في مثل هذه الفترة من العام الماضي، توجه التونسيون والتونسيات إلى صناديق الاقتراع لاختيار من سيحكمهم ويمثلهم سواء في قصر الرئاسة بقرطاج أم في البرلمان بباردو خلال الخمس سنوات القادمة.

في هذا الإطار، يجدر التذكير أن انتخابات 2019 أتت بعد خمس سنوات من حكم الشيخين (الرئيس السابق الباجي قايد السبسي ورئيس حركة النهضة راشد الغنوشي)، وهي السنوات التي يصفها البعض بالعجاف لأن البلاد عرفت خلالها المزيد من التدهور على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، كانت أبرز مؤشراته تراجع سعر صرف الدينار وارتفاع التضخم وحجم الدين العام.

على المستوى السياسي، لم يكن الوضع أفضل حالًا، فالائتلاف الحاكم ممثلًا أساسًا في حركتي النهضة ونداء تونس أخفق في إرساء المحكمة الدستورية وتفعيل النظام اللامركزي وتنظيم الانتخابات الجهوية، وكان تحالفهما بلا رؤية أو برنامج أو تصورات، وارتكز بالأساس على تفاهمات الشيخين. 

هذا الوضع السياسي ازداد تعفنًا بعد أن بدأ حزب نداء تونس (حزب السبسي) يتداعى مثل جدار برلين، ومعه تحول المشهد البرلماني إلى ما يشبه السيرك بسبب السياحة البرلمانية، حيث بات النائب ينام في حزب ويستيقظ في حزب آخر، ما نفر عامة الناس أكثر وأكثر من السياسة والسياسيين.

المشهد السياسي عشية انتخابات 2019

وسط هذه الظروف، ذهب التونسيون إلى الانتخابات وهم ناقمون على نخبة سياسية يتهمونها بالكذب وزيف الوعود والفشل في إدارة البلاد منذ سنة 2011، وكانت المفاجأة في الانتخابات الرئاسية حين وصل إلى الدور الثاني أستاذ في القانون الدستوري لم يعرفه الشعب التونسي إلا من خلال شاشات التلفاز، حين كانت تستضيفه القناة الوطنية 1 للتعليق على مداولات المجلس الوطني التأسيسي بخصوص كتابة الدستور خلال سنوات 2012 و2013.

في مقابل قيس سعيد، لم تكن مفاجأة صعود نبيل القروي إلى الدور الثاني أقل شأنًا، فالقروي هو الآخر لم يسبق له أن تولى أي منصب أو مسؤولية في الدولة وحتى الأدوار التي لعبها في السياسة كانت من وراء الكواليس، وله يعزى صناعة الباجي قايد السبسي وحزبه (حركة نداء تونس) إعلاميًا بين عامي 2012 و2014، فقد كان الرجل أشبه بالمستشار الاتصالي للسبسي.

كان فوز حركة النهضة أمرًا منتظرًا في غياب حزب أو جبهة سياسية متماسكة قادرة على منافستها، لكن فوز النهضة هو الآخر كان فوزًا أعرج

في الواقع، لم تتوقف مفاجآت القروي عند ذلك الحد، فعندما نجح الرجل في الدور الأول للانتخابات الرئاسية، كان حينها يقبع في السجن كمتهم في قضايا تتعلق بالتهرب الضريبي وتبييض الأموال، وهو ما قلص حظوظه في الفوز، وتراجعت هذه الحظوظ أكثر وأكثر عندما طفت إلى السطح صلاته بشركة "دينكنز أند ماديسون" للعلاقات العامة التي يديرها ضابط الموساد السابق الإسرائيلي آري بن ميناشي، وقد قيل آنذاك إن القروي أبرم عقدًا مع الشركة بقيمة مليون دولار من أجل استمالة دوائر الحكم الغربية لدعمه في الوصول إلى سدة الرئاسة.

في خضم هذا السباق، وجد التونسيون أنفسهم أمام مفترق طرق عليهم فيه الاختيار بين شخص تتعلق به شبهات فساد وارتباطات بدوائر صهيونية وشخص رأى فيه طيف واسع من الناخبين الرجل الطاهر، نظيف اليدين، البعيد عن كل الشبهات والنائي بنفسه عن جميع الأحزاب، وذلك على الرغم من أن قيس سعيد لم تكن له رؤية واضحة فيما يتعلق بقضايا الأمن القومي والسياسة الخارجية التي تعد من صلب مهام رئيس الجمهورية حسب ما ينص عليه الدستور.

الانتخابات التشريعية عرفت هي الأخرى بعض المفاجآت ولو أنها لم تكن بنفس درجة الزخم من حيث المشاركة مقارنة بالانتخابات الرئاسية (خاصة على مستوى الدور الثاني)، فبعد تلاشي كل من حزبي نداء تونس والحزب الوطني الحر، شهدت انتخابات 2019 صعود ملفت لكل من الحزب الدستوري الحر بقيادة عبير موسي الذي يعتبر سليل نظام بن علي، وحزب قلب تونس الذي بني حول صورة زعيمه نبيل القروي، وائتلاف الكرامة الذي يصفه البعض بالجناح الغاضب من سياسات وتنازلات حركة النهضة، وكذلك حركة الشعب (حزب قومي ناصري) التي يعزى نجاحها إلى التصاقها بصورة المرشح للرئاسيات الكاتب الصافي سعيد (علمًا بأن الرجل لا ينتمي إلى الحركة وهو فقط نال دعمهم لترشيحه). 

من جهة أخرى، كان فوز حركة النهضة أمرًا منتظرًا في غياب حزب أو جبهة سياسية متماسكة قادرة على منافستها، لكن فوز النهضة هو الآخر كان فوزًا أعرج، فقد خسرت الحركة 17 مقعدًا بالمقارنة مع انتخابات 2014، ومن أجل تشكيل حكومة ائتلافية، ستكون النهضة بحاجة إلى تقديم الكثير من التنازلات وإرضاء العديد من الأطراف، وهو ما يفسر فشلها في تمرير حكومة الحبيب الجملي في شهر يناير الماضي.

وسط الاتهامات المتبادلة بين حركة النهضة من جهة وحزب التيار الديمقراطي وحركة الشعب من جهة أخرى بشأن المسؤولية عن عدم نيل حكومة الجملي الثقة في البرلمان، وجدت جميع الأحزاب نفسها أمام خيار حكومة الضرورات التي اختار رئيس الجمهورية رئيسها بموجب ما يخوله له الدستور. 

وكانت ولادة حكومة الفخفاخ بعد شهر واحد وبالتحديد في نهاية شهر فبراير، وسط مراهنات بأنها قد تكون حكومة المصالحات والإصلاحات الكبرى التي قد تعيد جمع تلك الكتلة التاريخية من أجل الديمقراطية لكن هذه المرة في إطار فريق حكومي، وتتمكن من فتح ملفات الفساد الحساسة وتقوم بالإصلاحات الاقتصادية الجريئة التي لم تقدم عليها الحكومات السابقة.

لكن هذه الحكومة لم تعمر إلا 6 أشهر، فبعد أول زلة لرئيسها إلياس الفخفاخ الذي اتهم بمنح صفقات عمومية لفائدة شركات تجمعها به علاقات تجارية، كان سقوط حكومته السريع وهي التي لم يكتب لها الفرصة للبدء في أي إصلاحات أو مشاريع كبرى، بما أن وزراءها وجدوا أنفسهم منذ اليوم الأول لاستلامهم مناصبهم أمام امتحان مواجهة وباء كورونا وتداعياته الاقتصادية.

في الأثناء، بحلول شهر يناير من هذا العام، بدأ رئيس الجمهورية يتحدث بخطاب يلفه الغموض عن مؤامرات وغرف سوداء لا يعرف أصحابها إلا هو ولم يصارح بها الشعب إلى يومنا هذا، لكن ولإن كانت هوية متلقي هذه الرسائل غير واضحة في الأسابيع الأولى، إلا أن الأيام التالية كشفت لنا أن مونبليزير هي عنوان رسائل الرئيس وأن حركة النهضة هي المعني الأول بكلام سعيد، حتى إن الرجل لم يعد يفوت الفرصة لمناكفتها ومعاندتها خلال الأشهر الأخيرة.

بعد تمرير الحكومة الجديدة، تقف تونس اليوم إزاء موازين قوى جديدة، أمام اصطفافات جديدة وأمام مشهد جديد قد يستمر إلى الانتخابات القادمة في 2024

حكومة المشيشي وإعادة تشكيل المشهد

بحلول شهر يوليو، كان الاحتقان السياسي قد بلغ أشده عندما قررت حركة النهضة رسميًا سحب الثقة من حكومة الفخفاخ على خلفية شبهات الفساد المتعلقة به، وبموازاة ذلك، كان معارضو النهضة يحشدون قواهم داخل البرلمان عبر الدفع بلائحة لسحب الثقة من رئيسه راشد الغنوشي إثر اتهامه بسوء تسيير المؤسسة السيادية، بينما كان الرئيس قيس سعيد يصر على عودة المبادرة إليه بخصوص تسمية رئيس الحكومة الجديد واختار ابن المدرسة الوطنية للإدارة، وزير داخلية حكومة الفخفاخ هشام المشيشي.

لوهلة، بدا أن النهضة وصلت إلى طريق مسدود، حيث بات رئيسها مهددًا بسحب الثقة منه كرئيس لمجلس نواب الشعب، ومن جهة أخرى بدا أن المبادرة خرجت من بين أيديها فيما يتعلق بتشكيل الحكومة، وأنه بات عليها الاختيار بين التصويت لحكومة المشيشي أو الذهاب نحو حل البرلمان. 

لكن فجأة، انقلبت الطاولة على خصوم النهضة بعد إشهار تحالفها البرلماني بشكل رسمي مع كل من حزب قلب تونس وائتلاف الكرامة أو ما صار يعرف بالترويكا الجديدة، وهي التي كان يتهمها شركاؤها السابقون في حكومة الفخفاخ (التيار الديمقراطي وحركة الشعب) بأنها شكلت هذا التحالف في الخفاء منذ بداية هذه الدورة البرلمانية. 

المحصلة كانت أن لا الغنوشي عزل من منصبه ولا حركة النهضة جلست على مقعد المعارضة إثر التصويت على حكومة المشيشي، خاصة بعد أن بعث رئيس الحكومة الجديد مؤشرات توحي بأنه يود الحفاظ على مسافة من الاستقلالية تجاه رئيس الجمهورية وأنه يود العمل مع الجميع بما فيهم البرلمان أو لنقل الأغلبية البرلمانية التي سوف توفر لحكومته الحزام السياسي. 

بعد تمرير الحكومة الجديدة، تقف تونس اليوم إزاء موازين قوى جديدة، أمام اصطفافات جديدة، وأمام مشهد جديد قد يستمر إلى الانتخابات القادمة في 2024، لكن هذا لا يعني طبعًا نهاية الصراع بين النهضة وخصومها، فكتلة الحزب الدستوري سوف تواصل محاولات تعطيل السير العادي للبرلمان وتقويض سلطة الغنوشي داخله.

في الوقت ذاته، قد تتواصل الخلافات بين حركة النهضة وقيس سعيد وتتحول إلى صراع تكون مؤسسات الدولة ساحته، خاصة بعد أن أعلن الرئيس الحرب في خطاب ناري ألقاه خلال أداء أعضاء حكومة المشيشي اليمين الدستورية، متوعدًا ما أسماهم "الخونة وعملاء الاستعمار".

كل هذه المعطيات تدفعنا إلى الاعتقاد بأن طريق هذه الحكومة لن يكون سالكًا، واستمرارها إلى عام 2024 سيكون موضع شك

يجدر الإشارة إلى أن الترويكا الجديدة تضع ضمن خطوطها العريضة هدفين أساسيين كما صرح بذلك القيادي في ائتلاف الكرامة سيف الدين مخلوف، الأول يتمثل في استكمال انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية من البرلمان، والثاني يتمثل في تعديل القانون الانتخابي عبر فرض عتبة الـ5% في الانتخابات التشريعية، وهو التعديل الذي سوف تستفيد منه الأحزاب المتصدرة للنتائج كما بينت ذلك عمليات المحاكاة التي جرت على نتائج انتخابات 2019 الذي سيكون مضرًا من جهة أخرى للمستقلين وأحزاب أكبر البقايا.

ويبقى السؤال الأهم بالنسبة لحركة النهضة عن مدى قدرة هذا التحالف على الصمود طويلًا، فالأحزاب الثلاث التي يبدو أنها تتفق مصلحيًا بدرجة أولى على التصدي لمشروع سعيد الرئاسوي، لا تجمع بينها أي هوية أو خط إيديولوجي أو حتى وثيقة مبادئ، فقبل بضعة شهور فقط، كان ائتلاف الكرامة يرفض الحكم مع حزب قلب تونس، وحين طرح نواب ائتلاف الكرامة في بداية هذه الصائفة لائحة لطلب الاعتذار من فرنسا على جرائمها الاستعمارية في تونس، كانت حركة النهضة أول من خذلهم وأسقط اللائحة.

من جهة أخرى، قد لا يكون رهان حركة النهضة على نبيل القروي مجديًا، نظرًا لأن حزب قلب تونس (شأنه شأن حزب نداء تونس)، بني حول صورة الزعيم وليس على أفكار أو مبادئ، ولا كحزب سليل عائلة سياسية عريقة ذي مؤسسات وهياكل ديمقراطية، ولا يستبعد أن يكون مصيره مثل حزب نداء تونس الذي انتهى به الأمر متشظيًا إلى "شقوق"، وقد عرف قلب تونس بالفعل أول تصدع له إثر استقالة 11 نائبًا من الكتلة النيابية وانشقاقهم عن الحزب في شهر مارس الماضي بسبب ما قيل إنه "غياب للحوكمة والتسيير داخله".

كل هذه المعطيات تدفعنا إلى الاعتقاد بأن طريق هذه الحكومة لن يكون سالكًا واستمرارها إلى عام 2024 سيكون موضع شك، وأننا ربما قد نكون على موعد مع انتخابات تشريعية مبكرة قبل ذلك التاريخ، ويبقى الخاسر الأكبر في كل ما يحصل هو المواطن الذي ما زال يبحث عن حكومة مستقرة قادرة على معالجة أزماته المعيشية والخدمية التي طال انتظار حلها.