رغم حداثة سنها تمكنت المترجمة يارا المصري من لفت أنظار المجتمع الأدبي وذلك من خلال مشاريعها المنجزة في عالم الترجمة

لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نذكر الكتب والروايات التي حُفرت في ذاكرتنا أو تلك التي تضمها مكتباتنا دون أن نعرج على الآداب المترجمة، فذائقتنا الأدبية لا تكتمل دون براعة أعمال دوستويفسكي وتولوستوي، وقراءة الشعر تحلو رفقة قصائد هوميروس وأوفيد وبودلير وبابلو نيرودا، أما المسرح فلم ينضج بعيدًا عن أعمال لوركا وشكسبير وصموئيل بيكيت.

والحقيقة أن للكلمات روحًا لا تسري إلا بلغتها، ولهذا ففعل الترجمة قد يضيع جزءًا من روحها وهذا ما يعرفه المترجمون جيدًا، ولهذا فالترجمة الجيدة ليست نقلًا لنص الكلمات فحسب لكنها إعادة خلقها من جديد بلغة مختلفة وهو الأمر الذي يحتاج من المترجم إلى بلاغة قوية وذكاء شديد لا يبرع فيه إلا قلة من روداها، وفي اليوم العالمي للترجمة الذي يوافق 30 من سبتمبر/أيلول من كل عام سنحكي لكم عن أبرع المترجمين الذي نقلوا الآداب من وإلى اللغة العربية.

سامي الدروبي: المترجم الذي أدخل ديستويفسكي إلى مكتبتنا العربية

ربما نشعر جميعنا كقراء للأدب الروسي وخاصة روايات ديستويفسكي أننا مدينون بشكل شخصي للمترجم السوري الدكتور سامي الدروبي الذي تولى تقديم علامات هذا الأدب عن اللغة الفرنسية وورطنا جميعًا في حب أعمال ديستويفكسي وبعض روايات تولستوي وبوشكين وميخائيل ليرمنتوف، وقد انكب الدروبي على ترجمة تلك الرويات بكل دأب إلى الدرجة التي جعلت طه حسين يصف مشروعه بأنه "مجهود مؤسسة كاملة".

وفي عشية يوم 12 من فبراير/شباط من عام 1976 نهض الدروبي من فراشه متجاهلًا شدة مرضه، أزاح أنبوب الأكسجين جانبًا وذهب إلى مكتبه وجلس يقلب في المعجم ليهوي ميتًا في الليلة ذاتها التي كان سينتهي فيها من ترجمة رواية "الحرب والسلم" لتولستوي، وفي مخيلتنا تظل تحفة الدروبي النفيسة هي ترجمته للأعمال الكاملة لديستويفسكي التي تشمل 18 مجلدًا أو نحو 11 ألف صفحة.

أنجز الدروبي عمله في الترجمة رغم انشغالاته الكبيرة ما بين الجامعة وكواليس العمل الدبلوماسي، حيث كان أستاذًا جامعيًا للفلسفة في جامعة حمص ثم عميدًا لكلية التربية في جامعة دمشق فوزيرًا للمعارف ثم سفيرًا لسوريا في يوغسلافيا ومن بعدها مصر والمغرب.

بين عامي 1986 و2004 أدار الدكتور والمترجم محمد عناني مشروع الهيئة العامة للكتاب الذي كان ينصب على الترجمة من العربية إلى اللغات الأجنبية الأخرى

منير البلعلبكي: شيخ المترجمين العرب 

لا يمكن أن تجد شخصًا عربيًا حاول تعلم اللغة الإنجليزية دون الاستعانة بقاموس "المورد" الذي يكاد لا يخلو أي منزل منه، كما أنه رفيق المترجمين والكتاب والباحثين في الآداب والعلوم الأجنبية لأنه قاموس متكامل وشامل جيد التبويب والتنظيم، بالإضافة لذلك فإنه يزودك بعدة خيارات لمعاني الكلمات حتى يسهل على المستخدم اختيار الكلمة المناسبة للسياق، وقد وضع هذا القاموس شيخ المترجمين العرب العلامة اللبناني منير البلعلبكي وهو الوصف الذي أطلقه عليه عميد الأدب العربي طه حسين.

كان البعلبكي يرى أن عصر التنوير لم يكن عصر طه حسين ورفاقه، لكنه بدأ مع رفاعة الطهطاوي الذي وضع أول لبنة للتواصل الفكري بين اللغة العربية واللغات الأجنبية، وفي مجال الترجمة كان البعلبكي يرى أنها يجب أن تكون مدعومة من مؤسسة مركزية عربية، كما عارض بشدة ما أسماه العرب "الترجمة بتصرف" والترجمة الحرفية، إذ كان يرى أن الترجمة الناجحة هي التي تكون مخلصة للنص الأصلي وترتكز على معرفة جيدة بثقافة اللغتين المعنيتين لأن النقل الحرفي قد يشوه المعنى الأصلي.

وبالنسبة إليه كانت الترجمة أصعب بمراحل من التأليف الأدبي، فمن وجهة نظره وضع المؤلف يشبه من يقود سيارة في طريق فسيح يمكنه دومًا الانتقال بسهولة بين اليمين واليسار، لكن المترجم أشبه بسائق الترام الذي لا يمكنه أن يحيد عن المسار المرسوم سلفًا، ومن أشهر الأعمال التي نقلها لنا البعلبكي إلى اللغة العربية: رواية "البؤساء" لفيكتور هوجو و"قصة مدينتين" لتشارلكز ديكينز و"العجوز والبحر" لإرنست همنجواي و"تجاربي مع الحقيقة" للمهاتما غاندي وكتاب "الإسلام والعرب" لروم لاندو.

محمد عناني: الترجمة من العربية إلى اللغات الأجنبية 

بين عامي 1986 و2004 أدار الدكتور والمترجم محمد عناني مشروع الهيئة العامة للكتاب الذي كان ينصب على الترجمة من العربية إلى اللغات الأجنبية الأخرى، لكن توقف المشروع مخلفًا وراءه عددًا هائلًا من الترجمات التي ملأت خزائن الهيئة بعد فشل توزيعها، وقتذاك استشهد العناني بمقولة هنري وايموت الذي ترجم الجزء الثاني من رواية "الأيام" لطه حسين إلى اللغة الإنجليزية ووصف فيها الأدب العربي قائلًا: "هذا أدب غريب ينتمي إلى بلدان متخلفة علميًا وصناعيًا واقتصاديًا".

كما ذكر العناني أن الغرب لا يترجم الأدب العربي ويحصره فقط في الشعر الجاهلي والأدب الشعبي متمثلًا في حكايات ألف ليلة وليلة التي تُرجمت إلى اللغة الإنجليزية في القرن التاسع عشر، وفي سياق متصل ذكر المستشرق الفرنسي ريشار جاكمون أن حركة الترجمة من العربية إلى اللغات الأجنبية ضعيفة للغاية ولا تزيد بأي حال من الأحوال على 1% من مجموع الترجمات وعادة ما تتركز تلك النسبة في الكتب الدينية، حيث يقول جاكمون إن ترجمات القرآن والكتب الدينية والمؤلفات التي تتناول سير الشخصيات التاريخية الإسلامية أضحت من الظواهر الملحوظة مؤخرًا في فرنسا.

على أهمية فعل الترجمة في مد جسور التواصل بين مختلف الحضارات والمجتمعات المتباعدة، تواجه الترجمة في عالمنا العربي تحديات عصيبة بسبب قلة المبادرات العربية

يارا المصري: الترجمة عن اللغة الصينية 

رغم حداثة سنها تمكنت المترجمة يارا المصري من لفت أنظار المجتمع الأدبي وذلك من خلال مشاريعها المنجزة في عالم الترجمة خاصة أنها تترجم أدبًا ما زال مجهولًا في العالم العربي رغم خصوصيته الثقافية والجمالية والفنية وهو الأدب الصيني الذي مر بالكثير من المراحل والمنعطفات وهو الأمر الذي زاد كثيرًا من ثرائه.

ففي مرحلته الأولى كان الأدب الصيني القديم مرتبطًا بالفلسفة وتعاليم الكونفوشية وطبيعة الصين الجغرافية الخلابة، ثم بعد ذلك جاءت المرحلة الثانية مع حركة الرابع من مايو ووقتها ركز الأدب على زيادة الوعي لدى الشعب والكفاح من أجل إنقاذ الوطن، أما الأدب الصيني المعاصر الذي بدأ مع تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949 فإنه أدب مقاوم يحاول التحرر من قبضة الثورة الثقافية من خلال التعبير عن دواخل الكتاب النفسية ومشاعر غضبهم تجاه النكبات والهيمنة التي يتعرض لها الشعب.

ومن هذا المنطلق تقول يارا إن الأدب الصيني مليء بالمفاجآت ولا يزال الطريق أمامها طويلًا جدًا لنقله إلى الجمهور العربي، وقد سبق وترجمت يارا المصري تسعة أعمال من الأدب الصيني منها المجموعة القصصية "العظام الراكدة" للكاتبة الصينية آشه، كما صدر لها أيضًا رواية "الفرار" للكاتب سوتونغ الحائز على جائزة البوكر الآسيوية عام 2009 والمجموعة القصصية "رياح الشمال" للكاتبة بينغ يوان ورواية "الذواقة" للكاتب لو وين فو.

ختامًا وعلى أهمية فعل الترجمة في مد جسور التواصل بين مختلف الحضارات والمجتمعات المتباعدة، تواجه الترجمة في عالمنا العربي تحديات عصيبة بسبب قلة المبادرات العربية الحكومية التي تعني بترجمة الآداب من اللغة العربية وإليها، هذا في مقابل اهتمام كبير من المؤسسات الحكومية الدولية والحكومات الأجنبية في دعمها للترجمة من خلال المنح والجوائز، ومن هنا يتطلب الأمر تبني إستراتجية فكرية وإرادة سياسية حقيقية من الحكومات والجهات المعنية لدعم الترجمات خاصة ترجمة الكتب والروايات العربية إلى اللغات الأجنبية الذي من شأنه أن يساهم في تغيير الصورة النمطية للشعوب العربية.