابية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، ولرئيس وزراء "إسرائيل" بنيامين نتنياهو"، معتبرا أن "إسرائيل لأسباب محددة ليست دولة طبيعية بل دولة شاذة".

واختتم كلمته بتحديد الشروط التي يجب توافرها للدخول في مسار تفاوض مع دولة الاحتلال، مؤكدًا أن "موقفنا (من التطبيع) تحدده عوامل التضامن العربي، والتضامن الإسلامي، ومبادئ العدالة التي تمنع قيام دولة عنصرية كما كان موقفنا في السودان من جنوب أفريقيا قبل التحرير، ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة الذي يحرك ضم الأرض المحتلة بالقوة".

حمدوك: "موضوع التطبيع مع إسرائيل يحمل إشكالات متعددة، ويحتاج إلى نقاش مجتمعي عميق"

وتتحدث العديد من التسريبات عن قرب انضمام الخرطوم للدول المطبعة، مستندة إلى تصريحات البرهان خلال كلمته في افتتاح المؤتمر الاقتصادي القومي بالخرطوم السبت الماضي، عن قرب إزالة واشنطن السودان من "قائمة الإرهاب"، وهي التصريحات التي فُسرت على أنها خطوة ممهدة لإعلان التطبيع مع تل أبيب، هذا بخلاف ما يثار بشأن ميل جنرالات آخرين لهذا المسار على رأسهم نائب رئيس المجلس السيادي، محمد حمدان دقلو "حميدتي"، قائد قوات الدعم السريع، المقرب من محمد بن زايد وذراعه في إفريقيا لدعم جيش الإمارات من المرتزقة والذي يحارب عنه بالوكالة في اليمن وليبيا.

الحكومة السودانية هي الأخرى تتكتم على مخرجات اللقاءات التي عقدت في أبو ظبي الأسبوع الماضي والتي حضرها مسؤولو المخابرات في مصر و"إسرائيل" برعاية أمريكية، وسط تضارب في النتائج التي أسفرت عنها، ففريق يرى قبول الحكومة إقامة علاقات مع دولة الاحتلال مقابل حزمة من المحفزات الاقتصادية  تصل إلى 7 مليارات دولار، منها 3 مليارات نقدًا، والبقية عبارة عن سلع إستراتيجية مثل الدواء والقمح والوقود، وآخر يؤكد فشلها في تحقيق الهدف المنشود منها.

رئيس الوزراء، عبدالله حمدوك، أثار هو الأخر الجدل بردوده الغامضة حول تساؤلات المشاركين في المؤتمر الاقتصادي بشأن موقفه من التطبيع، حيث جاء الرد يحمل الكثير من التفسيرات، لافتا إلى أن "موضوع التطبيع مع إسرائيل يحمل إشكالات متعددة، ويحتاج إلى نقاش مجتمعي عميق" رافضًا في كلمته التي ألقاها "ربط عملية التطبيع (مع إسرائيل) بقضية شطب اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب".

انقسام المشهد السياسي السوداني بشأن التطبيع بين داعم ورافض، استنادًا إلى المغريات المقدمة في ظل الأوضاع المتردية من جانب، والضغوط السياسية الخليجية من جانب أخر، مسألة تثير قلق الشارع المنتفض ضد أي تحركات من هذا الشأن، لكن يبقى السؤال: هل ينجح التيار الشعبي في فرض كلمته نهاية المطاف وإثناء صقور وجنرالات التطبيع عن اللحاق باتفاق العار الإماراتي البحريني؟ هذا ما سيجيب عن الشارع السوداني خلال الأيام القادمة.