إعدامات بالجملة بحق معارضين مصريين

في مجزرة حقوقية جديدة نفذت السلطات المصرية بالأمس الأحد 4 من أكتوبر/تشرين الأول حكم الإعدام بحق 15 معتقلًا سياسيًا على خلفية قضايا متنوعة، 10 منهم في قضية "أجناد مصر1" و3 في قضية "اقتحام قسم شرطة كرداسة" و2 في قضية "مكتبة الإسكندرية"، وذلك حسبما أعلنت منصة "نحن نسجل" الحقوقية.

وقبلها بيوم واحد فقط أعلنت المنصة عن تنفيذ الحكم بحق 3 معتقلين آخرين من منطقة كرداسة بالجيزة، ليصل إجمالي من نفذ بحقهم أحكام الإعدام 18 معتقلًا خلال 48 ساعة فقط، وسط تنديد وغضب شعبي وحقوقي محلي ودولي.

ونشر "عربي 21" قبل أيام تسجيلًا صوتيًا عن تعرض أحد المنفذ بحقهم حكم الإعدام بالأمس "ياسر الأباصيري" للتنكيل والإذلال من إدارة السجن، متحدثًا عن الظروف المعيشية الصعبة والمؤلمة التي يعانيها المعتقلون داخل السجون، وذلك قبل أن يعلم بموعد تنفيذ حكم الإعدام به.

وفي الـ20 من فبراير/شباط الماضي كانت وزارة الداخلية المصرية قد نفذت حكم الإعدام بحق 9 معارضين في القضية المعروفة إعلاميًا باسم "اغتيال النائب العام هشام بركات"، وذلك رغم المناشدات الدولية الصادرة عن منظمات حقوقية لوقف تنفيذ الحكم، بسبب افتقاد المحاكمات لمسار العدالة في ظل الاعترافات التي أدلى بها المتهمون تحت وطأة التعذيب كما قالت منظمة العفو الدولية.

وبأحكام الـ48 ساعة الماضية يرتفع عدد من نفذ بحقهم حكم الإعدام شنقًا منذ وصول الرئيس الحاليّ عبد الفتاح السيسي للحكم في يونيو/حزيران 2014 قرابة 60 معارضًا، فيما يقبع ما يزيد على 50 آخرين في انتظار لحظة تنفيذ القرار بعدما صدرت بحقهم أحكام نهائية بالإعدام.

وتجاوز نظام السيسي في السنوات السبعة التي تولى فيها مقاليد السلطة ما ارتكبه نظام حسني مبارك في 30 عامًا فيما يتعلق بالإعدامات السياسية للمعارضين، ما جعل مصر تتبوأ المرتبة السادسة عالميًا من حيث تنفيذ أحكام الإعدام بعد الصين وإيران والسعودية وفيتنام والعراق، وهو ما جعل النظام الحاليّ دومًا في مرمى الانتقادات الحقوقية الدولية المتكررة، التي وصفت معظم تلك المحاكمات بـ"الجائرة".

تأتي موجة الإعدامات الأخيرة في وقت يشهد فيه الشارع المصري حالة من الاحتقان والغضب ضد سياسات الرئيس المصري وحكومته التي أدت إلى تفاقم الأوضاع المعيشية للمواطنين ودفعت بالملايين منهم إلى آتون الفقر والعوز، هذا بخلاف سياسة "الحلب" التي يتبعها النظام تجاه المواطنين لسد العجز المتفاقم بسبب منهجية الاقتراض التي قفزت بحجم الديون الخارجية لمصر لما يزيد على 112 مليار دولار، أكثر من ثلثيها كان في السنوات الستة الأخيرة.

وشهدت الساحة المصرية خلال الأيام الماضية العديد من التظاهرات الاحتجاجية المنددة بسياسات النظام والمطالبة برحيله، الأمر الذي أدى إلى وقوع مناوشات بين قوات الشرطة والمتظاهرين أسفرت عن سقوط عدد من القتلى والمصابين، وذلك رغم تشديد القبضة الأمنية على منافذ الحريات والتعبير في البلاد، الأمر الذي دفع إلى التساؤل عن الرسائل التي يبعث بها النظام من خلال مجزرة الإعدامات الأخيرة التي تزامنت مع موجة الغضب الحاليّة.

.

ترهيب المعارضين

حرص السيسي منذ توليه السلطة على الزج بخصومه السياسيين، أيًا كانت انتماءاتهم - بعضهم كان حليفًا له بداية الأمر- إلى ساحات القضاء ومنصات المحاكم، حيث الأحكام التي تسير في الغالب وفق منظومة واحدة، إما البقاء في السجون وإما الذهاب إلى حبل عشماوي لتنفيذ الإعدام شنقًا.

وبعيدًا عما يدار داخل كواليس التقاضي الذي كان مثار انتقاد العديد من المنظمات الحقوقية في مختلف دول العالم، فإن الانتقام من المعارضين عبر أحكام الإعدام التي يشوبها التسييس تحولت إلى عقيدة ومنهجية لدى النظام الحاليّ، وفق ما ذهب رئيس المنظمة العربية للإصلاح الجنائي محمد زارع.

زارع في تصريحاته لبرنامج "ما وراء الخبر" على "الجزيرة" في حلقة الـ4 من أكتوبر/تشرين الأول 2020 نقل عن محاميي من نفذت بحقهم أحكام الإعدام تأكيدهم "أنه لم تجر محاكمة موكليهم بشكل عادل، وأن المحاكمة تمت أمام محاكم غير مختصة، كما تعرض العديد منهم للإخفاء القسري".

وأضاف أن موجة الإعدامات التي انطلقت في مصر منذ 2014 لم تتوقف حتى اليوم، رغم المناشدات والاستغاثات الدولية، لافتًا إلى أن "عدد من نفذ بحقهم الإعدام خلال هذه الفترة نحو 200 شخص" على حد قوله، وهو الرقم الذي تجاوز الفترات الرئاسية المتتالية لحكام مصر السابقين.

تنفيذ تلك الأحكام في هذا الوقت الذي كسر فيه المصريون حاجز الخوف وعادوا للشارع مرة أخرى في تظاهرات - رغم  قلة عددها - أثارت انتباه الجميع وبددت سنوات التنكيل والتضييق، يحمل رسالة ترهيب واضحة للمعارضين والغاضبين، فالإعدام ربما يكون الرد على كل من تسول له نفسه أن يعترض طريق حكم الرئيس.. هكذا كانت الرسالة من وجهة نظر رئيس المنظمة العربية للإصلاح الجنائي.

وفي الجهة الأخرى يستبعد المحامي والمحلل السياسي أسعد هيكل أي ربط بين الاحتجاجات التي شهدها الشارع مؤخرًا وتنفيذ تلك الأحكام، مضيفًا في تصريحاته لـ"الجزيرة" أن أحكام الإعدام تأخذ الكثير من الوقت حتى يتم إقرارها وتنفيذها، لكنه في الوقت نفسه لم يجب عن اختيار هذا التوقيت بالذات لتنفيذها الذي يتزامن مع التظاهرات والدعوات المتتالية لموجة ثورية جديدة، مع الوضع في الاعتبار أن السيسي نفسه في أكثر من لقاء هدد وحذر من أن ما حدث في يناير 2011 لن يتكرر مرة أخرى مهما كان الثمن.

العدالة العرجاء

لم يُلق نظام السيسي بالًا للنداءات الحقوقية الدولية ولا مناشدات أهالي المعتقلين ولا دموع المكلومين على أبنائهم وذويهم، فمنذ الوهلة الأولى لتربعه على كرسي الحكم في الاتحادية، حرص الرئيس على إبراز العين الحمراء لكل من يغرد خارج السرب، حتى ولو كان شريكًا أساسيًا في انقلاب الثالث من يوليو 2013.

المبادرة المصرية للحقوق الشخصية (حقوقية مستقلة) كانت قد أعلنت ملفًا موثقًا بالأرقام لرصد أحكام الإعدام في مصر منذ ثورة يناير وحتى نهاية العام الماضي، وذلك بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام الذي يوافق الـ10 من أكتوبر/تشرين الأول من كل عام.

الملف الذي حمل عنوان "بالأرقام رصد لأحكام الإعدام في مصر من 2011 إلى 2019" كشف أن السنوات الأربعة الأخيرة على وجه التحديد شهدت تنفيذ أحكام إعدام لم تشهدها البلاد منذ عقود طويلة، نسبة كبيرة منها أحكام عبر القضاء العسكري وفي قضايا سياسية في المقام الأول.

وشهد العام 2019 إعدام 32 شخصًا على ذمة 9 قضايا ليصبح تنفيذ إعدامهم واجب النفاذ، وذلك من إجمالي أحكام أولية بإعدام 320 شخصًا على الأقل في 170 قضية، من بينهم 8 أشخاص في قضايا عسكرية وعدد آخر في قضايا سياسية على خلفية تظاهرات واحتجاجات عامة.

أما العام 2018 فشهد أحكامًا نهائية بتأييد إعدام 59 شخصًا على الأقل في 16 قضية ليصبح تنفيذ إعدامهم واجب النفاذ من إجمالي أحكام أولية بإعدام 543 شخصًا على الأقل ضمن 205 قضية ذات طابع سياسي أو جنائي، لتقترب من ضعف العدد المنفذ بحقه في 2017 الذي بلغ 32 شخصًا، من بينهم 25 شخصًا على الأقل عن طريق القضاء العسكري في قضايا سياسية.

وكان 2016 هو بداية الترجمة الفعلية لمجزرة الإعدامات حيث شهد إعدام 15 معتقلًا في قضايا سياسية، من إجمالي 24 شخصًا نفذت فيهم السلطات أحكام الإعدام خلال هذا العام، بينما تم إحالة أوراق 58 مصريًا للمفتي، في محاكمات قوبلت بموجة كبيرة من الانتقادات في هذا الوقت.

المبادرة في تقريرها استعرضت بعض مظاهر افتقاد تلك المحاكمات للعدالة وأبرزها الاختفاء القسرى، حيث كشفت أنه من خلال دراسة 28 قضية، تعرض على الأقل 198 شخصًا للاختفاء القسري لمدد متفاوتة وصلت في أقصى حد لها 219 يومًا، هذا بخلاف تعرض 212 متهمًا للتعذيب من خلال دراسة 31 قضية، وتراوح التعذيب بين الضرب بالأيدى والأرجل والآلات الحادة، إلى الصعق بالكهرباء في مختلف أماكن الجسد والأماكن الحساسة تحديدًا، والاغتصاب وهتك العرض، وصولًا إلى التهديد المعنوى بالاغتصاب أو الضرب أو التعرض لأهل المختفي بالسوء.

وآخر مظاهر التنكيل وغياب العدالة في المحاكمات كما تضمنها التقرير، إغفال مبدأ أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، حيث تم تصوير جهات الضبط لاعترافات المتهمين قبل وفي أثناء التحقيق معهم، ونشرها على منصات السوشيال ميديا، قبل بدء التحقيقات القضائية، وقد تكرر هذا الأمر مع 13 متهمًا على ذمة 5 قضايا من القضايا المرصودة.

ويبقى التزامن بين تنفيذ أحكام الإعدام بحق الـ18 معتقلًا خلال الـ48 ساعة الماضية والتظاهرات الأخيرة علامة استفهام لدى كثير من المراقبين، فهل تنجح إستراتيجية الترهيب في وأد الغضب داخل نفوس الشباب أم ستزيده قوةً وإصرارًا على الدفاع عن حقوقه؟ الأيام حبلى.