الصحفي السعودي جمال خاشقجي

توهم الضالعون في مقتل الصحفي السعودي المعارض جمال خاشقجي في مقر قنصلية بلاده بإسطنبول في 2 من أكتوبر/تشرين الأول 2018 أن إسدال الستار على المسار القضائي للقضية عبر محاكمات هزلية قد ينهي هذا الفصل الذي وضع سمعة المملكة ونظامها الحاكم على المحك أمام المجتمع الدولي.

غير أن رياح العدالة لم تأت كما تشتهي سفن الأنظمة الديكتاتورية، فقبل يومين أعدت النيابة العامة في مدينة إسطنبول مذكرة ادعاء ثانية بحق 6 من منفذي جريمة القتل، وقد تضمنت لائحة الاتهام توجيه تهم القتل العمد بشكل وحشي لشخصين، والمطالبة بالحكم عليهما بالسجن المؤبد المضاعف، فيما طالبت بسجن بقية المتهمين، وهو ما أعاد القضية للأضواء مرة أخرى.

وبالأمس كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية عن تحقيق حلم خاشقجي الذي طالما داعب خياله قبل رحيله، وذلك بإعلان أصدقائه إطلاق منظمة "الديمقراطية للعالم العربي الآن"، وهي المنظمة التي تلبي أحلام الصحفي الراحل في تعزيز الديمقراطية في عالمه العربي.

ورغم الأموال الطائلة التي أنفقت لأجل طي هذه الصفحة للأبد، ساعد في ذلك أنظمة حكم حليفة، إلا أن طيف خاشقجي سيظل كابوسًا يؤرق مضاجع القتلة ومن يدعمهم أينما كانوا، لتبقى هذه الجريمة البشعة بكل تفاصيلها وصمة عار وسبة في جبين كل من شارك فيها، بالفعل أو التأييد أو حتى الصمت.

الحلم يتحقق بعد عامين على الرحيل

كان خاشقجي يسعى لتأسيس منظمة في واشنطن تهدف إلى إرساء قيم الديمقراطية في البلاد العربية ومجابهة أوجه التنكيل وتضييق الخناق على المعارضين، وذلك قبل اغتياله بأشهر قليلة، حسب المقال المنشور في الصحيفة الأمريكية الذي كشف أن أصدقاء الصحفي السعودي يستعدون هذه الأيام لإطلاق هذا الكيان الذي يعرف اختصارًا بالإنجليزية بـ"DAWN" وبالعربية "فجر".

ومن بين الأهداف التي تسعى المنظمة لتحقيقها، كشف الخروقات والانتهاكات التي يرتكبها حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة العربية، لا سيما السعودية ومصر والإمارات، ونشر مقالات المعارضين المنفيين من مختلف بلدان الشرق الأوسط، وهو الحلم الذي لاحقه خاشقجي طويلًا بعد التضييق الذي تعرض له من سلطات بلاده بسبب مواقفه وآرائه السياسية.

المديرة التنفيذية للمنظمة سارة ليا ويتسون علقت على تدشين هذا الكيان بقولها: "المبدأ الأساسي القائل إن الديمقراطية وحقوق الإنسان هي السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار والأمن والكرامة بالشرق الأوسط هو نظرة جمال 100 بالمائة"، مضيفة في حديثها لـ"نيويورك تايمز": "وهذا بالتحديد الهدف الذي أراد من ورائه إنشاء هذه المنظمة".

وأضافت أن المرحلة الأولى من العمل بالمنظمة سيتم التركيز فيها على البلدان المتسلطة التي تربطها علاقات وثيقة بالولايات المتحدة الأمريكية، مثل مصر والإمارات والسعودية، لافتة في الوقت ذاته إلى أن أحد أهداف هذا الكيان هو تفنيد ودحض المقولة التي تشير إلى أن أمريكا طرف فاعل للخير في الشرق الأوسط.

وجاءت فكرة إنشاء هذا الكيان الحقوقي السياسي بعدما غادر خاشقجي بلاده صيف 2017 هربًا من الاعتقال، حيث استقر به الحال في واشنطن، ليباشر عمله ككاتب مقالات في صحيفة "واشنطن بوست" التي سخر معظمها لتوجيه الانتقادات لسياسات ولي العهد محمد بن سلمان، وإستراتيجية القمع والتنكيل بحق المعارضين التي لم تترك شيخًا ولا مصلحًا ولا كاتبًا ولا ناشطًا إلا وطالته يد القمع بسبب آرائه ومواقفه حتى إن لم تتعارض مع توجهاته بشكل مباشر أو صريح.

تم تسجيل المنظمة بالولايات المتحدة بداية 2018 أي قبل اغتياله، لكن ظروف التمويل وملابسات القضية حالت دون إشهارها حتى اليوم، غير أن أصدقاءه جمعوا مؤخرًا التمويل اللازم ووضعوا الأسس الرئيسية والخطط المطلوبة لإطلاقها رسميًا.

المنظمة لن تكشف هوية منتهكي حقوق الإنسان من الصف الأوسط فقط ولكن من أفلتوا من الملاحقة ودعموا تلك الانتهاكات، سواء من الحكومات والأنظمة، وهو ما أكدته المديرة التنفيذية فدوى مساط التي قالت: "هذه الحكومات تقول إنه لا الملك ولا ولي العهد أو وزير الداخلية هم المسؤولون عن الانتهاكات، لكن الناس الذين حولهم ونريد الحصول عن أسماء الأشخاص الذين يقفون وراء الانتهاكات".

خاشقجي يوحد كلمة المنفيين

لم يكن خاشقجي المعارض السعودي الوحيد الذي يستهدفه نظام ابن سلمان، فالقائمة طويلة وإن لم يتم كشفها إعلاميًا، ومن أبرز حلقاتها التي سُلط الضوء عليها مؤخرًا، ضابط الاستخبارات السعودي السابق ومستشار ولي العهد السابق الأمير محمد بن نايف سعد الجبري، الذي اتهم ولي العهد بإرسال فريق لاغتياله في كندا.

الجبري الذي يعد كنز معلومات المملكة بحكم منصبه السابق بجهاز الاستخبارات السعودية، اضطر بعد التهديدات التي تلقاها إلى رفع دعوى قضائية في واشنطن ضد محمد بن سلمان، ما دفع محكمة واشنطن الفيدرالية لإصدار أوامر استدعاء قضائية بحقه و13 آخرين، للرد على تلك الاتهامات.

ما تعرض له خاشقجي ومن بعده الجبري ومن قبلهما العديد من الأمراء والمعارضين في الداخل والخارج، فضلًا عن حملات الاعتقالات التي شملت نخبة الفكر والعلم في المملكة، دفع المنفيين المعارضين لتوحيد جبهتهم في مواجهة بطش الأمير الشاب وتنكيله بكل من يغرد على عكس ما يهواه سربه.

ففي الـ23 من سبتمبر/أيلول الحاليّ أعلن عدد من الشخصيات السعودية المعارضة تشكيل حزب سياسي تحت اسم "التجمع الوطني"، ليصبح النواة الأولى لتأسيس مسار ديمقراطي لآلية الحكم في المملكة، ساعيًا لتجنيبها الانزلاق إلى مزيد من الاضطرابات العنيفة بحسب البيان التأسيسي للحزب الذي ألقاه المعارض عمر عبد العزيز.

وكان البيان قد دعا إلى تشكيل مجلس نيابي منتخب بالكامل، وفصل السلطات الثلاثة التشريعية والقضائية والتنفيذية وفق ضوابط دستورية، لافتًا إلى أن "انسداد الأفق السياسي" كان الدافع الأبرز لهذه المحاولة محفوفة المخاطر، مضيفًا "الكثيرون فقدوا حرياتهم وأعمارهم في المحاولة".

ربما لم يكن هذا التحرك هو الأول من نوعه، إذ سبقته دعوات مماثلة لتشكيل كيانات سياسية معارضة في الخارج، غير أنه يعد سابقة هي الأولى من نوعها كأول تحرك سياسي منظم ضد السلطة في عهد سلمان، وهو ما يعول عليه الكثيرون في فتح ثغرات في الأفق السياسي المغلق بأمر من الأمير وحاشيته.

المنظمة الحقوقية التي أعلنها أصدقاء خاشقجي وبجوارها الحزب السياسي المزمع تدشينه والتحرك التركي المجدد لإحياء القضية والدعوات القضائية المرفوعة ضد ابن سلمان تشي بمرحلة جديدة تنتقل إليها المعارضة السعودية في الخارج لمحاولة فرض نفسها على أرضية مختلفة تسعى من خلالها لتحويل جهودها من الكشف عن الفساد والقمع والتنكيل إلى العمل المنظم الذي يستهدف تقويض أركان الحكم الديكتاتوري ويضع اللبنة الأولى لبناء نظام سياسي على أسس ديمقراطية سليمة.

يمثل كل ما سبق جزء من مقاومة طيف خاشقجي لمحاولات التغطية عن آثار جريمة مقتله وإلصاق التهمة بآخرين، إلا أن إطلاق منظمة "الديمقراطية للعالم العربي الآن" بعد مرور عامين على رحيله، سيكون المرآة التي تفضح كل من شارك في تلك الجريمة مهما اعتلاها غبار الزمن وأنضويت خلف المليارات المنفقة لطيها.